مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةشذور

نظام الأداء في الوقف والابتداء

 ” القارئ مأمور عند العلماء بإحسان الوقف والابتداء، حفظا على النظم الذي أعجز البلغاء تسويره وتفصيله :

**  بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ** [ يونس الآية 39]، فبإحسان الوقف تتبدَّى للسامع فوائده الوافرة، ومعانيه الفائقة، وتتجلى للمُنْتَجِعِ مقاصدُه الباهرة ومناحيه الرائقة، التي لم تستعن العرب على فهمها بمادة خارجة عنها، بل فهمته بفضل طباعها التي بها نُزِّل، وعليها فُصِّل. وأما غيرهم فإنما فهموه بالقوانين التي وُضعت لفهم عربيّتهم، ولقن لغتهم التي لا يسع القراء جهلها، ولا تكمل تلاوتهم إلا بها، فماذا تنفع القارئَ الرواية إذا قصرت به الدراية؛ فهو لقصوره يواقع اللحن في كل حين، ولا عذر له في جهالته عند أنصار الدين.

وقد قال أبو مزاحم الخاقاني:

                      فأول علم الذكر إتقان  حفظه           ومعرفة باللحن فيه إذا  يجري

                     فكن عارفا باللحن كيفما تزيله          وما للذي لايعرف اللحن من عذر

وإذا استُقبحَ من القارئ اللحن في شعر يُنشده، أو كلام يورده، فاستقباحُه منه، واستفحاشه عليه في كتاب الله تعالى أولى، وهو بالتوبيخ فيه والمقت عليه أحقُّ وأحرى.

أليس من الخطأ العظيم أن يقرأ كتاب الله تعالى، فيُقطعَ القطع يفُسد به المعنى، فيتولى تغيير الذكر الحكيم، وبئس ما تولَّى.

فيتعينُ فرضا على القارئ تحصيل ما يسدّده إلى القطع السليم، ويهديه إلى الابتداء القويم، فيستظهره حفظا وعلما، ويستنبطه فطنة وفهما، ويدارس به الأئمة النُبلاء، والمشيخة الفهماء، حتى إذا قرأ وصل ما يجب وصله، وفصل ما يجب فصله، ويتعمد القطع لقارئٍ في موضع تعمد الوصل فيه لغيره، ويتحرَّى فيصل المنعوت بنعته، والفعل بفاعله، والفاعل بمفعوله، والمؤكِّد بمؤكَّده، والبدل بالمبدل منه، والمستثنى بالمستثنى منه، والمعطوف بالمعطوف عليه، والمضاف بالمضاف إليه، والمبتدآت بأخبارها، والأحوال بأصحابها، والأجوبة بطالبها، والمميِّزات بمميَّزاتها، وجميعَ المعمولات بعواملها، ولا يفصل شيئا من هذه الجمل إلا في بعض أجزائها، إن كان رأس آية، فإن السنة أحكمت الفصل فيها، ويستذكر لازمه من ذلك حين دراسته، ويستثبته وقت إيراده ومباحثته، حتى يميِّزَ المقاطع التامة، من المقاطع الكافية، من المقاطع الحسنة، من المقاطع القبيحة، وما لا يجوز الوقف عليه جملةً.”    

المصدر : نظام الأداء في الوقف والابتداء ، لأبي الأصبغ الأندلسي المعروف بابن الطحان[ت561 ه‍‍‍]، ص 20-21-22، تحقيق د / علي حسين البوّاب، مكتبة المعارف الرياض 1985 م.   

اظهر المزيد

ذ.سمير بلعشية

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة
  • إجازة في الجيولوجيا من جامعة القاضي عياض بمراكش
  • إجازة في القراءات السبع
  • عضو هيئة التحرير لمجلة الحجة الصادرة عن المركز
  • تحقيق مفردة نافع لأبي عبد الله محمد بن شريح الإشبيلي (ت476ه‍)
  • تحقيق كتاب الاختلاف بين ابن عامر وقالون لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي (ت437‍ ه‍)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق