مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامأعلام

نساء فقيهات (6) هجيمة الوصابية: حياتها وفقهها. (الجزء الأول).

_ حياتها الخاصة:

  • نسبها ومولدها ونشأتها:

التابعية الجليلة هجيمة، وقيل: جهيمة، وقيل: جهينة بنت حيي الوصابية[1].كنيتها أم الدرداء الصغرى[2] نسبة إلى زوجها الصحابي الجليل عويمر بن مالك.

لا نملك الكثير من التفاصيل عن أسرة جهيمة، فكل ما نستطيع الوقوف عليه خبران؛

أحدهما: ما رواه الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، وابن جابر: “كانت أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء[3]. وهذا يدل على أنها قد فقدت أباها، وأنها قد نشأت في كنف الصحابي الجليل أبي الدرداء.

والثاني:ما رواه جبير بن نفير، عن أم الدرداء، أنها قالت لأبي الدرداء عند الموت: “إنك خطبتني إلى أبوي في الدنيا، فأنكحوك، وأنا أخطبك إلى نفسك في الآخرة”[4].

وهذان الخبران ظاهرهما التعارض من جهة ذكر اليتم في الأول وانتفاءه في الثاني، ولكنهما إذا صحا معا، احتملا الجمع بأن يكون المقصود بالأبوين في الخبر الثاني مَن سوى الوالدين كالأجداد وما شبه.

ولقد وقع في بعض التواليف أن أبا الدرداء لم يتزوج جهينة إلا بعد وفاة زوجه الأولى؛ الصحابية الجليلة خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي التي تكنى بأم الدرداء الكبرى؛ فقد قال النووي: “أبو الدرداء الصحابي، رضي الله عنه…كان له امرأتان كل واحدة يقال لها: أم الدرداء، صحابية، وتابعية، تزوج التابعية بعد وفاة الصحابية، واسم الصحابية خيرة، والتابعية جهيمة”[5].

 ولقد جاء في “الاستيعاب” أن خيرة رضي الله عنها، توفيت قبل أبي الدرداء بسنتين، فإذا ثبت الخبران – خبر زواج أبي الدرداء بجهيمة بعد وفاة خيرة رضي الله عنها، وخبر وفاة خيرة قبل أبي الدرداء بسنتين- فإن أم الدرداء الصغرى لمتتزوج أبا الدرداء سوى سنتين. والحق أن هذا الأمر، قد كان مستبعدا لو أن صلة جهينة بأبي الدرداء استحدثت بعد زواجها منه، إذ إن العلم الذي أخذت عنه قرآنا وفقها وحديثا، يبعد أن يتحمل في تلك المدة. أما وأنها قد نشأت في حجره وتزوجت به بأخرة، فمحتمل.

  • صلتها بالأمراء والسلاطين:

من أكثر ما تذكره كتب التراجم أنه بعد وفاة أبي الدرداء خطب معاوية بن أبي سفيان جهينة فرفضت؛ ذلك أنها لما وافت أبا الدرداء المنية “قالت: اللهم إن أبا الدرداء خطبني فتزوجني في الدنيا اللهم فأنا أخطبه إليك فأسألك أن تزوجنيه في الجنة. فقال لها أبو الدرداء: فإن أردت ذلك، فكنت أنا الأول، فلا تتزوجي بعدي. فمات أبو الدرداء، وكان لها جمال وحسن، فخطبها معاوية، فقالت: لا والله لا أتزوج زوجا في الدنيا حتى أتزوج أبا الدرداء إن شاء الله في الجنة”. وفي بعض الروايات أنها أخبرت معاوية بالذي كان “فقال: عليك بالصيام”[6].

ولقد كان لأم الدرداء الصغرى صلة طيبة بعبد الملك بن مروان، وكانت لها في نفسه مكانة ووقار؛ “قال إسماعيل بن عبيد الله: كان عبد الملك بن مروان جالسا في صخرة بيت المقدس، وأم الدرداء معه جالسة، حتى إذا نودي للمغرب قام، وقامت تتوكأ على عبد الملك حتى يدخل بها المسجد فتجلس مع النساء، ومضى عبد الملك إلى المقام فصلى بالناس”[7]. و”قال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، عن أبيه، عن جده قال:كان عبد الملك كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق”[8].

وفي جامع معمر بن راشد: “عن زيد بن أسلم، قال: كان عبد الملك بن مروان يرسل إلى أم الدرداء، فتبيت عند نسائه، ويسائلها عن الشيء، قال: فقام ليلة فدعا خادمه فأبطأت عليه، فلعنها. فقالت: لا تلعن، فإن أبا الدرداء حدثني أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن اللعانين لا يكونون يوم القيامة شفعاء ولا شهداء»”.

 وفي الجامع لابن وهب عن أبي حازم، أن عبد الملك بن مروان، بعث إلى أم الدرداء، وكانت عنده، فلما كانت ليلة، فأمر عبد الملك فدعا خادما، فكأنه أبطأ عنه حين دعاه، فلعنه، فلما أصبح قالت له أم الدرداء: قد سمعتك الليلة لعنت خادمك، فاعتذر أنه أبطأ عليه حين دعاه، فقالت: سمعت أبا الدرداء، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة»”[9].

  • وفاتها:

توفيت أم الدرداء الصغرى فيما يذكره الصفدي في حدود التسعين للهجرة، وذكر النووي أن قبرها وقبر زوجها “بباب الصغير من دمشق مشهوران”[10].

[1] قال ابن ماكولا: “الوصاب بالباء المعجمة بواحدة، منسوب إلى قبيلة من حمير، فيما قاله أبو نصر الكلاباذي. وقال أبو بكر بن الأسود: وهو منسوب إلى حي من اليمن، فجماعة منهم هجيمة ابنة حيي” الاكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب، ابن ماكولا (7/307).

[2] وهناك من ظن أنها عين أم الدرداء الكبرى؛ جاء في تاريخ ابن معين: “سمعت يحيى يقول وذكرت له أم الدرداء الصغرى وأم الدرداء الكبرى. فقال: قال أبو مسهر هى واحدة” وقال أبو نعيم: اسمها خيرة، وقيل: هجيمة. وقد تعقب عز الدين ابن الأثير هذا بقوله: ” قول أبي نعيم: اسمها خيرة، وقيل هجيمة، وهم لا شك فيه، لأنه قد ظن أنهما واحدة. وقد اختلف في اسمها، وليس كذلك، إنما هما اثنتان، أم الدرداء الكبرى وهي هذه خيرة، ولها صحبة. وأم الدرداء الصغرى، وهي هجيمة الوصابية” أسد الغابة (6/327، 328).

[3]تاريخ الإسلام، الذهبي (6/124).  تاريخ دمشق، ابن عساكر (70/151).

[4] تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزي (35/354). تاريخ الإسلام، الذهبي (6/124).

[5]تهذيب الأسماء واللغات، النووي (2/228).

[6]تهذيب الكمال في أسماء الرجال، المزي (35/354). سير أعلام النبلاء (4/278).

[7]تاريخ الإسلام، الذهبي (6/125).

[8]نفسه.

[9] الجامع في الحديث، ابن وهب، ص: 468.

[10] تهذيب الأسماء واللغات (2/228).

Science

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق