مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

نبذ من دلائل النبوة

الحمد لله وحده والصلاة والسلاة على من لانبي بعده

وبعد فقد أوردنا سلفا نبذا من شمائله صلى الله عليه وسلم، سيما حديث الحسن بن علي رضي الله عنه عن ابن أبي هالة، وها نحن أولاء نردف ذلك بقبس مختصر من دلائل نبوته، التي احتفى بها أهل السير والتواريخ، وأفاض في شأنها الفقهاء والمحدثون، وتناولها بالدرس والتحليل نبغة علمي الكلام والأصول.

ودلائله عليه الصلاة والسلام كثيرة وافرة؛ حتى قال البيهقي: «إنها بلغت ألفا»، وقال ابن تيمية: «إنها تزيد على الألف»، وزعم النووي في شرح مقدمة الإمام مسلم أنها تزيد على ألف ومائتين، وقيل: ثلاثة آلاف.. ([1])

 والحاصل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوفر الرسل معجزة، وأبهرهم آية، وأوفاهم علامة، وأدومهم دلائل([2])، وقد أورد جلها ابن سعد في الطبقات: (1 / 1: 112 )؛ وفصلها ابن كثير (6: 74 ) مستخرجا أحاديثها. وأفاض في شأنها أبو نعيم في «دلائل النبوة» وبخاصة في الفصلين الثاني والعشرين والتاسع والعشرين، والذهبي في التاريخ (1: 74، 240..)، والسيوطي في الخصائص الكبرى. وتقصاها البيهقي في دلائل النبوة. ولأهل الحديث أبواب في شأنها كقول البخاري في صحيحه: باب علامات النبوة.

وممن حفل بها حسن تهذيب وجمال ترتيب الإمام الحجة أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي (ت 456هـ) في كتابه المختصر النفيس «جوامع السيرة» فاقتبسناها هـهنا احتفاء بمقام النبوة، وتهمما بدلائلها، وتتميما لشمائلها.

قال رحمه الله: «أعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم منها:

(1)- القرآن، الذي دعا العرب وغيرهم مذ بعثه الله عز وجل قرنا إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة إلى أن يأتوا بمثله إن شكوا في صدقه، فأعجز الله تعالى عن ذلك جميع البلغاء، ومنع الجن عن ذلك وغيرهم، قال تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: 22] . وقال تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [يونس: 38]

(2) – وشق الله تعالى له القمر بمكة، إذ سألته قريش آية، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ [القمر: 1 2]

(3) – وأطعم النفر الكثير في منزل جابر، وفي منزل أبي طلحة يوم الخندق:

مرة ثمانين رجلا من أربعة أمداد من شعير وعناق، ومرة أكثر من ذلك من أقراص من شعير، حملها أنس بن مالك في يده. ومرة أطعم جميع الجيش وهم تسعمائة من تمر يسير أتت به ابنة بشير بن سعد في يدها، فأكلوا منه حتى شبعوا، وفضلت منه فضلة.

(4) – ونبع الماء من بين أصابعه، فشرب منه العسكر كلهم وهم عطاش، وتوضأوا كلهم، كل ذلك من قدح صغير ضاق عن أن يبسط فيه صلى الله عليه وسلم يده المكرمة.

وأهراق من وضوئه في عين تبوك، ولا ماء فيها، ومرة أخرى في بئر الحديبية، فجاشتا بالماء، فشرب من عين تبوك أهل الجيش، وهم ألوف، حتى رووا كلهم، وفاضت إلى يوم القيامة. وشرب من بئر الحديبية ألف وأربعمائة، حتى رووا كلهم، ولم يكن فيها قبل ذلك ماء.

(5) – وأمر عليه السلام عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير، فزودهم كلهم منه، وبقى بجثته كما كان.

(6) -ورمى الجيش بقبضة من تراب، فعميت عيونهم، ونزل بذلك القرآن في قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: 17]

(7) – وأبطل عز وجل الكهانة بمبعثه، فانقطعت، وكانت ظاهرة موجودة.

(8) – وحن إليه الجذع الذي كان يخطب إليه، إذ عمل له المنبر، حتى سمع منه جميع الحاضرين مثل صوت الإبل، فضمه إليه، فسكن. وموضع الجذع معروف إلى اليوم، موقف عليه.

(9)- ودعا اليهود إلى تمنى الموت، وأخبرهم أنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك، وهذا منصوص في القرآن.

 (10) – وأخبر بالغيوب، وأنذر بأن عمارا تقتله الفئة الباغية، وأن عثمان رضى الله عنه تصيبه بلوى وله الجنة، وأن الحسن بن علي رضوان الله عليهما سيد يصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فكان كل ذلك.

وأخبر عن رجل قاتل في سبيل الله عز وجل بأنه من أهل النار، فظهر ذلك، بأن ذلك الرجل قتل نفسه.

وهذه الأشياء لا تعرف ألبتة بشيء من وجوه تقدمه المعرفة، لا بنجوم ولا بكتف ولا بخط ولا بزجر.

(11) – وأتبعه سراقة بن مالك بن خعشم، فساخت قدما فرسه في الأرض، ثم أخرجها وأتبعه دخان، حتى استعاذه سراقة، فدعا له، فانطلقت الفرس.

(12) – وأنذر بأن ستوضع في ذراعيه سوار كشرى، فكان كذلك

(13)- وأخبر بقتل الأسود العنسي الكذاب ليلة قتله، وهو بصنعاء اليمن، وأخبر بمن قتله.

 (14) – وأنذر بموت النجاشي، وبينه وبينه البحر الملح، ومسيرة أيام في البر، وخرج هو وجميع أصحابه إلى البقيع، فصلوا عليه فوجد قد مات ذلك اليوم؛ إذ ورد الخبر بذلك.

(15) – وخرج من بيته على مائة من قريش ينتظرونه ليقتلوه بزعمهم، فوضع التراب على رؤوسهم، ولم يروه.

(16) – وشكا إليه البعير بحضرة أصحابه وتذلل له.

(17) – وقال لنفر من أصحابه: أحدكم في النار ضرسه مثل أحد، فماتوا كلهم على الإسلام وارتد منهم واحد: وهو الرحال الحنفي، فقتل مرتدا مع مسيلمة الكذاب، لعنهما الله تعالى.

(18) – وقال لآخرين منهم: آخركم موتا في النار، فسقط آخرهم موتا في النار، فاحترق فمات.

(19) – ودعا شجرتين فأتتاه فاجتمعتا، ثم أمرهما فافترقتا.

(20) – وكان صلوات الله وسلامه عليه نحو الربعة، فإذا مشى مع الطوال طالهم

(21) – ودعا النصارى إلى المباهلة بالتلاعن، فامتنعوا، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك هلكوا كلهم، فعلموا صحة قوله، فامتنعوا.

(22)- وأتاه عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأربد بن قيس  بن جزء بن خالد بن جعفر ابن كلاب، وهما فارسا العرب وفاتكاهم، عازمين على قتله، فحال الله بينهما وبين ذلك؛ وضرب بين أربد وبينه صلى الله عليه وسلم، مرة بعامر، ومرة بسور، ودعا عليهما، فهلك عامر في وجهه من منصرفه عنه عليه السلام، وأهلك أربد الصاعقة، أحرقته، لعنهما الله.

(23) – وأخبر أنه يقتل أبي بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا، فكانت منيته منها.

(24) – وأطعم السم، فمات مَن أكَله معه لحينه، وعاش هو صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بأربع سنين؛ وكلمه ذراع الشاة المسمومة بأنه مسموم.

(25) – وأخبر أصحابه يوم بدر بمصارع صناديد قريش، ووقفهم على مصارعهم رجلا رجلا، فلم يتعد واحد منهم ذلك الموضع.

(26) – وأنذر بأن طوائف من أمته يغزون في البحر، وقال لأم حرام بنت ملحان: أنت منهم؛ فكانت منهم؛ وصح غزو طائفة من أمته في البحر.

(27)- وزويت له الأرض، فأرى مشارقها ومغاربها، وأنذر ببلوغ ملك أمته ما زوى له منها، فكان ذلك؛ وبلغ ملكهم من أول المشرق إلى بلاد السند والترك إلى آخر المغرب من سواحل البحر المحيط بالأندلس وبلاد البربر، ولم يتسعوا في الجنوب والشمال كل الاتساع، أعنى مثل اتساعهم شرقا وغربا، فكان كما أخبر سواء بسواء.

(28) – وأخبر فاطمة ابنته رضوان الله عليها أنها أول أهله لحاقا به، فكان كذلك.

(29) – وأخبر نساءه رضوان الله عليهن بأن أطولهن يدا أسرعهن لحاقا به، فكانت زينب بنت جحش الأسدية أطولهن يدا بالصدقة، وأولهن موتا بعده.

(30) – ومسح ضرع شاة فدرت، فكان ذلك سبب إسلام عبد الله بن مسعود. ومرة أخرى في أخرى في خيمتي أم معبد الخزاعية.

(31) – وندرت عين بعض أصحابه، وهو قتادة، فسقطت، فردها، فكانت أصح عينيه وأحسنهما.

(32) – وتفل في عيني علي رضوان الله عليه، وهو أرمد، يوم خيبر، فصح من حينه، ولم يرمد بعدها، وبعثه بالراية وقد قال: لا ينصرف حتى يفتح الله عليه، فكان كما قال، لم ينصرف كرم الله وجهه، إلا بالفتح.

(33) – وكانوا يسمعون تسبيح الطعام بين يديه.

(34) – وأصيبت رِجل بعض أصحابه، فمسحها فبرئت من حينها.

(35)- وقل زاد جيش كان فيه، فدعا بجميع ما بقي من الزاد،، فاجتمع منه شيء يسير جدا، فدعا عليه بالبركة، ثم أمرهم فأخذوا، فلم يبق وعاء في العسكر إلا ملئ.

(36) – وحكى الحكم بن أبي العاصي مشيته مستهزئا، فقال له: كذلك فكن، فلم يزل يرتعش إلى أن مات.

(37) – وخطب أمامة بنت الحارث بن عوف  بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وكان أبوها أعرابيا جافيا، سيد قومه، فقال: إن بها بياضا، وكانت العرب تكنى بهذا عن البرص، فقال له صلوات الله وسلامه عليه: لتكن كذلك؛ فبرصت من وقتها، وانصرف أبوها، فرأى ما حدث بها، فتزوجها ابن عمها يزيد بن جمرة بن عوف بن أبي حارثة، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد وهو المعروف بابن البرصاء.

إلى غير ذلك من آياته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم؛ وإنما أتينا بالمشهور المنقول نقل التواتر. بالله التوفيق».

ن جوامع السيرة لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري:(57-14)


([1]) ن فتح الباري لابن حجر: 6/583.

([2]) علامات النبوة ودلائلها وآياتها ومعجزاتها هي ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم من خوارق العادة مما لايناله غير الأنبياء والرسل، وقد فرق بين المعجزة وسواها بفارق التحدي؛ إذ غيرها لا يتحدى به. ن فتح الباري لابن حجر: 6/582.أما شمائله فما كان من جميل صفاته الخِلقية، وكريم خلاله الخُلُقية صلى الله عليه وسلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق