مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات محكمة

من مظاهر الاحتفاء بالمصطلح القرائي عند الإمام أبي عمرو الداني

للمسألة الاصطلاحية كبير الشأن وعظيم الاعتبار في تدبير المادة القرائية والقيام على نصها : تصحيحا وتفسيرا وتوجيها ،بما يسعف في اتضاح مفاهيمها واطراد حقائقها…

والمقال عبارة عن وقوف أمين واقتراء مكين _ في غير ما ادعاء لاستقراء محيط _ لهذه المسألة عند إمام من كبار جهابذة الدرس القرائي من خلال بعض مصنفاته ، وهو الإمام أبو عمرو الداني (444هـ) ، سبيله في ذلك أن يستعرض سيرته في التعامل مع المصطلح القرائي، وقد أخذت صورا ووجوها كانت هي نفسها الدالة على مضمونها، حيث شملت – بعد تمهيد مختصر جدا عن المصطلح القرائي مفهوما وتاريخا- :

تعريف المصطلح التعريف الأمثل الذي يجهد في استبانة المفردة وتوضيحها ، بتبيان أصلها اللغوي ووجه مناسبته للمفهوم الاصطلاحي ،ورصد علائقها مع غيرها: ائتلافا واختلافا وتداخلا .. في حال إفرادها أو تركيبها … وصوغ كل ذلك الصوغ القريب الميسر، بانتهاج طرائق في التعريف غايتها تقريب المفهوم إلى الفهوم ،واستفراغ وسع العبارة في تأدية مضمونها، ليقع الامتثال على وفق منصوصها ، ويصدر الأداء تبعا لما ورد مقربا في صيغتها .

كما عرض البحث في فصل آخر منه إلى جهد الإمام في دراسة نماذج من مصطلحات النص القرائي في مصادر أهله، من خلال جمعها واستيعاب نصوصها ، وجميل التلبث في فهمها الفهم السديد ، وتأويلها التأويل القريب المناسب الذي يفيء بها إلى حقيق دلالتها ، ويرفع عنها اللبس الذي قد يغشاها في بعض أسيقتها، فيورثها الاضطراب ويحدث في شأنها الخلاف ، صادرا في كل ذلك عن أهلية مقتدرة متخصصة ،ومستعينا  بالمعرفة بحقائق الألفاظ والبصر بمعاني الكلم ، مع الاتكاء _ من قبل ومن بعد _ على صحيح الأداء ومأثور الرواية .

والبحث بلسان قاله وحاله ينادي بإلحاح وإلحاف : أن لا استقامة  للدرس القرائي على الطريقة إلا بتحري الرشد في فهم مصطلحه ودرس مواضعات أهله … وأنه لا يظهر على غيبه أحدا إلا من سلك به سبيل الدراسة العلمية الجادة التي تتقصده بالبحث وتؤمه بالتحليل … ذلكم الذي يسقى ماء غدقا لا يخشى معه فتنة ولا غرقا… فعسى ثم عسى …

تمهيد

المصطلح: اسم مفعول من اصطلح القوم على الأمر إذا اتفقوا عليه،أو هو مصدر على زنة المفعول بمعنى الاصطلاح[1] الذي يعني فيما يعنيه أنه:

لفظ معين بين قوم معينين “.[2]

ومن إطلاقات المصطلح التي تعنينا هنا أنه: مجموع الألفاظ الاصطلاحية لتخصص ما.[3]

فيكون مفهوم المصطلح القرائي على هذا هو: ” مجموع الألفاظ الاصطلاحية لعلم القراءات “، على غرار المصطلح الحديثي والمصطلح النقدي والمصطلح الأصولي … بمعنى أن المراد بالمصطلح القرائي في هذا المقال هو تلك الألفاظ والكلمات التي صدرت عن المفهوم اللغوي العام ، لتكتسب بعد ذلك دلالة أخص ومعنى عرفيا معينا داخل مباحث علم القراءات ، مكونة بذلك لغة خاصة بهذا العلم تعالج بها مسائله وقضاياه ، ويعبر بها عن مفاهيمه وموضوعاته.

والمقصود بالقراءات الذي ضم إلى المصطلح على سبيل الوصف الحاصر هو : “العلم الذي يهتم بكيفية أداء كلمات القرءان الكريم في اتفاقها واختلافها ، موصولة بالأسانيد المعتبرة إلى نقلتها والقومة عليها”[4].

وإذا كان معلوما أن الاصطلاح الشرعي عموما قد عرف ولادته منذ نزول القرءان الكريم ، فإنه ينبغي أن يعلم أيضا أن المصطلح القرائي كان له قدم السبق نشأة وتأصيلا في البيئة الإسلامية ، لا لشيء إلا لأن أول ءاية من آي الكتاب تضمنت اللفظ بحرفه والتصريح بمادته،ومهما قيل في معنى القراءة التي وقع بها الاستهلال ،على أي لون من ألوان الاستدلال ، فإن دلالة ذلك على معنى إجراء الحروف على سبيل الأداء الصحيح ينبغي أن يكون أحظى تلك المعاني بالدخول ابتداء في مراد الآية ، لما تقتضيه الطبيعة النصية للوحي ، وأنه لا سبيل إلى معرفة شرعته ومنهاجه إلا بتلاوته التلاوة اللفظية . ومن هنا وقع الحفل بهذا الجانب من علوم الكتاب وجرى العمل النبوي _ الذي إنما هو بيان للكتاب _ على التأصيل له ورعاية مقامه : عرضا وسماعا ، وممارسة وتطبيقا ، ومنهجا وطريقة وهيئة أداء ، على الحرف الواحد أو الأحرف المتعددة ، ناهيك عن الآداب المرعية في هدي القراءة النبوية ، مما سمح بظهور بعض الاصطلاحات تمثل مداخل هذا العلم ، آخذة دلالتها التي استقرت عليها فيما تخلق علما بعد ذلك ، ولك أن تدرج ضمن ذلك : “القراءة” ، و”الإقراء”  و”الترتيل” و”التغني” ، و”الحرف” …  ثم أتى الصحابة رضوان الله عليهم على الإرث النبوي تتبعا واقتداء ، واقتباسا واهتداء ، وهدوا إلى وضع اللبنات الأولى لعلم القراءة بوجوهها ، بما كان يقوم به أهل التخصص منهم من مزاولة الدرس التعليمي لتلاوة أحرف القرءان وتصحيح هيئة النطق بها ، في مدارس قرءانية قائمة بالأمصار الإسلامية ، وإن كان ذلك لم يشتهر بينهم اصطلاحا علميا متداولا أكثر من اشتهاره حقيقة ومفهوما… ثم كان حادث جمع المصحف في العهد العثماني الذي كان له الأثر البليغ على مسيرة هذا العلم ، بما حمله من معنى الضبط لحرفه ، والإلزام بنصه على وفق رسمه …  ثم جاءت مرحلة التدوين ، وكان تسبيع السبعة  لأبي بكر ابن مجاهد التميمي عملا حاسما في هذه المرحلة ، بما كان له من الأثر البعيد في أطوار هذا العلم وتقلباته ، وفي منهجه وموضوعه ، ليبرز مصطلح القراء السبعة ، ولينطلق التبحث والتفتيش في قراءاتهم ورواياتهم : جمعا وتقريرا ، وشرحا وتعليلا ، وجمعا وإفرادا ، ولا شك أن هذه المرحلة عرفت وفرة في المصطلحات وانتشارا في المؤلفات وظهورا للتعريفات في ظل علم قائم هو علم القراءات ، وإلى هذه المرحلة _ التي في طيها مراحل متداخلة _ ينتمي عصر الإمام أبي عمرو الداني الذي يمكن اعتباره العصر الذهبي لهذا العلم ، بما تيسر له من الرواد ، وتهيأ له من أرباب هذا الشأن الذين تظاهروا على الارتقاء به والاحتفاء بمسائله : بسطا وتأليفا ،وتلخيصا وتخليصا ، وتعليما وتلقينا ، ومعالجة ومباحثة ، ولقد أصاب من ذلك المصطلح الشيء الكثير والنصيب الوافر في نضجه وعمق دلالته ، واتضاح مفهومه واستقرار معناه . ناهيك عن أن الإمام أبا عمرو _ مربط فرس هذا المقال _ قد حظي بالإمامة العظمى والأستاذية المطلقة في علم القراءات ، كما تشهد بذلك مؤلفاته التي بلغ من علو شأنها _ على تعددها _ أن ” عول الناس عليها وعدلوا عن غيرها “[5].

والناظر في كتب هذا الإمام لا يحوجه كبير جهد أو كثير وقت في أن تتراءى له العناية البالغة بأمر المصطلح ، والرعاية الفائقة بتحديد المفاهيم ورسم الحدود وإيضاح الحقائق ،  بل تراه أفرد بعض مصنفاته في مفاهيم بعض الحقائق القرائية [6]: بحثا في خصوص معانيها ،وعرضا لوجوه خلاف أهل الأداء في كيفية أدائها ، وفي ذلك دليل عام هام على ماقلناه ، ولكن ليس فيه مقنع لمن تنازعه نفسه أن ينظر إلى ما وراءه ويستشرف ما بعده. وإلى مثل أولئك نسوق الأمر أوزاعا ،مفصلا مبينا في هذه المظاهر والتجليات :

_المبحث الأول: التعريف ومتعلقاته

التعريف في بناء الدراسة المصطلحية[7] هو عمود الأمر وملاكه ، لا يكاد يمترى في ذلك ولا يشك فيه ، ذلك أنه سبيل الهدى إلى معرفة دلالة المصطلح والأخذ بناصيته والاستيلاء على مفهومه ، بما يتضمنه من جمع لأوزاع مادته، وحصر لما تفرق من عناصر حقيقته، واستيعاب لكافة أفراده ومشمولاته… ولما كان الأمر على هذا النحو،كان للأئمة القدماء والعلماء الفهماء قدم السبق في الاعتناء به ابتداء من صوغ التعريف وانتقائه، وتوسطا بتنقيحه وتحكيكه قصد تحريره ودفع الإيرادات عن ساحته ، وانتهاء بالنظر في مآلات تطبيقه وكيفية أدائه،وإنما أبتغي هنا أن أقف عند بعض سمات التعريف عند الإمام الداني وصوره حسب ما هو ماثل في بعض كتبه،ومرسوم في جملة من مصنفاته، وقد أفضى النظر في ذلك إلى إيقاعه على الصورة الآتية:

1 _ التوسل بالمأخذ اللغوي للمفردة مع بيان وجه العلاقة بينها وبين ما ألبسته من دلالة خاصة استوجبت به معنى جديدا،وهو في ذلك يصدر عن الاقتناع التام بأن الدلالة الاصطلاحية لا بد أن تجد لها النسب الأصيل في المعجم اللغوي ، وأنها لا تستطيع أن تنفك عنه ولا أن تتملص منه، مهما أمعنت في الضرب في الأرض، وناءت في أقاصي أرجاء التعبير ، كيف وفي اسمها وعنوانها دليل على الأثر ، وفي رسمها ووسمها شاهد على الخبر … كان للإمام وقفات مع أمثال هذه الكلم يحقق بها التواصل بين طريف القول ومتلده،وقديمه ومستحدثه ،مترسما في ذلك الاختصار والإيجاز ، ومقتصرا من فضاء اللغة الواسع وقاموسها العباب على ما يراه الأصلح والأنسب لرد المصطلح إليه وعوده عليه ، ثم لا ينتهي الأمر عند هذا حتى يورده مورد التعليل، ويقف به عند معقد المشابهة بينه وبين أصله اللغوي ، ونضرب لذلك أمثلة تنبئ عنه :

قال في شرح المد الطبيعي :

» ويسمي هذا الضرب القراء مقصورا ؛ لأنه قصر عن الهمزة الموجبة لزيادتها في الإشباع، لخفائها وشدتها ، أي حبس عنها ومنع منها ، ومن ذلك قوله تعالى ﴿حور مقصورات في الخيام   [الرحمن:71 ]أي محبوسات «.[8]

وقال في شرح حقيقة  الإظهار والإدغام :

» اعلم أن الإظهار والبيان اسمان بمعنى واحد ، ومعنى أظهر فلان حديثه: أبداه وبين قصته وكشف عنها ، فحقيقة ذلك في هذا الباب: أن يلتقي حرفان مختلفان الأول منهما ساكن والثاني متحرك ، فيفصل الأول من الثاني ويقطع منه ويبان عنه ، فيمتنع لذلك من الاستتار والدخول فيه.

والإدغام: إدخال الشيء في شيء وتغييبه فيه ، مأخوذ ذلك من قول العرب: أدغمت الفرس اللجام: أي أدخلته فيه ، وقال بعض أهل اللغة: الدغم التغطية ، وقد دغمه إذا غطاه ، فحقيقة ذلك في هذا الباب: دفن الحرف الأول في الثاني وإدخاله فيه إدخالا مشددا،وذلك أن ترفع لسانك بالحرفين بعد إدغامك الأول في الثاني رفعة واحدة ، لا فصل بينهما بوقف ولا بغيره ، فيصيرا بتداخلهما كحرف واحد لا مهلة بين بعضه وبعضه ، ويشتد الحرف ويلزم اللسان موضعا واحدا «.[9]

وربما اكتنف المناسبة بين الدلالتين : اللغوية والاصطلاحية نوع غموض وبعض خفاء ،  فيجهد الإمام في بيان الغامض  ويبالغ في كشف الخفي.

قال رحمه الله:

» فإن قال قائل: إنك حكيت قبل أن معنى الإخفاء الستر وأوضحت ذلك ودللت على صحته ، فإذا كان معناه ذلك ، فما الشيء المستتر من المخفي في الحركات وغيرها ؟ قيل له: إن المستتر من الحركات هو معظمهن ، إذ كن لا يشبعن إذا أريد بهن ذلك ، فيظهرن كوامل لا يصغر الصوت بهن ولا يتم حتى ربما خفين على السامع ، فتوهم لشدة التضعيف وإخفاء الصوت أنهن قد ذهبن رأسا.

والمستتر من النون والتنوين هو أحد مخرجيهما ، وذلك أن لهما مخرجين :

 أحدهما: نطق باللسان وهو الذي بطل مع حروف الفم خاصة لما سنبينه بعد .

والثاني: صوت من الخياشيم وهو الباقي لهما معهن، وهذا من أغمض مسائل هذا الباب وأدق أجوبته قد كشفنا عن خاص سره، ودللنا على موضع غموضه وبالله التوفيق«.[10]

2 _ استحضار الجانب التعليمي الذي يستوجب تيسير العبارة وتسهيل الصياغة وتكثير المثل ؛بغية تحقيق الإفادة وتوضيح الدلالة لطلبة العلم ، ذلك أن مقصد التعريف عند المؤلف هو الإفهام وتوصيل الإفادة بأيسر سبيل وأخصر طريق ، وتبيين المعرف على نحو يكشف للقارئ كيفية أدائه وطريقة الوصول إليه ، دونما تعقيد أو تعسير،أو تكلف في التعبير ، حتى إذا لزم الأمر المشافهة واقتضى الموضوع المباشرة ، أبلغ المعرف إلى منتهاه في حقيقة التصور،وأثخن في توضيحه حتى  لكأنه مصور،ثم يعذر إلى القارئ أن هذا غاية مبلغ العبارة وقصارى ما يبذله طول اللفظ في حقيقته دونما كناية أو استعارة . ومما يصح به الاستشهاد على ذلك قوله:

» اعلموا أن التحقيق الوارد عن أئمة القراءة حده: أن توفى الحروف حقوقها من المد إن كانت ممدودة ، ومن التمكين إن كانت ممكنة ، ومن الهمز إن كانت مهموزة ، ومن التشديد إن كانت مشددة ، ومن الإدغام إن كانت مدغمة ، ومن الفتح إن كانت مفتوحة ، ومن الإمالة إن كانت ممالة ، ومن الحركة إن كانت متحركة ، ومن السكون إن كانت مسكنة ، من غير تجاوز ولا تعسف ، ولا إفراط ولا تكلف … «.[11]

فانظر _ رعاك الله _ كيف لم يقنع بالتأصيل في عرض التعريف على سبيل الإجمال حتى أتبعه التفصيل، بسطا وتمثيلا ، فلا يقع إلى الطالب بعد ذلك إلا على كامل الاتضاح وتمام الإفهام.

وخدمة لهذا التيسير في تقريب مفاهيم المصطلحات والإخبار عن حقائقها سلك المؤلف أنماطا وطرائق في التعريف ، يمكن استعراض بعضها في :

أ _ التعريف بصفة البينية :

ويمكن التمثيل له بقوله: » والإخفاء حال بين الإظهار والإدغام «.[12]

ويقول في تعريف المفتوح : »وأما المفتوح فحقه: أن يؤتى به بين منزلتين ، بين التفخيم الشديد … وبين الإمالة المحضة … «.[13]

ب _ التعريف بالمثال:

ومن أمثلة ذلك قوله:

» كان ورش _ في رواية أبي يعقوب وعبد الصمد _ يمكن حروف المد واللين الثلاثة إذا لقيهن الهمزات في المتصل والمنفصل سواء ، زيادة من غير إفراط. فالمتصل نحو: ﴿ أولـئك ﴾ [ البقرة : 4] و﴿خائفين﴾[ البقرة : 113] و﴿ هـاؤم اقرءوا ﴾ [الحاقة : 18] ، والمنفصل نحو قوله: ﴿ بما أنزل إليك ﴾[البقرة:3] و﴿ في ءايـتنا ﴾[سبأ:5] و﴿ يـأيها ﴾[البقرة:20] و﴿ هؤلاء ﴾[البقرة:30] و﴿ قالوا ءامنا ﴾[البقرة:13] وشبهه «.[14]

ج _ التعريف بالتقسيم :

فهو يقول مثلا: » وأما الممدود فعلى ضربين : طبعي ومتكلف…«.[15]

ويقول أيضا : » فالوقف في كتاب الله عز وجل على أربعة أضرب: تام ، وكاف ، وحسن ، وقبيح «.[16]

د _ التعريف بالسياق :

بمعنى ألا يساق معنى المصطلح في الكلام على سبيل الأصالة والغرض الأولي ، وإنما يأتي في معرض عرضي وسياق تبعي ، كالتعليل والاستدلال مثلا ، ويمكن الاستشهاد على هذا الصنيع _ على قلته عند المؤلف _ بمثالين اثنين :

أولهما ، قوله :

» فأما الراء واللام فيدغم النون والتنوين فيهما بغير غنة ، هذا المأخوذ به في الأداء ، فينقلبان حينئذ من جنسهما قلبا صحيحا ، ويدغمان إدغاما تاما ، ويصير مخرجهما من مخرجهما ، وذلك باب الإدغام «. [17]

وثانيهما قوله:

»اعلم أن الأصل أن يوقف على الكلم المتحركة في الوصل بالسكون ، لأن معنى الوقف أن تقف على الحركة أي تتركها ، كما تقول: وقفت على كلامك أي تركته «.[18]

3 _ الاهتمام ببيان علائق المصطلح خاصة أوجه الترادف والتخالف :

الإمام الداني بما يحرص عليه من توضيح لمفاهيم المصطلحات وإبراز لحقائقها يمعن في بيان استقلالها عما قد يلابسها أو يقاربها أو يشترك معها ، ويدق الدق كله في أن يعرض مع المصطلح نظيره الذي يتعاقب معه على المعنى الواحد ويؤدي عنه مفهومه المتحد ، وقد لا يكون ذلك مسلما فيحتاج إلى المباحثة وعرض أقوال العلماء في الموضوع ، ثم الترجيح بعد ذلك ، ومن أمثلة ذلك شرحه لقول الخاقاني[19]:

وماكان مهموزا فكن هامزا له     ولا تهمزن ما كان يخفى لدى النبر

» الهمز مصدر لقولك: همزت الحرف أهمزه همزا ، ويجوز أن يكون جمع همزة مثل قولك: تمرة وتمر، ونخلة ونخل ، وكذا النبرة تحتمل الوجهين جميعا: أن تكون مصدرا لقولك نبرت الحرف أنبره نبرا ، أو تكون جمع نبرة ، وقد اختلف القراء والنحويون في الهمزة والنبرة ، هل هما بمعنى واحد أم بمعنيين مختلفين ، فقال عامة النحويين وأكثر القراء: هما سواء ومعناهما واحد. وقال الخليل فيما روى عنه أبو بكر محمد بن عبد الرحيم الأصبهاني وأبو محمد إسحاق بن أحمد الخزاعي عن أصحابهما: “النبرة دون الهمزة ، وهو أن تخفف ،فيذهب بذلك معظمها ويخف النطق بها ، فتصير نبرة أي همزة غير مشبعة” . قال الخليل: “هي ألطف وألين وأحسن من الهمزة” ، وهي مشتقة من الارتفاع ، ومنه قيل لما يعلى عليه: منبر، لارتفاعه . والهمز: الدفع الشديد، فدل ذلك على اختلاف بين الهمزة والنبرة «.[20]

وربما كان إجراؤه الاصطلاحين على سبيل الترادف مما يستشكله بعض القراء ولا يمرونه كما جاء ،كما قال في معرض المقارنة بين المرام والمخفى :

” وأما المرام حركته عند الوقف أو في حال الوصل ، فحقه أن يضعف الصوت بحركته ، أي حركة كانت ، ولا يتم النطق بها ، فيذهب بذلك معظمها ، ويسمع لها صويت خفي وكذا المخفى حركته من الحروف سواء »[21]

وقد يقع منه التفريق بين المصطلحين يظن بهما الترادف في المدلول الاصطلاحي_ إذ كانا كذلك من الناحية اللغوية _ بما يعطي لكل منهما واضح التفرد وبين الاستقلال ،كمثل قوله:

» والفرق بينهما (الإخفاء والإدغام) _ وإن كانا من جهة الاشتقاق كالشيء الواحد، إذ الإخفاء الستر، والإدغام التغطية _ أن الأول من المدغم يسكن رأسا إن كان متحركا، ثم يدخل في الذي يليه إدخالا شديدا حتى يصيرا في اللفظ حرفا واحدا مشددا، مع قلب المقارب من جنس ما بعده كما تقدم، والمخفى إن كان متحركا لم يسكن رأسا، بل يضعف الصوت به تضعيفا، وهو _ مع تضعيفه وتوهينه ، وذهاب معظم صوت حركته، وخفته في الوزن _ متحرك ، فإن لقي مثله أو مقاربه لم ينقلب لذلك من جنسهما فامتنع إدغامه… «[22].

والخلاصة كما قال أن:

 »الفرق بين المخفى والمدغم أن المخفى مخفف والمدغم مشدد «.[23]

كما يصدر عن المؤلف _ رحمه الله _ التفريق بين متقاربين من اللفظ على نحو دقيق لطيف ، يصير بعده مذهبا ثابتا وقولا مستتبا سائرا، كمثل تمييزه بين الترقيق والإمالة بقوله:

» والترقيق هو في الحرف دون الحركة ، إذ كان صيغته ، والإمالة في الحركة دون الحرف ، إذ كان لعلة أوجبتها ، وهي تخفيف كالإدغام سواء «.[24]

ولا يخفى أن تنظيره للإمالة بالإدغام وتشبيهها به بجامع التخفيف في كل ، وجه آخر من وجوه اهتمام المؤلف بما بين المصطلحات من علائق القربى ووشائج الرحم مهما ظن بها التباعد ولم يتفطن إلى ما بينها من ملتقى التقارب ومقطع الالتقاء .

وقال في معرض التفريق بين الترتيل والتحقيق على ما لهما من مشتركات:

» والترتيل … صفة من صفات التحقيق وليس به ، لأن الترتيل يكون بالهمز وتركه ، والقصر لحرف المد ، والتخفيف ، والاختلاس ، وليس ذلك في التحقيق… والتحقيق يكون للتدبر والفكر والاستنباط ، والتحقيق لرياضة الألسن وترقيق الألفاظ الغليظة ، وإقامة القراءة ، وإعطاء كل حرف حقه من المد والهمز والإشباع والتفكيك…«.[25]

4 _ التفاته إلى ضمائم المصطلح :

 ومن أبين أمثلته قوله:

» وأما المخفى فعلى نوعين: إخفاء الحركات ، وإخفاء النون والتنوين. فأما إخفاء الحركات فحقه أن يضعف الصوت بهن ولا يتم … وأما إخفاء النون والتنوين فحقه: أن يؤتى بهما لا مظهرين ولا مدغمين ، فيكون مخرجهما من الخياشيم…».[26]

5 _ عنايته بالمشتقات :

ولعل مما يصح به التمثيل على ذلك حديثه عن المحرك والمسكن والمختلس والمرام والمشم  والمهموز والمسهل والمحقق ، والمشدد والمخفف ، والممدود والمقصور  والمبين والمدغم والمخفى  والمفتوح والممال .[27]

المبحث الثاني :حفاوة الإمام بالمصطلح القرائي عند أهله

أما فيما يتعلق بتتبعه للتركة الاصطلاحية ، وكيفية تعامله مع ما وقع إليه من نصوص من سبقه من العلماء فيمكن الحديث عنه في المعاقد التالية :

1 _ التتبع الواسع والاستقراء الشامل لعبارات المؤلفين وتراجمهم في الإفادة عن الموضوعات القرائية ، مع التدقيق في مؤدياتها ومفاتشة مضامينها . وما ظنك بإمام كان يقول عن نفسه: » ما رأيت شيئا قط إلا كتبته ، ولا كتبته إلا حفظته ، ولا حفظته فنسيته «.[28] وكان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار وكلام السلف ، فيوردها بجميع ما فيها ، مسندة من شيوخه إلى قائلها .[29]

وقد كان دأبه رحمه الله خاصة في مطولات كتبه أن يأتي على تراجم العلماء وألفاظهم بحثا لوجوه دلالاتها ، وتقليبا لكافة محتملاتها ، وتنسيقا لما تعارض من ظاهرها وتنبيها على مواطن العيب والضعف فيها…  على نحو ما تجد مصداقه بينا مسهبا في مثل قوله في فرش سورة الحاقة:

» وكلهم قرأ ﴿ وتعيها ﴾ [ الحاقة : 11] بكسر العين وفتح الياء وتخفيفها ، واختلف في الترجمة عن ذلك عن ابن كثير و[أبي بكر عن عاصم][30]وحمزة والكسائي:

فأما ابن كثير فروى أبو ربيعة وابن الصباح والزينبي عن قنبل ﴿ وتعيها ﴾ ساكنة العين مفتوحة الياء ، وكذلك حكى ابن مجاهد عن الخزاعي عن قنبل ، وكذلك روى الحلواني عن القواس فيما حدثناه محمد بن علي عن ابن مجاهد في كتاب السبعة ، وكذلك قال أبو ربيعة عن قنبل ، قال ابن مجاهد :” وقرأت أنا على قنبل بحركة العين مثل حمزة” ، وقال الحلواني في كتابه عن القواس :” بكسر العين قليلا” ، وقال الخزاعي في كتابه عن أصحابه الثلاثة كما حكى ابن مجاهد عن قنبل: بكسر العين وفتح الياء خفيفة… ونا الفارسي…عن البزي: مثقلة مخفوضة الياء مسكنة ثم تنصب ، وهذه الترجمة كلها خطأ، لأنه قال: مثقلة ، وأراه يريد أن العين مكسورة ، ثم قال: مخفوضة الياء مسكنة ، فكيف يجمع على الياء الحركة والسكون معا؟! ولعله يريد بمثقلة أن الياء شديدة. فإن كان أراد ذلك فقد جمع عليها ثلاثة أشياء ، كل واحد منها إذا انفرد بها ألحقها بما لا يجوز، فكيف باجتماعها واجتماع اثنين منها ؟ هذا مع أن اللفظ بذلك كذلك غير متمكن ولا في الفطرة إطاقة ذلك ؛وقد تصح ترجمة البزي في هذه إذا جعل قوله مخفوضة صفة لقوله: مثقلة ، وجعل قوله : الياء مسكنة ابتداء وخبرا ، يعني أن العين مكسورة والياء ساكنة، ولو كانت الواو مثبتة قبل الياء لكان أبين، ولعلها سقطت على ابن الحباب ،ويدل على أن معنى الترجمة ما قلناه ما حدثناه فارس بن أحمد قال نا أبو الحسن المقرئ قال… قال نا البزي: ﴿ وتعيها ﴾: ساكنة الياء ،هذه ترجمة مفهومة.

 وأما أبو عمرو فحدثنا الخاقاني… نا أبو شعيب عن اليزيدي عنه ﴿ وتعيها ﴾: منتصبة الياء مرسلة الياء ، وهذا كالذي رواه ابن الحباب عن البزي، ولا أعلم هذا يروى عن أبي عمرو إلا من طريق السوسي وحده ، وقال أبو عبد الرحمن وأبو حمدون عن اليزيدي عنه ﴿ وتعيها ﴾ : خفيفة منصوبة من وعيت.

وأما عاصم فروى ابراهيم ابن الوكيعي عن أبيه عن يحيى عن أبي بكر أنه شدد الياء ونصبها ، وروى (…) عن الشموني عن الاعشى عنه :﴿ وتعيها ﴾ يشددها. وروى الخياط عن الشموني عن الاعشى بكسر العين ونصب الياء. وروى ضرار بن صرد عن يحيى والتيمي عن الاعشى ﴿وتعيها﴾ خفيفة .وروى العجلي والرفاعي عن يحيى بنصب الياء لم يزد على ذلك، والتشديد للياء غير جائز.

وأما حمزة فروى الحلواني عن خلف وخلاد عن سليم عنه يختلس العين ولا يشبع كسرتها .وروى ابن سعدان عن سليم نحو ذلك قال: يشم العين الكسر ولا يشبعها يختلسها، وكذلك حكى ابن الجهم عن خلف عن سليم سواء. قال ابن الجهم:”وأما غير خلف فيقول ﴿وتعيها﴾ بكسر العين وفتح الياء” ، وقال ابن الجهم:” وكذلك قرأناها على خلف غير مرة”. وروى عياش بن محمد عن أبي عمر عن سليم :منتصبة مثقلة مكسورة العين بياء ساكنة ،وأخرى نصب لا تشدد. وهذه الترجمة خطأ ينفي بعضها بعضا .

وروى ابن فرح عن أبي عمر عنه :مثقلة منتصبة الياء مكسورة العين ، وهذه الترجمة صحيحة إن أراد بقوله : “مثقلة” أن حروف الكلمة محركة كلها لا سكون في شيء منها مما قد جاء السكون فيه نحو العين والياء . وروى سليمان بن منصور عن سليم: التاء نصب والعين خفض والياء نصب مشددة ، والتشديد الذي هو: إدخال حرف ساكن في حرف متحرك ، ورفع اللسان بها رفعة واحدة لحن ،وقد يجوز أن يراد به ههنا تحريك الياء على الاتساع والمجاز ،كما قال يونس عن ورش عن نافع في قوله: ﴿أحد عشر كوكبا﴾ [ يوسف:4]و﴿ يوم ظعنكم﴾ [النحل : 80] مشددة ،وقال هشام عن ابن عامر:﴿ أحد عشر﴾ و﴿تسعة عشر﴾ [المدثر:30] مشددة ،يريدان حركة العين ، وإذا أريد به ذلك صار اختلافا في العبارة لا اختلافا في القراءة . وروى إبراهيم… عن سليم: مثقلة ، ولعله أراد ما حكيناه من تحريك العين والياء… وروى الخنيسي عن خلاد عنه ( عن سليم ): مكسورة العين منتصبة ، وروى أبو هشام عنه أنه يخفف الياء.

وأما الكسائي فروى عياش و… عن أبي عمر عنه ﴿ وتعيها ﴾: مرسلة الياء مثقلة ، وهذا كالذي رواه ابن الحباب عن البزي عن ابن كثير ، والسوسي واليزيدي عن أبي عمرو ، وروى الحلواني عن أبي عمر عنه بكسر العين لم يزد على ذلك ، وروى أبو الحارث عنه: مختلسة الياء يريد: مخففة ، وروى قتيبة عنه: مخففة متحركة ، وقال سورة عنه: مثقل الياء، يريد محركة .

والباقون من القراء والرواة لم يختلف عنهم في الترجمة عن ذلك اختلافا يوجب تغاير اللفظ ، فلذلك أضربنا عن تراجمهم «.[31]

2 _ تسجيل السبق في شرح بعض المصطلحات القرائية، وإعطائها النفس الجديد حتى ليظن أنه هو الذي وضعها أول مرة ، زيادة على تفرده ببعض التصورات الخاصة عن بعض المصطلحات:

والأمثلة على توسعه في شرح المصطلح القرائي وإحاطته به من جميع جوانبه كثيرة ، وأكتفي هنا بالإحالة على شرحه لمصطلحات الإظهار والإخفاء والإدغام ، حيث أحس بعظيم ما جاء به من ذلك فقال: » فهذا معنى الإظهار والإدغام والإخفاء مشروحا ، ولا أعلم أحدا بينه قبلي هذا البيان ولا لخصه هذا التلخيص «.[32]

ثم إن تفننه في تقسيم المادة القرائية وتهذيب ما يتعلق بعلومها، واستحداث بعض ما يدل على ذلك من المصطلحات أمر يخبره كل من عاين كتب الرجل ووقف على براعته في التحليل والتعليل ، والتقسيم والتصنيف ، والترتيب والتبويب ، وهو يدرج المصطلح في أثناء ذلك حتى  لتظن أنه يضعه من تلقاء نفسه ، ويقوي ظنك ذلك التذييل المعهود منه رحمه الله :  ” والقراء تسمي هذا الضرب كذا وكذا ” ، فلكأنه وحده يضع المصطلح في كفة ، يوازنه ويماثله بما هو مصطلح عليه عند القراء في الكفة الأخرى، ولعل حديثه عن المد وأقسامه والوقف وأنواعه والإمالة ودرجاتها يكون خير شاهد على ذلك.[33]

3 _ وعيه بأهمية ضبط مفهوم المصطلح في تحرير الخلف القرائي:

فقد كان رحمه الله يدرك أن كثيرا من نصوص العلماء ونقول الفهماء  _ على نفاستها وغزارة مادتها في الإفادة عن حقائق هذا العلم ومسائله _ تبقى كنزا بلا مفتاح، إن هي لم تضبط مصطلحات أهلها ،ولم تعلم أساليب أربابها في الترجمة عن مؤدياتها والعبارة عن أغراضها ومدلولاتها ،  فكان يطيل التأمل في معاني المصطلحات ، يقلبها في ظعنها ومقامها ، منزلا إياها التنزيل المناسب ، على الموضوع المناسب ، في السياق المناسب ،حتى يتم له استخلاص الأوجه في المعنى ، والأوضح في الدلالة ، والأوفق للأداء ، فيكون الأحق بالأخذ والأحرى بجميل التقبل . وإنما أعرض ههنا نموذجا يتراءى من خلاله ما لتحديد المفهوم وضبط الاصطلاح في القراءات من أهمية بالغة في فهم الخلاف بين أهل الأداء ، ذلكم  هو الخلاف في مقدار مد البدل عند الإمام ورش من طريق أبي يعقوب الأزرق ، فقد أفاد الإمام الداني أن الإفراط في المد والمبالغة في التمكين لحرف المد في هذا الفصل قد تحقق عند المنتحلين له من وجهين: أحدهما النص،والثاني القياس. ولأفسح للمؤلف أن يعبر عن هذا الأمر ويتحدث فيه:

» قالوا: فأما النص فإن جميع أصحاب ورش من أبي يعقوب وأبي الأزهر وداود وغيرهم أطلقوا المد وعبروا عنه عن نافع في كتبهم التي سمعوها وأصولهم التي دونوها في نحو قوله:… ﴿ وكل اتوه ﴾ [النمل:39] و﴿غير ءاسن ﴾[محمد:16]…و ﴿ لإيلـف قريش ايلـفهم ﴾ [قريش:1-2] ، وأما القياس… والوجهان جميعا لا دليل فيهما على مذهبهم ولا حجة فيهما لانتحالهم ، بل يؤذنان ببطول قولهم ورد دعواهم ، ويشهدان بقبيح مذاهبهم وسوء انتحالهم.

فأما ما ذكروه من النص الذي حقق ذلك عنهم ، فإن أصحاب ورش لم يريدوا بإطلاق المد على تلك الحروف وأشباهها الزيادة في تمطيطها والمبالغة في تمكينها حتى يتجاوز بذلك صيغتها ولا قصدوا ذلك ، بل أرادوا به معنى آخر هو أولى وآكد من معنى الزيادة والمبالغة لحصول الفائدة فيه دون غيره ، وهو الدلالة على الفرق بين القراءتين في الكلمة المحتملة الوجهين من المد والقصر فيما اختلف فيه ، والإعلام بأن بعد الهمزة حرف مد فيما اتفق فيه لا غير ، ومما يبين أن ذلك أرادوا وإياه قصدوا دون غيره إطلاق جميعهم القصر على تلك الحروف وأشباهها مما فيه اختلاف بين أئمة القراءة في مذهب من حذف حرف المد بعد الهمزة نحو : ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ [الإسراء:16]… و﴿ ما ءاتيتم ﴾[الروم:38] و﴿بما ءاتيـكم ﴾ [الحديد:22]وشبهه ، وعلى الحروف التي لا حرف مد بعد الهمز فيها بإجماع منهم نحو: ﴿ الذين يفرحون بما أتوا ﴾ [آل عمران:188] و﴿ فأتيـهم الله من حيث لم يحتسبوا ﴾[ الحشر:2] و﴿أتوا به متشـبها ﴾ [البقرة:24]و ﴿أثاروا الارض ﴾ [الروم : 8] وما أشبهه ، فكما أرادوا _لا شك_ بالقصر هنا إسقاط حرف المد بعد الهمزة لا النقصان من مده ، لعدمه في (ذلك)[34] مذهب القارئين بذلك كله ، أرادوا هناك إثبات حرف المد بعد الهمزة لا الزيادة في مده ، ويؤكد صحة ذلك عبارة أصحاب ورش أجمعين عن صلة هاء الكناية في نحو قوله: ﴿ونصله ﴾ [النساء : 114] و﴿ أرجه ﴾ [الأعراف:110] و﴿ ويتقه ﴾[النور:50] وما أشبهه بالمد ، وعن حذفه إياها في قوله: ﴿ يرضه لكم ﴾ [الزمر:8] بالقصر وبغير مد ، فكما جعلوا المد والقصر أيضا في هذا الضرب عبارة عن إثبات حرف المد وعن حذفه فيما تقدم سواء ، لا فرق بين الموضعين، ويحقق ذلك أيضا ويرفع الإشكال في صحته وجود هذا المد مطلقا على تلك الحروف في كتاب كل واحد من أئمة القراءة والناقلين عنهم ، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن معناه ما بيناه من الدلالة على مذاهبهم في إثباته والإتيان به بعد الهمزة دون الزيادة في تمطيطه والمبالغة في تمكينه ؛ إذ ذلك ليس من قولهم ولا من مذهبهم في ذلك بإجماع عنهم ، ويؤيد هذا كله ويشهد بصحته ما ورد في كتب السلف الماضين من القراء والنحويين من إطلاق العبارتين من المد والقصر على إثبات حروف المد وعلى حذفهما[35] فيما لا همزة فيه من الكلم ، وذلك مما لا يزاد في مد ما يثبت فيه حرف المد ولا يبالغ في تمكينه بإجماع منا ومن مخالفينا ، لعدم وجود الهمزة الموجبة لذلك قبله .

فأما ما ورد من ذلك في كتب القراءة فحدثنا طاهر بن غلبون… عن نافع بن أبي نعيم أنه قرأ في سورة النساء :﴿ أن يصـلحا ﴾[127] مثقلة ممدودة ، وفي سورة الأعراف: ﴿ من ظهورهم ذريـتهم ﴾[172] مثقلة ممدودة… عن حفص﴿ يخـدعون الله ﴾ [البقرة:8] بالمد ، و﴿إذ وعدنا موسى ﴾ [البقرة:50] بالمد، و﴿ لمن في أيديكم من الأسرى ﴾ [الأنفال:71] مقصورة… قال أبو عمرو : فعبر هؤلاء الأئمة والرواة عن إثبات حرف المد في الكلم المذكورة بالمد وعن حذفه بالقصر مع عدم وقوع الهمزة قبله، فدل ذلك دلالة لا خفاء بها على صحة ما تأولناه قبل في معنى المد والقصر أنه الإثبات والحذف ، وبُطول ما تأوله مخالفونا أنه الزيادة والنقصان .

 وأما ما ورد في كتب النحويين من إطلاق المد على إثبات حرف المد فشيء يطول ذكر إحصاء جميعه لكثرته ، ومن ذلك (… ) .

قال أبو عمرو : ومع ما بيناه ودللنا على صحته ، فان عندنا عن ورش عن نافع نصوصا ظاهرة مكشوفة تؤذن بنفي إشباع المد في الفصل المتقدم  ونحن نذكرها بأسانيدها ليتحقق بها خطأ من أضاف ذلك إلى نافع من طريق ورش ، ويبين قبيح مذهب من انتحل ذلك من أهل الأداء إن شاء الله… وأما ما ذكروه من القياس… ففاسد…».[36]

فتأمل معي _ حفظك الله _ كيف أقام الأمر وأقعده في هذه المسألة _ فيما يتعلق بالنص _ على عدم ضبط مفهوم المصطلح ، وأن ذلك أعقب _ حسب المؤلف _ خطأ في فهم الموضوع واختلافا في كيفية الأداء ؛ وبغض النظر عن أن يكون المؤلف هنا قد أصاب شاكلة الصواب ، أو تنكب عن الجادة في هذا الموضوع[37] … فإن القصد أن يرى إلى أي مدى هو من الأهمية ضبط مفهوم المصطلح ، وأنه يؤثر الأثر البعيد في فهم المسائل القرائية وإيقاع الخلاف في مادتها.

4 _ التفريق بين الحقائق الأدائية والمظاهر النطقية للظواهر الصوتية المتوسل إليها باللفظ الواحد والعبارة المشتركة ، وهذه مشكلة المشكلات في الواقع الاصطلاحي لأي علم: أن تكون المعاني الكثيرة المتعددة مختزلة في اللفظ الواحد، يتنازع عند الإطلاق أيها أحق به ، فيحتكم حينئذ إلى القرائن من سياق وضميمة ،وما إلى ذلك مما به قد ينجلي ما ران عليه من غموض وإشكال… فالإمام الداني حريص على درء الخلط بين المفاهيم، قيم على إدراك سياقات النصوص وقرائنها ، أوتي من المكنة والاقتدار ما يستطيع به تحديد معاني “متشابه المصطلح” ،ورده إلى محكمه، ودفع مأتى الشبهة عنه، وكشف وجه الخطإ فيه . ولعل أمثل شاهد يساق في هذا المقام قول الإمام وهو يشرح قول الإمام الخاقاني رحمه الله :

وضمك قبل الواو كن مشبعا له   كما أشبعوا إياك نعبد في المر

» أشكل هذا البيت على جماعة من المنتحلين لمذاهب القراءة حتى تأوله بعضهم على غير وجهه ، واحتج به على أغلوطته ووهن روايته ، فقال: هذا يدل على ما روته المشيخة من المصريين والقرويين عن أصحابهم عن ورش من إشباع الضمات مع الواوات والكسرات مع الياءات ، حتى تصير حروفها صحاحا ، وذلك نحو قولك: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين ﴾[الفاتحة:4] و﴿لا تزر وازرة ﴾ [الإسراء:15] و…﴿ مـلك يوم الدين ﴾ [الفاتحة:3] و﴿ لغلـمين يتيمين ﴾ [ الكهف:81] و﴿ على الأرائك ينظرون ﴾ [المطففين:23]و ﴿ لله يسجد ﴾ [الرعد:16] وشبهه ، وهؤلاء هم الذين يقولون :”واو شكل لقيت واو سواد ، وياء شكل لقيت ياء سواد “، فيأتون بعد الضمة بواو ممكنة وبعد الكسرة بياء ممكنة ، حتى إن بعضهم ربما أدغم تلك الواو وتلك الياء فيما بعدهما ، وهذا من عظيم اللحن ،وقبيح اللفظ وسوء الضبط ،وقلة المعرفة بالأداء وبحقائق الألفاظ ؛ معاذ الله أن يكون هذا مرويا عن نافع أو غيره من أئمة المسلمين ، أو يكون مقروءا به ؛ إذ هو زيادة محضة ،وكتاب الله عز وجل محظور منها ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزائد في كتاب الله عز وجل ، وسواء عندنا كانت رسما أو لفظا ، وقد رد هذا المذهب من الإشباع، فطعن فيه عامة أئمتنا من المصريين وغيرهم ممن ينتحل هذه القراءة وغيرها.

ومعنى الإشباع في هذا البيت وفيما يرد إطلاق الإشباع عليه من الحركات عند القراء والنحويين : أن يؤتى بالضمة والكسرة والفتحة كوامل على هيئتهن من غير اختلاس لهن يؤدي إلى تضعيف الصوت بهن فيخفين ، إذ كان ربما استعمل ذلك فيهن من لا معرفة عنده في حال تحقيقه أو حدره ،أو تكون الرواية ترد بذلك في بعضه عن أحد من أئمة القراءة كنحو الرواية عن أبي عمرو من طريق سيبويه في قوله: ﴿بارئكم﴾[البقرة:53] و﴿ يأمركم ﴾[النساء:57]  و﴿ ينصركم ﴾[آل عمران:160] و﴿يشعركم﴾[الأنعام:110] ، وكذلك ﴿ أرنا﴾[فصلت:28] و﴿ أرني ﴾[البقرة:259] من طريق اليزيدي وغيره ، فيعبر عن هذا وشبهه في مذهب من لم ير الاختلاس وعدل عنه بالإشباع ، ليدل بذلك على الفرق بين المذهبين من التحقيق والتخفيف ، لا أنه يراد به تولد حرف بعد الحركة ، لبعد جواز ذلك بكونه زيادة محضة » [38].

5 _ تخليص بعض عبارات القوم مما قد توهمه ظواهرها من معنى غير مقصود ، مما قد يورث الإشكال ويحدث الاضطراب في فهمها ، وحملها المحمل المناسب الذي دونه الخطأ في النص والأداء ، مستندا في ذلك إلى الرواية يرويها عن مشيخته ، وما تحصل لديه من ملكة في هذا العلم ورسوخ في إدراك حقائقه وقضاياه ، حتى ليستطيع القول الفصل أن ما يفهم من هذه العبارة أو تلك غير مراد من قائله أصلا ، ولا واقع في نفس التلاوة حتما ، ويحمله ذلك على تأويلها التأويل القريب وتوجيهها التوجيه المناسب الذي يؤول بها إلى سداد مرادها وحقيقة المبتغى منها ، وهذه أمثلة تقوم لذلك :

»…عن قالون والمسيبي عن نافع ﴿ من لدنه ﴾[الكهف:2] و﴿ مسلمة لا شية ﴾[البقرة:70] تظهر عند اللام: يريدان غنتهما… وقال الأصبهاني عن ورش ﴿ هدى للمتقين ﴾[البقرة:1] لا يسقط التنوين في شيء من القرءان، ولا يبينه؟ وقال ﴿ يبين لنا ﴾[البقرة:69] بغير إدغام. قال أبو عمرو: ولم يرد هؤلاء البيان كله لما فيه من الكلفة والمؤونة ، وإنما أرادوا الغنة التي من الخيشوم وحدها دون لفظ النون ، أي أنه كان يبقيها ولا يذهبها مع الإدغام… وحدثنا… عن الكسائي ﴿ أفمن وعدنـه ﴾[القصص:61] قال: “لا أدغم النون عند الواو” ، ويريد: لا أذهب بصوتها مع الإدغام ؛ إذ كان بيانه بالكلية غير جائز ، وكذلك معنى ما حكاه النقاش عن نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو وعاصم أنهم لا يدغمون النون والتنوين عند الأربعة الأحرف : يريد غنتها «.[39]

6 _ احتفاله بالحقائق وجعلها الأصل الذي ترتد إليه الاصطلاحات ويفيء إليه خلف العبارات ، فكان يقول : ” والمتقدمون قد يتسهلون في العبارات ، ويتسعون في التراجم ، اعتمادا على ما يفهم من حقائقها ، ويعلم من جري عادتهم فيها ” [40]فلم يكن يهوله أن يرى تغاير العبارة وتنوع اللفظ _ مهما ظن به التباعد والتخالف _ ليحكم بتضارب المعنى واختلاف المفهوم ، بل ينطلق من المفهوم الثابت لديه ، ليعرض على إثره نصوص أهل الفن ، مرجعا عباراتهم المتباعدة إلى ذات المفهوم،برد بعضها إلى بعض حتى يلتئم لها الشمل، ويقع التآخي بينها في الدلالة على الأمر الواحد والمدلول المشترك … ولا بد من عرض ما يؤيد ما سبق ويدل عليه من كلامه ، ففي فرش سورة ق يقول _ رحمه الله _:

» ﴿ أفعيينا﴾ [ق:15] مشددة ، قال أبو عمرو: والتشديد ههنا اتساع ومجاز ، وهو عبارة عن إثبات الياء الساكنة بعد الياء المتحركة ، وليس بالتشديد المتعارف عليه الذي حقيقته: إدخال حرف ساكن في حرف آخر متحرك ورفع اللسان بهما رفعة واحدة ؛ إذ ذلك ههنا لا يجوز بوجه ، ومما يدل على أن معناه ما قلناه ما حدثناه محمد بن علي نا ابن مجاهد نا ابن مخلد عن البزي عن أصحابه عن ابن كثير ﴿ الـئ ﴾[الأحزاب:4] مشددة ، يريد: بياء بعد الهمزة، فعبر بالتشديد عن إثباتها ، وقال الخزاعي عن أصحابه عن ابن كثير ﴿ إن الله لا يستحيي أن يضرب ﴾[البقرة:25] مثقلة بياءين و﴿ ما ووري ﴾[الأعراف : 19] [41]مشددة بواوين ، فعبر عن إثبات الياء والواو بالتثقيل والتشديد… وقد يعبر به أيضا عن إثبات الألف ويجعل دلالة على ذلك… عن ورش عن نافع: ﴿ أنا أحيي ﴾[البقرة: 257]بالتشديد لها والوقف عليها ، يعني بالتشديد للألف التي بعد النون ، يريد إثباتها في الوصل والوقف، فعبر عن ذلك بالتشديد ، كما عبر من تقدم ذكره عن إثبات الياء والواو سواء ، وقد يراد به أيضا: تحريك الحرف الذي قد يسكن ، قال يونس عن ورش عن نافع﴿ يوم ظعنكم ﴾[ النحل :80 ] مشددة ، وقال عنه وعن ابن كيسة ﴿ أحد عشر كوكبا ﴾[ يوسف : 4] مشددة منصوبة ، يريد بالتشديد في الموضعين تحريك العين ، وقال أبو عمرو عن إسماعيل عن أبي جعفر القارئ ﴿ خطوات ﴾[ البقرة : 206] مشددة ، يريد تحريك الطاء بالضم ، وقال أبو حمدون عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان يقرأ ﴿ خشب ﴾ [المنافقون : 4] بالتشديد ثم رجع إلى التخفيف،يريد بالتشديد ضم الشين . وقال هارون بن حاتم عن أبي بكر عن عاصم: ﴿ عقبا ﴾[الكهف:43] مشددة ، يريد مضمومة القاف، وقال علي بن نصر عن أبي عمرو: ﴿ بالأفق الأعلى ﴾[النجم:7] مشددة ، يريد مضمومة الفاء ، في نظائر لذلك ، وذلك كله من الاتساع الذي قد يغلط في تأويله وكيفية حقيقته كثير من الناس لخروجه عن الاستعمال والعادة ، فلا ينبغي لذي لب وفهم أن يجعل اختلاف ألفاظ الناقلين في هذه ونحوه اختلافا في القراءة ، ولا سيما إذا احتمل التأويل ، بل يلزم رده إلى الإجماع وبالله التوفيق ».[42]

7 _ شرح الصورة الأدائية لمصطلح يكون متعدد الدلالة متنوع المفهوم ، وإيقاف القارئ على كيفيته وطريقة اللفظ به ، فلا يختلط الأمر عليه ويمضي على السنن الأبين في فهم العبارة، ليس إلا أن يضم إلى ذلك التلقي عن الشيخ المتقن ، ولك أن تقف على هذا الأمر منه_ رحمه الله _ في قوله:

» عاصم _ في رواية حماد…_ ﴿ من لدني ﴾[الكهف:75] بإسكان الدال وإشمامها الضم وكسر النون والهاء ووصلها بياء في اللفظ لأجل الكسرة قبلها ، ونا عبد العزيز بن محمد… عن عاصم: ﴿من لدنه ﴾[الكهف:2]: يشم الدال الضمة ويكسر النون والهاء… قال أبو عمرو: والإشمام ههنا وفي الموضع الذي في النساء والموضعين الذين في هود والنمل على رواية الكسائي عن أبي بكر يكون إيماء بالشفتين لا غير؛ لأن الدال ساكنة خالصة السكون ، بدليل كسر النون بعدها للساكنين،فلا يقرع لذلك السمع ولا يدرك معرفته إلا البصيردون الأعمى…«.[43]

8 _ تصحيح الهيئة الأدائية في النطق ببعض الظواهر الصوتية ، مما به يقع تعرفها وتقريب صورتها إلى قارئ الكتاب الكريم ، ولاشك أن المصطلح القرائي يعتمد في تبين كثير من حقائقه على الأداء، ويستند في استكمال تصور حقيقته على الجانب التطبيقي ، كما ترشد إليه العبارة التي يذيل بها القراء كثيرا تعريفاتهم لبعض المصطلحات : ” وذلك إنما تحكمه المشافهة ” و”يضبطه الحس” وما أشبه ذلك من العبارات ،و لذلك يحرص الإمام على تبيين الهيآت الأدائية ، خاصة فيما يعتوره الإشكال ويكون موضع خلاف.  فمن ذلك قوله في حقيقة الإشمام في مثل قوله ﴿ قيل ﴾[البقرة:10] و﴿ سيئ ﴾[هود:76] وما جرى مجراه عند من أشم الضم أوله:

» وحقيقة الإشمام في ذلك أن تمال كسرة فاء الفعل في ذلك وينحى بها نحو الضمة ، فتميل الياء الساكنة بعدها نحو الواو قليلا ؛ إذ هي تابعة لحركة ما قبلها ، فيدخلها من الإنحاء والشوب نحو ما يدخلها ، لأن ذلك عند سيبويه وغيره كالممال سواء ، وبذلك شبهوه ، فكما أنا إذا أملنا فتحة الهاء والنون في قوله: ﴿ هار ﴾[براءة:110] و﴿ نار ﴾[الأعراف:11]وشبههما نحونا بها نحو الكسرة  فمالت الألف بعدها نحو الياء ، كذلك إذا أشممنا فاء الفعل فيما تقدم نحونا بها نحو الضمة،فمالت الياء بعدها نحو الواو قليلا. ومن الدليل على صحة ذلك أنهم رسموا في المصاحف كلها﴿ الصلوة﴾[البقرة:2]و﴿الزكوة ﴾[البقرة:42] ونحوهما بالواو، وذلك عند علمائنا من النحويين على مراد الإفراط في التفخيم للام والكاف وشبههما ؛ إذ ذلك مذهب أهل الحجاز وهم الفصحاء ، فمن شدة إفراطهم في تفخيم الفتحة نحت نحو الضمة، فمالت الألف بعدها لذلك نحو الواو، ورسم ذلك بالواو على هذه اللغة ، كما رسموا ﴿ موليه ﴾[التحريم:4] و﴿ مثويه ﴾[يوسف:21] بالياء على الإمالة ، وإن كان لا إمام لهذا من أئمة القراءة ، فقد سلكت في الرسم واتبعت ، وعمل عملها فيه، فبان بذلك صحة ما قلناه من أن ما بعد المشم المشبه بالممال، من حيث يمتنعان من الإخلاص الصحيح، ويمتنع مابعدهما من القلب التام ، تابع له.

وقد زعم بعض من يشار إليه بالمعرفة _وهو بمعزل عنها وخال منها _أن حقيقة الإشمام فيما تقدم أن يكون إيماء بالشفتين إلى ضمة مقدرة مع كسر فاء الفعل كسرا خالصا. وإن شئت أومأت بشفتيك قبل اللفظ بالحرف  المشم ،وإن شئت بعده، وإن شئت معه ، وهذا كله خطأ وباطل لا شك فيه، من قبل أن الإيماء قبل اللفظ بالحرف المشم  الذي يومأ إلى حركته غير متمكن ، إذ لم يتحصل قبل ملفوظا به،فكيف يومأ إلى حركته وهو معدوم في النطق أيضا ؟!، هذا مع تمكن الوقوف على ما قبله والابتداء به، فيلزم ابتداء المبتدئ بذلك إعمال العضو وتهيئته قبل النطق ، ولم يسمع بهذا قط، ولا ورد في لغة ،ولا جاء في قراءة ، ولا صح في قياس ولا تحقق في نظر.

وأما الإيماء بعد اللفظ به مكسورا محضا فغير مستقيم ولا متمكن أيضا ، وكذلك الإيماء معه في تلك الحال ؛ إذ لو كان ذلك لوجب أن يستعمل للنطق بذلك كذلك عضوان: اللسان للكسرة ،والشفتان للإشارة ، ومحال أن يجتمعا معا على حرف واحد في حال تحريكه بحركة خالصة ؛ إذ ليس في الفطرة إطاقة ذلك . وإنما حمل القائل لهذا على هذا القول القياس منه على كيفية الإشمام عند الوقف على أواخر الكلم ، إذ يؤتى به بعد سكون الحرف والفراغ منه هناك ، وبين المكانين فرقان غير مشكوك فيه على ما بيناه .

وزعم قوم من أهل الأداء أن حقيقة الإشمام في ذلك أن يضم أوله ضما مختلسا ، وهذا أيضا باطل ؛ لأن ما يختلس من الحركات ولا يتم[44] الصوت به ، كهمزة بين بين وغيرها، ولا يقع أبدا أولا بإجماع ؛ ذلك من حيث يقرب بالتضعيف والتوهين من الساكن المحض ، فكما لا يقع الساكن أولا[45]لذلك، لا يقع ما يقرب منه.

وزعم آخرون أن حقيقته في ذلك أن يضم أوله ضما مشبعا ، ثم يؤتى بالياء الساكنة بعد تلك الضمة الخالصة ، وهذا أيضا باطل ؛ لأن الضمة إذا أخلصت ومطط اللفظ بها انقلبت الياء بعدها واوا محضة ،لا تصح ياء بعد ضمة خالصة، كما لا يصح واو بعد كسرة خالصة ، وبالله التوفيق ».[46]

9 _ تحديد المفهوم حسب اصطلاح قراء دون غيرهم:

من أبين ما يمثل  لذلك قوله:

»…وكذلك روى داود وعبد الصمد وأبو يعقوب عن ورش في جميع الباب فقالوا عنه عن نافع ﴿ ترى أعينهم ﴾[المائدة:85] و﴿ رءا كوكبا ﴾[الأنعام:77] و﴿ افترى ﴾[المؤمنون:38] و﴿ تترا ﴾[المؤمنون:44] و﴿ تتمارى ﴾[النجم:54] و﴿  لليسرى ﴾[اليل:7] و﴿ للعسرى ﴾[اليل:10] و﴿ النصـرى ﴾[البقرة:61] و﴿ الحوايا ﴾[الأنعام:147] و﴿ اليتـمى ﴾[218]… وما أشبه ذلك كما يخرج من الفم، فيما بين ذلك وسطا من اللفظ في القرءان كله…قال أبو عمرو: ومعنى قول أصحاب ورش عنه عن نافع في هذا الضرب وفي غيره من الممال: “فيما بين ذلك وسطا من اللفظ” أي فيما بين الفتح الذي يستعمل ابن كثير وعاصم ،وبين الإمالة التي يستعملها حمزة والكسائي إلا أنه إلى الإمالة أقرب ، ومعنى قول من وافق ورشا من أصحاب نافع على تلك العبارة ، فيما بين ذلك الفتح وبين تلك الإمالة ، إلا أنه إلى الفتح أقرب «.[47]

10 _ رصده لتطور المصطلح وتحقيقه لمعاني كثير من المصطلحات اعتبرت متجاوزة في العرف القرائي لعهد المؤلف وما بعده ، ولم يعد الاستعمال جاريا عليها في العبارة عن مضمونها ،ولذلك من الأهمية ما يدركه العالمون بهذا الأمر ، وقد تتبعت بعض مواقف الإمام في هذه العبارات ، فإذا حصيلة ذلك هذه الإطلاقات التي أعرضها على سبيل الفائدة لمبتغيها ، وإدراكا لجهد الإمام في هذا الموضوع:

1 _ التعبير عن الإخفاء بالإظهار:

قال المؤلف:

»…ولم يرو عن نافع إظهار نون العين عند الصاد [ من كهيعص ] غير أحمد بن صالح ، وإظهارها عندها إظهارا خالصا غير معروف من مذاهب القراء ، لأن الصاد من حروف الفم وحكم النون معهن أن تكون مخفاة ، والمخفى ليس بمظهر خالص ولا مدغم محض، بل هو بمنزلة بين المنزلتين… ولعل أحمد بن صالح قد جعل الإظهار عبارة عن الإخفاء مجازا واتساعا ، كما يجعل الكسر عبارة عن الإمالة ، والضم عبارة عن الإشمام في نظائر كذلك ، فإن كان ذلك،فماحكاه من البيان غير خارج عن الصواب ، إذ ليس على الحقيقة بل هي على المجاز ، على أن البيان لا يمتنع ههنا من حيث كانت حروف الهجاء مبنية على الانفصال مما بعدها ، والأخذ به «.[48]

2 _ التعبير عن الإدغام بالإخفاء:

قال _ رحمه الله _ :

» وروى نصير عن الكسائي إخفاء الباء عند الميم في ذلك ، وأحسبه أراد الإدغام ، وبذلك قرأت في روايته «.[49]

وقال فيما يشعر بجريان هذا الإطلاق وعكسه:

» … والرواة يعبرون عن إخفاء النون والتنوين عندهما [الغين والخاء] بالإدغام اتساعا ومجازا ، كما يعبرون عن الإدغام بالإخفاء والله أعلم «.[50]

فههنا أفاد أن تراجم الرواة قد تطلق اصطلاح الإخفاء على الإدغام والعكس، على ضرب من التجوز وسبيل من الاتساع،وأن وسيلة التمييز في ذلك إنما هو الفهم والدراية ، واعتبار الموضوع والسياق، فضلا عن المطابقة لأمر التلقي الذي هو عماد الأمر وملاكه.

3 _ الاختلاس بمعنى الإسكان:

قال المؤلف في حرف ﴿ ومكر السيء ﴾[فاطر:43]:

»…وروى محمد بن خالد البرمكي عن سليم: بهمزة مختلسة ، يريد ساكنة ، وذلك مجاز «.[51]

4 _ التشديد مراد به الضم:

قال في حرف ﴿ عقبا ﴾[الكهف:43] :

»…عن عاصم ﴿ عقبا ﴾ مشددة ، يريد مضمومة القاف ، والعبارة بالتشديد على الضم مجاز واتساع ، وذلك[52]من حيث اشتركا في الثقل والعدول عن الخفة «.[53]

وشرح هذه العلاقة أيضا بشكل ألطف في قوله:

»…عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان يقرأ ﴿خشب ﴾[المنافقون:4] بالتشديد ثم رجع إلى التخفيف … وقوله بالتشديد اتساع ومجاز ، وهو عبارة عن ضم الشين وتثقيلها؛ لأن التثقيل شديد في المعنى ، ولأن ضده خفيف كضد ثقيل «.[54]

5 _ التعبير عن بعض الحروف بصورها في الرسم:

ومن النصوص التي تفصح عن هذا الإطلاق قوله في سورة القلم:

»…وروى أحمد أيضا عن قالون: ﴿ طائف ﴾[القلم:19] الياء مكسورة ، وروى عن ورش:﴿ نائمون ﴾[القلم:19] الياء مكسورة ، وذلك قياس ما حكاه الخزاعي عن أصحابه عن ابن كثير من أنه لا يهمز “فاعلا” و”فاعلين” ولا “فاعلات” من ذوات الياء والواو ، وسائر القراء يهمزون ذلك وصلا ووقفا إلا حمزة ، فإنه يهمز في الوصل ولا يهمز في الوقف _ على ما شرحناه من مذهبه.

قال أبو عمرو:[المؤلف]: وقد يمكن أن يريد أحمد بقوله في ﴿ طائف و﴿نائمون الياء مكسورة الهمزة على طريق الاتساع ، ألا ترى أن المصنفين كثيرا ما يقولون في نحو:   ﴿ إن ﴾[البقرة:5] و﴿ إنه ﴾[يوسف:90] و﴿ إيمـن ﴾[الطور:20] و﴿ إدبـر ﴾[الطور:47] بكسر الألف ، يريدون الهمزة فعبروا عنها بصورتها ، ومما يؤيد ذلك أن أبا الأزهر وأبا يعقوب وداوود قالوا عن ورش في قوله: ﴿ ومكر السيء ﴾ مجرورة الياء ، يريدون الهمزة لا غير فعبروا عنها بصورتها مجازا واتساعا ، فكذلك عبر عنها أحمد بذلك في الحرفين «.[55]

6 _ إطلاق المد على التسهيل:

قال في: ﴿ ءاعجمي وعربي ﴾[فصلت:43] من سورة فصلت:

»…ثم اختلفوا في تحقيق الهمزتين معا وفي تسهيل الثانية منهما ، وفي إدخال ألف بينهما وفي إخراجهما[56]…وروى يزيد بن عبد الواحد عن أبي بكر ﴿ ءاعجمي ﴾ ممدودة ، يريد تسهيل الثانية ، لم يرو ذلك عنه أحد غيره «.[57]

7 _ إطلاق الإدغام على التسهيل:

قال في :﴿ ا.شهدوا ﴾[الزخرف:18] من سورة الزخرف:

»…نافع يسهل الثانية على حركتها فيجعلها بين الهمزة والواو ، واختلف عنه في المد وفي الترجمة عن ذلك … وقال أبو يعقوب وأبو الأزهر وداوود عن ورش: الألف بهمزتين نصب ورفع ، غير أن الثانية مدغمة يعنون مسهلة ، وذلك مجاز «.[58]

8 _ الإدغام قليلا هو الإدغام مع الإبقاء على الغنة:

قال المؤلف:

»…وقال عن عبد الصمد: ﴿ ن والقلم ﴾[القلم:1] كان يدغمها قليلا ، يعني أنه يبقي غنتها مع الإدغام ، فلا يذهب لفظها رأسا «.[59]

ومثله في الدلالة على بقاء الغنة في المدغم :

9 _ عدم البيان الشديد:

» واختلف أصحاب اليزيدي عنه فقال أبو عبد الرحمن: النون في ﴿ يس ﴾و ﴿ ن ﴾ لا تبين ذلك البيان الشديد ، يريد أن غنتها تبقى فتكون حينئذ مخفاة لامتناع قلبها حرفا محضا بظهور غنتها «.[60]

ومثله في تأدية هذا المعنى:

10 _ التخفيف مع عدم الإدغام:

قال المؤلف :

» وقال إبراهيم بن اليزيدي في حكاية العياش بن محمد عنه: ﴿ يس والقرءان ﴾ خفيفة غير مدغمة ، يريد أن غنتها ظاهرة ».[61]

11 _ العبارة عن المد بالفتح:

قال  رحمه الله:

» قرأ ابن كثير: ﴿ من ماء غير ءاسن ﴾[القتال:16] بالقصر من غير ألف بعد الهمزة على وزن “فعل”…واختلف عن ابن كثير من طريق البزي في قوله: ﴿ قال ءانفا ﴾[القتال:17] بالقصر وبذلك قرأت على أبي الفتح… وقرأت ذلك على الفارسي… عنه بالمد… وقال البزي في كتابه: ﴿ ءانفا ﴾ بفتح الألف ، لم يزد على ذلك ، وأحسبه أراد المد ، قد يعبر عنه بالفتح من حيث كانت الفتحة مأخوذة من الألف وذلك مجاز… وقرأ الباقون بالمد ، وكذلك روى ابن مجاهد وسائر الرواة عن قنبل ، وقال في كتابه: مفتوحة الألف كما قال البزي سواء ».[62]

12 _ إطلاق القصر على الإسكان، والمد على التحريك:

قال _ رحمه الله _ عند اختلاف القراء في سورة الفتح:

» قرأ ابن كثير في رواية الخزاعي عن اليزيدي وابن فليح وابن هارون عن البزي وابن عامر في رواية ابن ذكوان…﴿ أخرج شطأه ﴾[الفتح:29] بفتح الطاء ، وقال الوليد عن يحيى: مقصورة مهموزة، يريد بالقصر إسكان الطاء كما يريد بمدها تحريكها… عن ابن عامر ﴿شطأه ﴾ مقصورة… وقوله: مقصورة يدل على إسكانها… عن ابن عامر ﴿ شطأه ﴾ مهموز ممدود ، وقوله: ممدود يدل على فتح الطاء كما دل قول هبيرة… عن حفص عن عاصم في قوله ﴿ دأبا ﴾[يوسف:47][63] ممدود على تحريك الهمزة وفتحها، وذلك مجاز ».[64]

13 _ التشديد عبارة عن التحريك:

14 _ التشديد بمعنى تحقيق الهمزة:

وهذان المعنيان مذكوران معا في قوله:

»…عن عاصم﴿ مؤصدة ﴾[البلد:20] مهموزة و﴿ المشئمة ﴾[البلد:19] مشددة ، قال ابن مجاهد: كذا قال وليس له وجه. قال أبو عمرو: يتجه ويصح عندي قوله في المشئمة مشددة من جهتين:

إحداهما: أن يريد بالتشديد تحريك الشين بحركة الهمزة التي بعدها كما أراد يونس بن عبد الأعلى بقوله في﴿ أحد عشر ﴾[يوسف:4] و﴿ يوم ظعنكم ﴾[النحل:80] مشددة تحريك العين منهما.

والثانية: أن يريد تحقيق الهمزة بعد الشين ؛ إذ الهمزة حرف شديد ، فجعل التشديد عبارة عن تحقيقها… وكلتاهما مجاز واتساع…».[65]

15 _ التشديد بمعنى إظهار الحركة وتخليص الحرف من مثيله:

ومما يأتي مثالا على هذا قوله:

»…وقد قال أبو عمر في حكاية عياش… ﴿ والبغي يعظكم ﴾[النحل:90] بياءين ، وقال كل ما يستقبلها ياء فهي ياء مشددة و﴿ من خزي يومئذ ﴾[هود:65] مثلها وقال في حكاية ابن فرح ﴿ والبغي يعظكم ﴾ مدغم بياءين ، وكل ما يستقبلها ياء فهي مشددة ، فإن كان أبو عمرو[66]لم يرد بقوله: مشددة إظهار حركة الياء وتخليصها بالتفكيك والإشباع من الياء التي استقبلها ، كما أراد ذلك إسماعيل عن نافع في قوله ﴿ أن يحيي الموتى ﴾[الأحقاف:32] بغير غنة بالتشديد مجازا واتساعا ، وإلا فقد وافق أبا عثمان سعيد بن عبد الرحيم فيما أداه عنه من إدغامها…».[67]

16 _ إطلاق الهمزة المقصورة على الهمزة المتحركة:

قال المؤلف:

«…عن ابن عامر ﴿ منسأته ﴾[سبأ:14] بهمزة مقصورة ، وكذلك قال ابن ذكوان في كتابه بإسناده عن ابن عامر ، يعنيان _ والله أعلم _ بهمزة متحركة…».[68]

17 _ التعبير عن الإسكان بالخفة:

وهو متداول عنده من تعابير الأقدمين ، يشهد له مثلا قوله:

»…وروى إسحاق الأزرق عن أبي بكر ﴿ لكنا هو الله ربي ﴾[الكهف:37] خفيفة النون ، يريد ساكنة…«.[69]

18 _الإشمام بمعنى إخفاء الحركة:

قال في حرف ﴿ يخصمون ﴾[يس:48] :

»…وقرأ أبو عمرو _ في رواية اليزيدي وعبد الوارث _ بفتح الياء وإشمام الخاء شيئا من الفتح وتشديد الصاد ، يريد إخفاء حركتها «.[70]

19 _ الوقف بمعنى الإسكان:

قال:

»…﴿ يس ﴾ موقوفة لم يزيدوا على ذلك شيئا «.[71]

20 _ الإشمام شيئا من الكسر في العبارة عن الإمالة:

قال رحمه الله:

» ونص الأخفش في كتابه الأكبر عن ابن ذكوان على الإمالة في ﴿ مزجـة ﴾[يوسف:88] فقال: يشم الجيم شيئا من الكسر «.[72]

21 _ الكسر قليلا بمعنى الإمالة الكبرى:

قال المؤلف:

» قوله في المائدة ﴿ يواري سوءة أخيه ﴾[المائدة:33] و﴿ فأواري سوءة أخي ﴾[المائدة:33] في الحرفين لا غير ، أمالهما الكسائي في رواية قتيبة و… وقياس ذلك قوله في الأعراف ﴿ يواري سوءاتكم ﴾[الأعراف:25] ، ولم يذكره أبو طاهر ولعله أغفل ذكره ، وقال سورة عن الكسائي ﴿ فأواري ﴾ بكسرها قليلا ، وهذا يدل على أن الإمالة أصلا عنه… «.[73]

وفي الختام أود القول بأن المصطلح القرائي أعم من أن يكون كلمات وألفاظا ، فقد تحل الإشارة فيه محل العبارة ، فيجري ذلك اصطلاحا خاصا لا يكاد يعرف إلا لأهل التخصص الذين يدخلون غمار هذا العلم، ويعايشون أهله ويعاينون ذلك عن قرب وكثب، وإن كانت هذه الإشارة ليست بالأمر العام المطرد ، ولكنها عادة ما تتخذ في المجالس التعليمية ومنابر الإقراء ، والظن يغلب أيضا أنها ليست على سبيل من الانضباط والاتفاق عليها ، فربما كان لكل شيخ مصطلحاته في ذلك . وما كان هذا ليعزب عن الإمام الداني ليضعه من جملة مشمولات تهممه بأمر المصطلح وشغفه به ، وفي ذلك يقول:

»…ثم ينظر القاري إلى إشارات الأستاذ التي قد عرفت منه في الوقف والمد والهمز والتمكين والتفكيك والإدغام والإظهار ، والفتح والإمالة ، والكسر والضم والفتح ،  فإن الحذاق من المتصدرين وأهل المعرفة من المقرئين لم يزالوا يستعملون لذلك إشارات تنبئ عن حقيقته ، وتدل على كيفيته من غير تكلف نطق ، ولا استعمال لفظ ، إلا أن يكون القارئ لا يعرف ذلك ولا يتنبه له ، فليلفظ له حتى يعلمه«.[74]

فهرس المصادر والمراجع

المخطوطات :

  • جامع البيان في القراءات السبع المشهورة : للحافظ أبي عمرو الداني، مصورة عن مخطوطة دار الكتب المصرية، وحدة الميكروفيلم 1966، رقمها : 3 (قراءات).
  • شرح القصيدة الخاقانية : لأبي عمرو الداني، مصورة الجامعة الإسلامية، رقم : 290.

 المطبوعات

  • التحديد في الإتقان والتجويد : أبو عمرو الداني تح. غانم قدوري، ط الخلود بغداد، 1407هـ
  • التعريف في اختلاف الرواة عن نافع: لأبي عمرو الداني، تح التهامي الراجي، اللجنة المشتركة  لنشر وإحياء التراث الإسلامي، مطبعة فضالة ـ المحمدية (1403 ـ 1982).
  • التعريفات : للشريف علي بن محمد الجرجاني،دار الكتب العلمية، ط1،(1403 _ 1983).
  • تمكين المد في ” آتى ” و”آمن” و”آدم” وشبهه : لمكي بن أبي طالب القيسي، تح د.حسن فرحات، دار الأرقم، الكويت ط1 (1401 ـ 1984).
  • جامع البيان في القراءات السبع المشهورة : أبو عمرو الداني، تح.محمد صدوق الجزائري، دار الكتب العلمية، 2005م.
  • سلسلة دراسات مصطلحية : الكتور الشاهد البوشيخي، ط فاس، 2004م.
  • شرح الدرر اللوامع في أصل مقرإ الإمام نافع : للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الملك المنتوري، تقديم وتح. الأستاذ الصديقي سيدي فوزي، المغرب ط1 (1421هـ_ 2001م).
  • كلمة”مصطلح”بين الصواب والخطإ : مقال للدكتور عبد العلي الودغيري بمجلة اللسان العربي، العدد : 48، كانون الأول 1999م.
  • مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين : قضايا ونماذج، تأليف د.الشاهد البوشيخي، القلم، ط1 _ (1413هـ _ 1993م).
  • مقدمة ابن خلدون : ط. دار الفكر، توزيع دار الرشاد، الدار البيضاء، المغرب.
  • المكتفى في الوقف والابتدا في كتاب الله عز وجل : لأبي عمرو الداني، دراسة وتح. د.يوسف عبد الرحمن المرعشلي، مؤسسة الرسالة، بيروت ط2 (1407هـ _ 1987م).
  • الموضح لمذاهب القراء واختلافهم في الفتح والإمالة : لأبي عمرو الداني، تح. ودراسة محمد شفاعت رباني، رسالة دبلوم الدراسات العليا من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة  _ كلية القرءان   الكريم ـ (1410هـ ـ 1990م).
  • النشر في القراءات العشر : لأبي الخير ابن الجزري، تح محمد علي الضباع، دار الكتب العلمية،  بيروت.

[1]  _ يمكن مراجعة مقال مفيد للدكتور عبد العلي الودغيري بعنوان (كلمة “مصطلح” بين الصواب والخطإ) ضمن مجلة اللسان العربي، العدد:48 ، 1999م .

[2] _ التعريفات : 28 .

[3]  _ مصطلحات النقد العربي : 55 .

[4]  _ والتعريف مستفاد من منجد ابن الجزري :3

[5]  _ مقدمة ابن خلدون : 437 _ 438 .

[6]  _ وذلك كالكتاب الذي أفرده في “مذاهب القراء والنحويين في الروم والإشمام “.

[7]  _ يرجى مراجعة سلسلة ” دراسات مصطلحية ” لأستاذنا الجليل الدكتور الشاهد البوشيخي .

[8]  _ التحديد : 100 .

[9]  _ شرح الخاقانية : 27ظ .

[10]  _ شرح الخاقانية : 30ظ .

[11]  _التحديد : 89 .

[12]  _التيسير  : 45 .

[13]  _ التحديد : 103 .

[14]  _ التعريف : 246 .

[15]  _ التحديد : 100 .

[16]  _ التحديد : 176 .

[17]  _ التحديد : 115.

[18]  _ شرح الخاقانية : 44ظ.

[19]  _ البيت في شرح الخاقانية : 38و ، وورد ناقصا ، وتمامه _ كما أثبت – في الروائع: 106 ، البيت: 35 .

[20]  _ شرح الخاقانية : 38و.

[21]  _ التحديد : 98 . قال في النشر : 2/126 :” ووقع في كلام الداني في كتاب التحديد أن الإخفاء والروم واحد ، وفيه نظر” .

[22]  _ م.ن : 51و .

[23]  _ التحديد : 117 . ن. النشر: 2/27 .

[24]  _ التحديد : 163 .

[25]  _ التحديد : 71 .

[26]  _ التحديد : 102 .

[27]  _ التحديد : 97 .

[28]  _ شرح المنتوري : 1/79.

[29]  _ م.ن.

[30]  _ كذا في المطبوع، وفي المخطوط: أبي عاصم! ، ولعل الصواب: أبي عمرو وعاصم ، كما يبينه ما بعده من الكلام .

[31]  _ الجامع: 2/698 _ 700 . والمطبوع : 752 _ 754 .

[32]  _ شرح الخاقانية : 28ظ .

[33]  _ ن. التحديد في الأبواب المذكورة، و المكتفى : 138 ، وشرح الخاقانية : 41ظ و48 ظ ، و الموضح : 152 _ 154 .

[34]  _ ذلك هنا مقحمة في النص ، ولا يصح المعنى بها.

[35]  _ كذا بالتثنية ، والصواب عود الضمير على الحروف فيقال: عليها.

[36]  _ جامع البيان : 1/159 _ 162

[37]  _ يستحسن الرجوع في هذا الموضوع إلى “تمكين المد …” لمكي ، ونشر ابن الجزري .

[38]  _ شرح الخاقانية : 46و .

[39]  _ الجامع : 1/250 .

[40]  _ جامع البيان : 2/363 .

[41]  _ في النص المخطوط والمطبوع (726)معا: روي ، وهو خطأ في الكتاب .

[42]  _ الجامع : 2/670 _ 671 .

[43]  _ الجامع : 2/542 _ 543 .

[44]  – كذا ، وسداد الكلام بدون واو.

[45]  _  رسمت في المخطوط : أولى.

[46]  _ شرح الخاقانية : 51ظ _ 52و .

[47]  _ الجامع : 1/265 . والمطبوع : 312 .

[48]  _ الجامع : 2/557 . والمطبوع : 615 .

[49]  _ الجامع : 1/243 .

[50]  _ الجامع : 1/248 .

[51]  _ الجامع : 2/624 .

[52]  _ في المخطوط : وبذلك ، ولا معنى للباء هنا ، وفي المطبوع : بذلك ، والأوجه ما أثبت .

[53]  _ الجامع : 2/546 .

[54]  _ الجامع : 2/692 _ 693 .

[55]  _ الجامع: 2/696 _ 697 .

[56]  _ كذا في المخطوط ، وهو خطأ صوابه: إخراجها .

[57]  _ الجامع: 2/650 _ 651 ، ومثله في 2/997 .

[58]  _ الجامع : 2/655 _ 656 .

[59]  _ الجامع :2/625 .

[60]  _ الجامع : 2/626 .

[61]  _ الجامع : 2/627 .

[62]  _ الجامع : 2/666 .

[63]  _ ذكر ذلك في الجامع:2/510 والشاهد فيه قوله:» فعبر عن تحقيق الهمزة وتمطيط فتحها وإشباعها بالمد والتشديد مجازا واتساعا.

[64]  _ الجامع : 2/667 _ 668 .

[65]  _ الجامع : 2/728 .

[66]  _ كذا ورد ، والصواب : أبو عمر كما ذكر أولا ، إذ المراد الدوري راوي الكسائي .

[67]  _ الجامع : 2/532 .

[68]  _ الجامع : 2/620 .

[69]  _ الجامع : 2/545 .

[70]  _ الجامع : 2/628 .

[71]  _ الجامع : 2/625 .

[72]  _ الجامع : 1/270 .

[73]  _ الجامع:1/279 .

[74]  _ شرح الخاقانية : 25و .

اظهر المزيد

د.توفيق العبقري

  • أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض. مراكش.
  • مشرف على البحث العلمي بمركز الإمام أبي عمرو الداني التابع للرابطة المحمدية للعلماء
  • نائب رئيس تحرير مجلة الحجة التي يصدرها المركز.
  • رئيس لجنة مسابقة محمد السادس الدولية في حفظ القرءان الكريم وترتيله وتجويده وتفسيره
  • عضو اللجنة العلمية بجامعة القاضي عياض، بمراكش.
  • عضو اللجنة العلمية الجهوية المكلفة بدراسة وفهرسة المخطوطات والوثائق المرشحة لنيل جائزة الحسن الثاني للمخطوطات.
  • عضو مختبر النظر الفقهي بكلية الآداب بمراكش.
  • مستشار كرسي الهدايات القرءانية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.

النتاج العلمي المنشور

  • منح الفريدة الحمصية في شرح القصيدة الحصرية لابن عظيمة الإشبيلي: تحقيق ودراسة. ط. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، 2008.
  • مقدمة في أصول القراءات لابن الطحان السماتي: قراءة وتعليق ط. أولاد الشيخ القاهرة 2004.
  • أرجوزة الدرر اللوامع في مقرإ الإمام نافع لابن بري التازي، ط. مدرسة ابن القااضي ، المغرب 2020
  • التبيان في اختلاف قالون وورش لمكي بن أبي طالب القيسي، ط. الرابطة المحمدية للعلماء 2016.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق