مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

من فقه الأضاحي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي بعده

 وبعد فإن الاصطفاء الإلهي للشيء زمانا أو مكانا، ملاكا أو إنسانا، آيل إلى ما انطوى عليه من سبل القربى إلى الله، وملاكها تواتر ذكره وعبوديته.

 وإن يوم الأضحى من أعظم الأيام كما قال عليه السلام: ﴿إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يومُ النحر، ثم يوم القر﴾([1])؛ لما اشتمل عليه من الأعمال الجليلة ذكرا وتعبدا: وقوف بالمشعر الحرام، ورمي للجمرات، ونحر للهدايا والأضاحي، وطواف بالبيت العتيق، وصلاة وتهليل وتكبير لجموع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في تلاحف وتراحم، وتواصل وتآزر، وعفو وتسامح.. وكله ـ إن شاء الله ـ في صحائف المسلمين مستقر، وإن حالت دون بعضه ظروف الوباء «كورونا»؛ لما ثبت في موطإ الإمام مالك عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ما من امرئ تكون له صلاة بليل، يغلبه عليها نوم، إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة﴾([2])، ففي الحديث الدلالة على أن المرء يجازى على ما نوى من الخير وإن لم يعمله، كما لو أنه عمله، وأن النية يعطى عليها كالذي يعطى على العمل إذا حيل بينه وبين ذلك العمل، وكانت نيته أن يعمله، ولم تنصرف نيته حتى غلب عليه بنوم أو نسيان أو غير ذلك من وجوه الموانع، فإذا كان ذلك كتب له أجر ذلك العمل وإن لم يعمله فضلا من الله ورحمة، جازى على العمل ثم على النية إن حال دون العمل حائل، وفي مثل هذا الحديث والله أعلم جاء الحديث: ﴿نية المؤمن خير من عمله﴾([3])

وكذلك لما انطوى عليه من الأحداث العظيمة، والمواقف الكريمة سيما ما كان من أبينا إبراهيم وابنه إسماعيل في قصة الذبح والافتداء، الملخصة في قوله سبحانه: ﴿وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ـ إلى قوله تعالى ـ سلـم على إبراهيم﴾[الصافات: 100 إلى 111]  إنها قصة فريدة طوت في أكنافها كثيرا من العبر والدروس، في قوة اليقين والإيمان، والتوكل والإحسان، والصبر والثبات، وأدب الحوار، وبر الوالدين وحقوق الأبناء، أثمرتها تلك الهجرةُ النفسية لأبينا إبراهيم عما سوى الله إليه سبحانه: ﴿ إذ جاء ربه بقلب سليم﴾، ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾: هجرة نفسية تخلَّتْ عن ماضٍ بعجره وبجره؛ ليربط الصلة بالله، متخففا من كل الأثقال، مُسْلِما نفسه لذي الجلال؛ ليأتي بعد ذلك التوفيق والهداية، والحفظ والعناية، وهكذا حالُ كل مسلم حين يوثِق الصلة بالله، ويجعلُ المهجةَ خالصة لربه سبحانه، مهاجر من حال إلى حال، من أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزحمها شيء، وذلك معنى الخلوص والاستسلام لرب العالمين ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت﴾ [الأنعام:164، 165]، اتصال بالله أينع استجابة للدعاء، وثباتا عند الابتلاء، وصلاحا للأسرة والأبناء، وحفظا وافتداء، وأثرا خالدا وجزاء:

ألا ترى أنه نادى ربه: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ فأجابه الكريم بقوله: ﴿فبشرنـه بغلـم حليم﴾ استجابةٌ فورية لدعاءٍ بقلب سليم خاضع، مستسلم خاشع، وتلك حال الرسل والأنبياء، والصالحين والأولياء؛ لقوله سبحانه تعليلا لسرعة الإجابة: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خشعين﴾ [الأنبياء:89]

وأما الثبات عند الابتلاء فللعاقل أن يتخيل أباً شيخا كبيرا، فريدا وحيدا يُرزق بولد عاقل صبور حليم حتى إذا استأنس به واطمأن الحشاشة إليه، وبلغ معه السعي، جاء الأمر بذبحه.

لكنَّ الخليلَ لَبَّى دون انزعاج، واستسلم بلا جزع، وامتثل بغير اضطراب، في قبول ورضى، وطمأنينة وهدوء، وهذه كلماته: ﴿يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾، استسلام ليس فيه ابتحاث عن الأسباب والمسببات، ولا سؤال عن تعليل، ولا التفات إلى تأويل، رغم ما في الحدث من منافاة للطبيعة البشرية، والنظر العقلي، والمشقة العسيرة. وتلك رسالة لكل مسلم أن يتلقف مبادئ التشريع في عزة واشتياق، تسليم وامتثال، معرضا عن اعتساف التأويل والتعليل، متوجها إلى مسبب الأسباب وفاعلها وموجدها؛ إذ حقيقة تأثير الأسباب في مسبباتها وكيفيتُه مجهولة،([4]) ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء:85].

وأما الصلاح في الأبناء فيتبدى أولاً  في صداقة حميمة بين الولد والوالد، وتفاهم واضح في السعي والمحاورة: ﴿ فلما بلغ معه قال يـبني.. قال يـأبت..﴾؛ قال الفخر الرازي: «والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك الغلام حليما، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة، والإتيان بذلك الجواب الحسن»([5])

ويتجلى ثانيا في تمام الأدب مع الوالد، في طاعةٍ ووقار، رغم قساوة المهمة ووطأتها عليه ﴿يا أبت افعل ما تومر﴾ في مودة وقربى، فشبحُ الذبح لا يُفقده رشدَه، ولا ينسيه أدبَه، وذلك ما نبغي لكل أبنائنا: حوار في أدب، واحترام وتوقير، وطاعة للوالدين ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا.. وبالوالدين إحسانا ﴾[الإسراء:23].

ثم يبرز ثالثا في الأدب مع الله؛ إذ رغم قوة الموقف وروعة الثبات، لم يَعتبرْ ذلك شجاعةً ولا بطولة، ولكنها إعانةٌ من الله، فالحولُ والقوة بيده سبحانه: ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ وذلك درسٌ بليغ من طفل يافع لكل مسلم يقف الموقف الحميد، والثباتَ الرشيد. ورسالةٌ للوالدين في العناية بالأبناء تربيةً وإرشادا، فثمةَ عطاءٌ أنفع للأبناء من الكنوز والجواهر، والثّروات والأملاك، ففي سنن الترمذي مرفوعا: ﴿ما نحل والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن﴾.([6])

فلا غضاضة أن ينزل الفداء، وأن يتأبد الأثر، وأن تُخَلَّد القصة في الخالفين للذكرى والعبر: ﴿وفدينـه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين﴾

ليست  الغاية أن يبتلي ليعذب، ولكنه سبحانه يبتلي ليهذب، وذاك ما ينبغي رعيه في فقه الابتلاء، والتشوف إليه في مثل هذا الوباء؛ كيما تعقبه البشارة والافتداء، ولنعتبر هـهنا بأبينا إبراهيم وابنه؛ إذ استسلما؛ صبرا واحتسابا، طاعة وامتثالا، فجاء الفداء ﴿وفدينـه﴾، ليعقبه سمو وسناء، وذكر وثناء ﴿ وتركنا عليه في الآخرين﴾؛ لتليهما بركة خالدة تالدة، بعد سني بشارة بالخلف رافدة، وكذلك جزاء المحسنين في كل مكان وزمان؛ شريطة الصبر والاحتساب، وامتثال في استسلام وآداب، وما أغوصه على مقاصد الآي من قال: «لما كان منصب الخلة وهو منصب لا يقبل المزاحمة بغير المحبوب، وأخذ الولد شعبة من شعاب القلب، غار الحبيب على خليله أن يسكن غيره في شعبة من شعاب قلبه، فأمره بذبحه، فلما أسلم للامتثال خرجت تلك المزاحمة، وخلصت المحبة لأهلها، فجاءته البشرى ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ ليس المراد أن يعذب ولكن يبتلى ليهذب، ليس العجب من أمر الخليل بذبح الولد إنما العجب من مباشرة الذبح بيده، ولولا الاستغراق في حب الأمر لما هان مثل هذا المأمور؛ فلذلك جعلت آثارها مثابة للقلوب، تحن إليها أعظم من حنين الطيور إلى أوكارها»([7])

هكذا بدأت القصة بسلام وانتهت بسلام: بدأت بقوله تعالى: ﴿إذ جاء ربه بقلب سليم﴾، وانتهت بقوله سبحانه: ﴿سلـم على إبراهيم﴾ لنوقن أن سلامة القلوب من كل الأوساخ والأدران هو السبيل الأفيح؛ لنعيش آمنين مطمئنين في هذه الحياة: في رزق وفير وذرية صالحة، وأثر طيب خالد، وفلاح في الآخرة سرمدي، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أفضل؟ فقال: ﴿كلُّ مخمومِ القلب، صدوقِِ اللسان﴾، وذلك القلب ﴿التَّقيّ النَّقيّ، لا إثمَ فيه ولا بَغْي، ولا غِلّ ولا حَسَد﴾([8])، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾[الشعراء:89].

إن شعيرة الأضحى ضاربة في أعماق التاريخ، عريقة عراقة الأنبياء والرسل، شريفة شرف الوحي والرسالة، فمن تلك المحنة العجيبة التي استحالت منحةً عظيمة خالدة، كان الاستمدادُ والتشريع؛ فسنت الأضاحي كل عام؛ لقوله عليه السلام: ﴿سنة أبيكم إبراهيم﴾([9])  اقتداء بجدنا الخليل، واحتفاء بإنجاء الله لأبينا إسماعيل، وشكرا لله على كريم الافتداء، وقربانا إليه سبحانه مُنْزِلِ الفداء.

ومن هـهنا جعله الله يوما للمسلمين، وعيدا فيه يجتمعون، ومن خلاله يتزاورون، وفي شأنه يتضامنون إلى أيام التشريق: مكبرين مهللين في فرح وسرور، وتواصل وحبور؛ إنها أيام عَجّ بالتكبير، وثَجّ للأضاحي؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في شأنها: ﴿ أيام عيد وأكل وشرب وذكر ﴾([10])، ﴿الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ [الرعد:29].


([1]) أخرجه  أبو داود في سننه  ح: 1765

([2])  ن التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للحافظ ابن عبد البر: 12/ 261

([3]) ن التمهيد لابن عبد البر: 12/264.

([4]) ن مقدمة ابن خلدون:3/1070

([5]) مفاتيح الغيب:26/346

([6])سنن الترمذي ح 1952.

([7]) ن بدائع الفوائد لابن القيم:3/223.

([8]) ن الترغيب والترهيب للمنذري: 4/33.

([9])  ن مسند الإمام أحمد بن حنبل : 4/ 368 والسنن الكبرى للبيهقي: 9/261

([10]) ن سنن الدارقطني: 2/405

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق