مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

من شعر الشعراء السنغاليين في المديح النبوي (1)

أولع شعراء السنغال بامتداح النبيّ أفضل البشر –صلى الله عليه وسلم -، ونسجوا في الثناء عليه القصائد الغرر، ووجدوا في مدحه –صلى الله عليه وسلم -، راحة نفس وانشراح صدر وطمأنينة بال، واعتقدوا أنه خير ذخيرة للتقرب إلى الله زلفى، وخير طريقة للكشف عن الحب الصادق الذي يكنونه له –صلى الله عليه وسلم -،؛ ذلك القطب الأوحد، والعلم المفرد الذي لا يتم إيمان العبد حتى يكون أحبَّ إليه من كل شيء، مصداقا لقوله: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[متفق عليه].

ويقول الدكتور زكي مبارك: إن المدائح النبوية «من فنون الشعر التي أذاعها التصوفُ، فهي لونٌ من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع، لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمةٍ بالصدق والإخلاص»(1).

 ويقول الشيخ الخديم –رحمه الله تعالى – في ذلك(2):[من الرجز]

خيرُ ذَخيرةٍ لذِي تَعَبُّدِ /// مدحُ النبيِّ المُصْطَفَى محمَّدِ

ويقول الشيخ محمد الخليفة انياس الكولخيُّ –رحمه الله تعالى – في مقدمة قصيدته:«السِّرّ الْمَصُون، وَالْجَوْهَر الْمَكْنُون»: «الحمدُ لله الذي جَعَلَ مَدْحَ سَيِّدِ الوجود، وعَلَمِ الشهود؛ أفضل ما يَتَقَرَّبُ به المُتَقَرِّبون، ويَتَحَصَّنُ به المُتَحَصِّنون”»(3).

وقد ظهرت كثرة كاثرة من المدائح النبوية، وازدانت بها رفوف المكتبة الإسلامية(4)، وتبارى الشعراء السنغاليّون الأقحاح، في حلبات مدح صاحب المحيّا الوضّاح -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ حبّروا في الثناء عليه القصائد الطنانة، والمقطوعات البهية الرنانة، وأشادوا بخلاله الرفيعة، وخصاله البديعة، ومنهم الشاعر الفحل المبرّز يونس ذو النون لي(5)، الذي نظمَ قصيدة في مدحه – صلى الله عليه وسلم -، مطرَّزةً ومتوَّجةً بالحروف الهجائية؛ يعني أن كل بيت يبدأ بحرف منها، وهي في ثمانية وعشرين بيتا.

وقد استهل الشاعر القصيدة بالغزل، ثم عرج إلى مدح النبي –صلى الله عليه وسلم ، -منوّها بأَنحاله الجزيلة وأخلاقه الجميلة، وسلك في غزلهِ مسلكاً لا يأباه السمع، ولا ينفر منه الطبع، فهوَ – ولاجرم – مستثنًى من قول النبهاني –رحمه الله تعالى- في مجموعته المباركة إن الغزل :«في المدائح النبوية غير مستحسن مطلقا؛ لأن الغزلَ ولو في غير معين المشتملَ على وصف الخدود والقدود والأرداف وما أشبه ذلك من أوصاف النساء والغلمان التي هي من هذا القبيل وما يجري للعاشق مع المعشوق من السفاهات والترهات هو مما يأبى ذكره الذوق السليم، والطبع المستقيم، في مقدمة قصيدة يمدح بها أحد العلماء العاملين والأولياء العارفين فضلا عن سيد الأنبياء والمرسلين، وصفوة خلق الله أجمعين –صلى الله عليه وسلم -»(6).

ودونك القصيدة اللامية لتكرع من رحيق حياضها، وتُمتِع طرفك بأنيق رياضها(7): [من الطويل]

أَمِنْ بُعْدِ سَلْمَى هَيَّجَتْكَ البَلَابِلُ = وَهَالَتْكَ مِنْ تَغْرِيدِيهِنَّ البَلَابِلُ(8)

بُلِيتُ بِهَا وَالْقَلْبُ يَشْجُو لِأَجْلِهَا = وَدَمْعُ جُفُونِي فَوْقَ خَدَّيَّ هَامِلُ

جَرَعْتُ خُمُورَ الْحُبِّ طِفْلًا وَيَافِعًا = وَإِنِّي لِأَنْوَاعِ الْمَحَبَّةِ شَامِلُ

دَهَانِيَ دَهْرِي حِينَ فَرَّقَ بَيْنَنَا = وَقَلْبِي لِأَجْلِ الْوَجْدِ وَالْحُزْنِ ذَاهِلُ

هَوَى قَلْبِيَ الْمَغْمُومُ فِي هُوَّةِ الْهَوَى = وَإِنِّي لِأَعْبَاءِ الْمَصَائِبِ حَامِلُ

وَلَيْلِي بُكَاءٌ كُلُّهُ فَكَأَنَّنِي = لِفَرْطِ شُجُونِي أَسْكَرَتْنِي الْبَلَابِلُ

زُعَاقُ النَّوَى يُرْدِي الْمُحِبَّ فَإِنَّمَا = زُعَاقُ النَّوَى يَا خِلُّ لِلصَّبِّ قَاتِلُ

حَدِيثُ اشْتِيَاقِي عَنْعَنَتْهُ مَدَامِعِي = وَنَارُ شُجُونِي أَجَّجَتْهَا الْمَنَازِلُ

طَمِعْتُ بُعَيْدَ الْهَجْرِ وَصْلًا فَعَذَّرَتْ = فَمَا أَنَا مَهْجُورٌ وَمَا أَنَا وَاصِلُ

يَمِيلُ فُؤَادِي عَنْ هَوَاهَا وَذِكْرِهَا = إِلَى الْمُصْطَفَى إِنْ حَلَّلَتْنِي الزَّلَازِلُ

كَمَالُ جَمَالِ الدِّينِ مَنْبَعُ نُورِهِ = جَمَالُ بَهَاءِ الْعِزِّ لِلْخَيْرِ فَاعِلُ

لَهُ الْفَضْلُ بَيْنَ الْخَلْقِ طُرًّا لِسَبْقِهِ = وَلَيْسَ لَهُ فِي الْعَالَمِينَ مُمَاثِلُ

مَلَاذُ البَرَايَا فِي الشَّدَائِدِ كُلِّهَا = وَشَمْسُ الضُّحَى إِنِ ادْلَهَمَّ الْغَيَاطِلُ(9)

نَفُوعٌ نَفُوحٌ عِلَّةُ الْكَوْنِ كُلِّهِمْ = وَمَلْجَأُهُمْ إِنْ أَحْدَقَتْهَا الْمَعَاضِلُ(10)

صَفِيٌّ صَفُوحٌ خِضْرِمٌ ذُو مَكَانَةٍ = سِرَاجٌ مُنِيرٌ صَاحِبُ الصِّيتِ عَادِلُ(11)

عَفُوٌّ عَنِ الجُهَّالِ مُتَّصِلُ الجَدَا = حَلِيمٌ عَلِيُّ الْكَعْبِ أَرْوَعُ بَاسِلُ

فَرِيدُ الْمَعَالِي خَيْرُ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى = سَنِيٌّ كَرِيمٌ ذُو الْمَوَاهِبِ فَاضِلُ

ضِيَاءُ جَبِينِ الدَّهْرِ دَيْدَنُهُ التُّقَى = وَخَيْرُ إِمَامٍ تَقْتَفِيهِ الْأَمَاثِلُ(12)

قَرِيبٌ لِمَنْ يَرْجُو نَدَاهُ وَخَيْرُ مَنْ = تُمَدُّ إِلَيْهِ فِي الْعَطَايَا الأَنَامِلُ

رَؤُوفٌ رَحِيمٌ مُجْتَبًى دُرَّةُ العُلَا = وَبَحْرٌ مَدِيدٌ فِي الدِّرَايَةِ كَامِلُ

سَرَى لَيْلَةَ الإِسْرَا فَنَالَ مَوَاهِبًا = تَقَاصَرَ عَنْ إِدْرَاكِهِنَّ الْأَفَاضِلُ

تَبَارَكَ رَبٌّ خَصَّهُ بِعُلُومِهِ = وَأَعْطَاهُ نَيْلًا لَمْ تَنَلْهُ الْأَوَائِلُ

ثَنَائِي لَهُ مَا دُمْتُ حَيًّا فَإِنَّهُ = عِمَادِي إِذَا مَا حَيَّرَتْنِي الشَّوَاغِلُ

خَلِيلُ إِلَهِ الْعَرْشِ ثُمَّ كَلِيمُهُ = وَخَيْرُ هُمَامٍ قَدْ قَفَتْهُ الحَلَاحِلُ(13)

ذُؤَابَةُ أَخْيَارِ النَّبِيئِينَ جُمْلَةً = خِضَمُّ بِحَارِ الْفَضْلِ قَرْمٌ حُلَاحِلُ

ظَمِئْتُ إلَى اللُّقْيَا فَأَنَّى لِيَ اللِّقَا = أَيَا خَيْرَ مَنْ قَدْ سَوَّدَتْهُ الشَّمَائِلُ

غَرَامِي طَوِيلٌ فِي هَوَاكَ وَإِنَّنِي = لِوَصْلِكَ مُحْتَاجٌ وَلِلْفَتْحِ سَائِلُ

شِفَائِي صَلَاةُ اللهِ ثُمَّ سَلَامُهُ = عَلَيْكَ وَمَنْ وَالَاكَ مَا سَالَ سَائِلُ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الهوامش:

(1) المدائح النبوية في الأدب العربي (ص:17)

(2) قصيدته: فتح الفتّاح في مدح المفتاح، ضمن: سعادات المريدين في أمداح خير المرسلين (2/415)

(3) الموسوعة النبوية على عقود الجوهر (ص:539)

(4) انظر: المدائح النبوية في الأدب العربي للدكتور زكي مبارك، والمدائح النبوية للدكتور محمود علي مكي، وانظر أيضا: المجموعة النبهانية في المدائح النبوية، للعلامة يوسف النبهاني.

(5) هو ذو النون يونس لي (ت:1927م) أحد شعراء الطريقة القادرية، وحامل لواء الشعراء السنغاليين، كان أغزرهم بحرا، وأرقهم شعرا، وأحسنهم وصفا. وألينهم عطفا، وأحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلهم فوتا، وله ديوان شعري مخطوط، تضمن بين دفتيه قصائد جيادا في مدح سيد الوجود –صلى الله عليه وسلم -، وفي مدح المشايخ الصوفية باختلاف مشاربهم، كما تطرق إلى مختلف الأغراض مدحا وهجاء ورثاء وغزلا وغيرها، [انظر: الأدب السنغالي العربي (1/236)]

(6) المجموعة النبهانية (1/12-13)

(7) وردت القصيدة في: الأدب السنغالي العربي (1/240-245)

(8) البلابل في آخر الصدر: جمع بلبال، وهو شدة الهمّ والوسواس. والبلابل في آخر العجز: جمع بُلبلٍ.

(9) الغياطل: جمع غيطلةٍ، وهي التباس الظلام.

(10) المعاضل: الشدائد، جمع معضلةٍ.

(11) الخضرم: الجوادُ الكثير العطية.

(12) الأماثل: الأفاضل.

(13) الحَلاحِل: جمع حُلاحل، وهو  السَّيِّد في عشيرته الشجاع الرَّكين في مجلسه.

 

pdf

لامية ذي النون يونس لي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق