مركز الدراسات القرآنيةدراسات عامة

منزلة القرآن الكريم في التشريع الإسلامي

إن القرآن الكريم أصل الأصول، بما يتضمنه من كليات الشريعة، ومبادئها ومقاصدها العامة. يقول الشاطبي رحمه الله: «إنه [القرآن] كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة»[1].
ومعنى هذا أن القرآن الكريم هو الدستور المرجعي للشريعة، والسنة النبوية التي هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي تابعة للقرآن الكريم؛ تبينه من وجوه متعددة. قال الشاطبي: «السنة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره؛ وذلك لأنها بيان له»[2].
كما أن التعمق في فهم سنن النبي ﷺ ينتج معرفة خاصة بمقاصد النبي ﷺ من تصرفاته، وتفسيراته القولية والفعلية والتقريرية للقرآن الكريم؛ انطلاقا منه، أو نتيجة تعامله مع بعض التصرفات والوقائع المندرجة تحت ألفاظ القرآن.
فأقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته مؤطرة بالقرآن، وهذا ما يدل عليه واقع التشريع القرآني في المسائل التي عقّب فيها القرآن على بعض الاجتهادات النبوية.
فلقد كان اتصال الكتاب والسنة المنقولين جيلا عن جيل بوعي الأمة الناقلة، هو الرابط بين مباحث علم الأصول بدلائله الإجمالية، وقواعده الكلية؛ لذلك استجلبت طبيعتهما النقلية، ومقاصدهما، ومنهجهما في خلق الوعي والإدراك، جملة من القواعد والدلائل الأصولية التي اعترف بها أئمة راسخون، وأعملها أئمة لامعون، فكانا أصل الأصول ومرجعها، وكانت بقية الأدلة والقواعد تابعة لهما، وقنوات للاتصال بأصل حجيتهما القطعية بلانزاع.
ويجلّي المنزلةَ العظيمةَ للقرآن في أصول التشريع الإسلامي أن الأصوليين يستهلون الاحتجاج لأدلة الشريعة الإجمالية بالآيات من القرآن الكريم؛ ومن أمثلة ذلك استدلالهم على حجية دليل الإجماع بمثل قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ [النساء: 15]، واحتجاجهم على مشروعية دليل القياس بمثل قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: 2]، وهاتان الآيتان وأمثالهما بانفرادها لا تستفاد منها على وجه القطع حجية هذه الأدلة الإجمالية، إلا أن استقراء أصول الأحكام، وتتبع أدلتها من القرآن الكريم ومعه السنة ومآثر الصحابة يثبت بشكل قوي حجية الأدلة الإجمالية. يقول القرافي في هذا المعنى: «والعمدة الكبرى أن كل نص من هذه النصوص مضموم للاستقراء التام من نصوص القرآن والسنة وأحوال الصحابة، وذلك يفيد القطع عند المطلع عليه»[3].
علاوة على هذا، فالأدلة التبعية للقرآن الكريم والسنة النبوية؛ كالإجماع، ومذهب الصحابي، وعمل أهل المدينة، وآثار الصحابة والتابعين…تعتبر قنوات للاتصال بأصل الحجية لنصوص الكتاب والسنة ومقاصدهما، ووسائل مهمة للاحتفاظ بمعانيهما، ولأفعال الشارع وتقريراته.
وعلى الجملة، فـ«الكتاب والسنة أصل لما سواهما»[4]، والأدلة الأخرى من إجماع، وقياس، ومصلحة مرسلة…فهي مأخوذة من الأدلة الكلية، والقيم المرجعية العليا فيهما.
فالقرآن الكريم يمثل المرجعية الإسلامية العليا في مجال الفقه والتشريع، ويقدّم في الاستدلال على السنة إذا تعذر تحقيق الجمع والتوافق بينهما، قال الشافعي: «أبان الله لهم أنه إنما نسخ الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، وإنما هي تبع للكتاب بمثل ما نزل نصا، ومفسرة معنى ما انزل الله منه جملا»[5]، وقال السرخسي: «…إِذا كَانَ الحَدِيث مُخَالفا لكتاب الله تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يكون مَقْبُولًا وَلَا حجَّة للْعَمَل بِهِ»[6]، وقال الشاطبي: «ومن ذلك أن مالكا أهمل اعتبار حديث: “من مات وعليه صوم؛ صام عنه وليه”، وقوله: “أرأيت لو كان على أبيك دين؟ ” الحديث؛ لمنافاته للأصل القرآني الكلي، نحو قوله: ﴿أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾[سورة النجم، الآيتان 37-38]، كما اعتبرته عائشة في حديث ابن عمر…ولم يعتبر في الرضاع خمسا ولا عشرا؛ للأصل القرآني في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾[سورة النساء، الآية 23] »[7].
ومجمل الدين وشريعته قائم على محكمات القرآن، قال تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ [آل عمران: 7]، وقال عز وجل: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت﴾ [هود: 1]، فآيات القرآن قسمان: آيات محكمات، وآيات متشابهات؛ والمحكمات هي أصول وأمهات لغيرها، قال القرطبي: «فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع»[8]، وقال ابن عاشور: «صنف الآيات المحكمات يتنزل من الكتاب منزلة أمه؛ أي أصله ومرجعه الذي يرجع إليه في فهم الكتاب ومقاصده»[9]، وقال أيضا: «فالمحكمات هي أصول الاعتقاد، والتشريع، والآداب، والمواعظ»[10]، ومن مدلول الآيتين السابقتين نستطيع القول: إن القرآن الكريم باعتباره الأصل الأول، والمرجع الأساس لدين الإسلام هو مصدر كليات الشريعة ومستودعها، وهذه الكليات مقدّمة في الاعتبار والتقديم، ومن المؤشرات الدالة على ذلك أن الآيات المحكمات الكليات سابقة في النزول على آيات الأحكام التفصيلية. قال الشاطبي: «اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، والذي نزل بها القرآن على النبي ﷺ بمكة، ثم تبعها أشياء بالمدينة، كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة…ثم لما خرج رسول الله إلى المدينة، واتسعت خطة الإسلام كملت هناك الأصول الكلية على تدريج»[11].
وقد تكفلت الكليات القرآنية بإرساء الأساس النظري والإطار المرجعي، الذي ينبثق منه التشريع الإسلامي، والشريعة الإسلامية قد تفصلت فروعها بعدما تأصلت كلياتها.
وكليات القرآن عون للفقيه على الاسمتداد منها ما لا نهاية من القضايا والمستجدات التي تطرأ على حياة الناس، كما أنها خير معين للمفسر على تفسير كتاب الله تعالى؛ فهما، وتقييدا، وتخصيصا.
فالقرآن الكريم أصل الأصول، وحجته بمعية السنة قطعية في الإجمال، وقد أتى القرآن الكريم بالقيم المرجعية والمبادئ الكلية للتفقه في الدين، فسائر أصول الشريعة الأخرى المضمنة في علم أصول الفقه خاضعة للمرجعية القرآنية، ومنبثقة من الإطار المرجعي للقيم التشريعية للقرآن الكريم ومبادئه الكلية.
فالتناسق المنطقي المعروف بين أدلة التشريع يفيد أن هذه الأدلة ما هي إلا شعاع من أشعة الكتاب والسنة، ومبادئهما في الاحتجاج، وأصولهما في التشريع، وسننهما في الترشيد والتوجيه والتقويم، وقوانينهما في خلق الوعي والإدراك، وهداهما في رعاية المصالح ودرء المفاسد، والتمييز بين الحسنات والسيئات، والتفريق بين الصالحات والمنكرات، وتعميم التشريع في جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال والمكلفين، والأدلة التبعية قائمة على الأسس الموضوعية للتشريع في الكتاب والسنة، ويدعمها عمل الصحابة وآثار التابعين.

الهوامش:

[1] الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، مراجعة وتعليق عبد الله دراز، تحقيق براهين رمضان، ط3 (بيروت: دار المعرفة 1417هـ/1997م) (3/309).
[2] الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، مرجع سابق (4/396).
[3] القرافي، تنقيح الفصول في الأصول مع حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح لابن عاشور، ط1 (تونس: مطبعة النهضة، 1341هـ)(2/98).
[4] الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، مرجع سابق (3/309).
[5] الشافعي، الرسالة، شرح وتعليق عبد الفتاح ظافر كبارة، ط1 (بيروت دار النفائس، 1419هـ/1999م)(82/83)
[6] السرخسي، أصول السرخسي (بيروت: دار المعرفة) (1/364).
[7] إبراهيم الشاطبي، الموافقات، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن عفان، ط1، 1417هـ/ 1997م (3/198-200).
[8] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر، 2019م)(4/11).
[9] ابن عاشور، التحرير والتنوير(الدار التونسية للنشر، 2004م) (3/160).
[10] ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق (3/155).
[11] الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، مرجع سابق (3/66).

اظهر المزيد

د. مصطفى اليربوعي

باحث بمركز الدراسات القرآنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق