مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

مفاهيم في التماسك ووحدة بناء النص» من خلال كتاب « قراءة في الأدب القديم» محمد محمد أبو موسى دراسة إحصائية معجمية (حلقة 16)

 

(ط)

طبق

 [أطبق/مطابق/مطابقة]

سياق المصطلح:

-« وأصْحابُ اللُّغةِ يَقولونَ «المُصْمئِلُّ» المُنْتَفخُ منَ الغَضبِ، و«المُصْمئلُّ» الشّديدُ، فلوِ اقْتَصَرْتَ على نَصِّ اللُّغةِ هُنا في تَفسيرِ هذا اللَّفظِ لَفَقدَ الشِّعرُ معْناه، وإنَّما فَحْوى مُرادِ الشّاعرِ أنْ يَدُلَّكَ على أنَّهُ كلَّما زادَ الخَبر تَأمُّلًا زَادَ تَفاقُمًا وتَعاظُمًا وأطْبقَ عليه إِطباقًا، وَأَحَاطَ به إِحَاطَةً لا تَدعُ لهُ من إِطْباقهِ عليه مَخْرجًا، فَأَوْلى أنْ يُقالَ إنَّهُ منْ قَولهِمْ «اصْمأَلَّ النَّباتُ» إذا الْتفَّ وعَظُمَ وأَطْبَقَ بَعضُهُ عَلى بَعضٍ مِن كَثافَتهِ، وأَصلُ هذهِ المادّةِ في اللُّغةِ «صَمَلَ يَصْمُلُ صمولًا» إذا صَلُبَ واشْتدَّ واكْتَنزَ يوصَفُ بذَلكَ الجَمَلُ والجَبلُ والرَّجلُ وما أَشْبهَ ذَلك، فأَنتَ في مِثلِ هَذا المَوْضعِ مُحتاجٌ في البَيانِ أنْ تَزيدَ على نَصِّ اللُّغةِ مُسْتَدِلًّا بأَصلِ مادّةِ اللُّغةِ»[1]

-«ثُمَّ أَوْغلَ شاعِرُنا في صِفةِ الخَبرِ بَعدَ ثَلاثِ سَكتاتٍ وبَعدَ تَشْعيثٍ ماهِرٍ مُحْكَمٍ، وبَعدَ أنْ مَثَّلَ لك إطْباقهُ عَليهِ، وسَدَّهُ عَليهِ المَنَافِذَ فقالَ « جلَّ حتَّى دَقَّ فيهِ الآجلُ» وهُو كَلامٌ سَهْلٌ مُنْسَابٌ بَعدَ كَلامٍ مُتَقطِّعٍ يَتعَثَّرُ، فَهذا هُو البَسْطُ والقَبْضُ الّذي وصَفْتُهُ لك آنِفًا في بَحرِ المَديدِ…»[2]

-« وتَأمَّلْ قَولَهُ «ما مَنَّتْ وما وَعَدَتْ» وفيهِ رَمزٌ خَفيٌّ وأنَّها وَعَدتْ بَعدَ ما مَنّتْ وهَذا تَرتيبٌ واقِعٌ، ومُطَابِقٌ، لأنّها تُمنِّي ثُمّ تَعِدُ، ولمْ يَذكرْ ما مَنَّتْ به ولا ما وَعدَتْ بهِ، وإنَّما نُزِّل الفِعلُ المُتعدِّي مَنْزلةَ اللَّازمِ، لأنَّ المُرادَ أنْ يَكونَ مِنْها تَمنٍّ وأنْ يَكونَ منْها مَوْعِدةٌ، معَ صَرفِ النَّظرِ عنِ المُتمَنَّى والمَوْعودِ بهِ، فكُلّ هَذا منَ التَّمْويهِ والخِداعِ والمُخاتَلةِ وعَبثِ الشِّعرِ بالأَنْفُسِ»[3]

-« ولَمْ يَقُلْ كُنّا ذَوِي ثَراءٍ، أوْ وَجدْتُ الثَّرى عِنْدنا، لأنّهُ أرادَ أنْ يُؤكِّدَ أنَّ الثَّرى ليْس في أيْديهمْ، ولا خَزائِنهمْ، وإنَّما في ذاتِ نُفوسِهمْ، وكأنَّهُ أرادَ أنْ يُنبِّهَ إلى هذهِ المُقابَلةِ الخَفيَّةِ بَينَ ثَراهُم، وبيْنَ المحولِ الذي أَطْبَقَ فِيما بَينَ السَّماءِ والأَرضِ، فَجاءَ بِشَرطٍ مُخْتَصرٍ للشَّرطِ السّابقِ»[4]

– «… الغَمرُ الماءُ الكَثيرُ، وهُمْ يُشَبِّهونَ الشَّدائدَ والكُروبَ الّتي تُطْبقُ وتُحِيطُ بالغَمرِ أي الماء الكثير الغَامر، لأنَّها تُحِيطُ بهم إِحَاطَةً كَامِلةً وتَستغْرِقُ نُفوسَهُمْ اسْتغراقًا شَاملًا، والبَحرُ ولُجَجهُ مَثلٌ عِندهمْ في الهَولِ والرَّهْبةِ، وهذا يُسمِّيهِ البَلاغِيونَ اسْتعَارةً تَصْريحيةً، فالمُرادُ بالغَمرِ الشِّدةُ التي تَستغرِقُ النَّفسَ وتُحِيطُ بِهَا إِحَاطَةً تَصيرُ معها النَّفْسُ مُنْغَمسةً في أهْوالِها، وكأنَّ الشِّدَّةَ تَبتَلعُ هذهِ النُّفوسَ ابْتلاعَ المَاءِ الغَمرِ لِما يُحِيطُ بِهِ» [5]

-«…لِذلكَ قالَ الشّاعرُ « ومَطِيَّةٍ حَمَّلْتُ» يَعْني أنَّهُ إذا بَلغَ الكَلالَ بِواحِدةٍ مَبْلغَ الضَّعفِ والفُتورِ جَعَلْتَ رَحْلَها عَلى أُخْرى، وأَعْفَيْتَها منَ الحَمْلِ لِتَخِفَّ وحْدَها في المَسيرِ، وكأنّكَ تَرى في هَذا الشَّطرِ مَطِيَّتَيْنِ ماثِلَتَيْنِ والشّاعرُ بيْنهُما يَحْمِلُ رَحْلَ واحِدةٍ لِيَضعَهُ عَلى الأُخْرى فَما أَوْضحَ وأَدقَّ المُطَابَقَةَ…»[6]

التعريف اللغوي:

جاء في لسان العرب: طبق: الطَّبَقُ غِطَاءُ كُلِّ شَيْءٍ، وَالجَمْعُ أَطْباق، وَقَدْ أَطْبَقَه وطَبَّقَه انْطَبَقَ وتَطَبَّقَ: غَطّاه وجَعَلَهُ مُطَبَّقاً؛ ومِنْهُ قَوْلُهُمْ: لَوْ تَطَبَّقَت السَّماءُ على الأرض ما فَعَلْتُ كذا. وفي الحَدِيثِ حِجابُه النُّورُ لَوْ كُشِفَ طَبَقُه لأَحْرَقت سُبحاتُ وَجهِه كلَّ شَيْءٍ أَدْرَكه بصرُه؛ الطَّبَقُ: كلُّ غِطاءٍ لازِمٍ على الشّيْءِ. وطَبَقُ كلِّ شَيْءٍ: ما ساواهُ، والجَمْعُ أَطْباقٌ؛ وقَوْلُهُ: ولَيْلة ذَاتِ جَهام أَطْباق؛ مَعْنَاهُ أَن بعضَه طَبَقٌ لِبَعْضٍ أَي مُساوٍ لَهُ،  وتَطابَقَ الشيئَان: تساوَيا.

والمُطابَقةُ: المُوافَقة. والتَّطابُق: الاتِّفاقُ. وطابَقْتُ بَيْنَ الشّيْئيْنِ إذا جَعَلْتَهُما على حَذْوٍ واحِدٍ وأَلْزَقْتَهُما. وهذا الشَّيْءُ وَفْقُ هذا ووِفاقُه وطِباقُه وطابَقُهُ وطِبْقُه وطَبِيقُه ومُطْبِقُه وقالَبُه وقالِبُه بِمَعْنًى واحِدٍ. ومِنْه قَوْلهُم: وافَقَ شَنٌّ طَبَقَه. وطابَقَ بَيْنَ قَمِيصَيْنِ. لَبِسَ أَحدَهما على الآخر. والسماواتُ الطِّباقُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لمُطابَقة بَعْضِها بَعْضًا أي بَعْضها فَوْقَ بَعْضٍ. [7]

التعريف الاصطلاحي:

أطْبقَ على الشيءِ إطْباقا: وافَقَه وأحاطَ به وغطّاهُ، كَما تُتَطابقُ الألفاظُ بعضُها بعضاً لإفادةِ المعْنى، ولا يحصلُ التطابُقُ إلا بما يجعلُ القَصيدةَ أو النصَّ وحدةً متماسكةً مُتَعالِقَةَ  الأجْزاء.

///

طرق

 [طريقة/طرائق/طريق]

سياق المصطلح:

– «تحدَّث الأستاذُ عن الشِّعرِ ولغتهِ والبراعاتِ التي يجبُ أن تتوفَّر لدارسهِ حتّى يَنفُذَ إلى سرِّه، وذَكر أنَّ للشُّعراءِ حِيَلًا وطَرائقَ في الإِبانةِ عن مَعانيهم، لأنّهم لا يَقْصِدون إلى الإبانَةِ الواضِحةِ المَكْشوفةِ أو المَغْسولةِ، وإنّما لَهُم طَرائِقُ أُخرى خَفيّة، وهُم كَذلكَ في كُلِّ أُمَّةٍ وفي كُلِّ لِسانٍ ولا سَبيلَ إلى مُعالجَةِ الشِّعرِ إلّا بالبَراعةِ في مَعْرفةِ هذهِ المَسالكِ التي يَسْلُكونَها»[8]

-«…وكانَ الأَجْدرُ بمَنْ يَحْرصُ على البَحثِ عنِ الآلِياتِ الّتي تَنْفعُ أنْ يَقفَ عنْد هَذا الطّريقِ الذي اخْتَطّهُ وعَبَّده المَرحوم مَحْمود شاكِر في أشَدِّ ضروبِ ثَقافَتِنا وُعورَةً، وهُو الشِّعرُ الجاهِليُّ وشِعرُ الشَّماخِ ابنِ ضِرارٍ خُصوصًا… وأعودُ إلى الطَّريقِ الذي شَقَّهُ وعبَّدهُ في تحليلِ مَبانِي الشِّعرِ وأقولُ مَبَانِي الشِّعرِ ولا أقولُ دراسة الشِّعرِ لأنّ طريقَ دراسةِ الشعرِ وبَيانِ منْهجِ الأستاذِ فيه مُتَّسعٌ جدًّا وخُصوصًا دراستهُ للروايةِ وما يتعلقُ بها وإنّما أردتُ تحليلَ لُغةِ الشِّعرِ، وما في هذه اللُّغةِ من معانٍ، وأحداثٍ، وصُورٍ، وما تُفيدهُ الألفاظُ المُفردَةُ حين نرجعُ ليس إلى أصولهَا المعجميةِ فحسب، وإنَّما إلى استعمالها عند الشُّعراءِ»[9]

-« وهذا الحَشْوُ يُلْزِمكَ سَكْتَةً بَعْدَهُ عنْد إنْشادهِ والتَّرنُّمِ بهِ لأنه يَزيدُكَ بهَذا الخَبرِ المَهولِ اسْتِهْوالًا حتَّى تَكُفَّ منْ ذاتِ نَفْسكَ، ويَجْعل هذا الذي جَرى على لِسانِكَ كأنّه قائمٌ بنَفسهِ مُنْقَطِعٌ عمّا بَعدهُ «تأمّلِ السَّكْتةَ وحَرْفَ الحَشْوِ وماذا صَنَعا في المعْنى وكيْفَ اصْطَنَعَهُما الشّاعرُ وجَعَلَهُما طَرِيقَ إِبانَةٍ»[10]

-«وظاهِرٌ جدًّا أنَّ اقْتِرابَ الأُسْتاذِ منْ هَذا النَّبعِ وهُو يَدْرسُ هَذهِ القَصيدةَ هو الذي أنْتجَ ما قالهُ في مَعانِي الكَلماتِ والتَّراكيبِ ومَعانِي النَّغمِ وهو الذي أنْتَجَ مَواضِعَ السَّكَتاتِ التي يَراها الأُسْتاذُ واجِبةً، لأنّ هذه السَّكتاتِ منْ طُرُقِ الإِبانةِ وكأنّها أوْعِيةٌ لُغَويةٌ سَكبَ فيها الشّاعرُ مِنْ نَفْسه، ومِنْ مَعْناهُ ومِن لَحْنهِ ما شاءَ أنْ يَسْكُبَ»[11]

-«وبَعْد هذا البَيانِ اللّازمِ نَنْظرُ في بَيانٍ آخَرَ هُوَ أقْربُ إلى طَبيعةِ الشِّعرِ، وبناءِ معانيه، وهو عَلاقات المَعانِي وطَرِيقَةُ تَكْوينِها، وبَيانُ الرَّوابِطِ التي بَيْنَ الجُزْئياتِ، المُكوِّنةِ للنَّصِّ، وهذهِ خُطْوةٌ تَتْبعُها خُطْوةٌ ثانِيةٌ وهي دِراسةُ أحْوالِ المَعانِي الجُزْئيةِ وتَرْكيبِها»[12]

-«قَولُه:

كأنَّ أوْبَ ذِراعَيْها إذا عَرِقَتْ /// وقَدْ تَلفَّعَ بالقُورِ العَساقِيلُ

يَصِفُ رَجعَ اليَديْنِ إلى الصَّدرِ، ويُفْردهُ ويُميِّزهُ، منْ بينِ الصِّفاتِ التي وَصفَ بها النّاقةَ، وقدْ أفْردَ رَجعَ اليَديْنِ شُعراءُ آخَرونَ وكانَ منْ سُبُلِ الشِّعرِ المَطْروقةِ، وكانَ كَعبٌ قدْ ألمَّ برجْع اليَديْن على طَرِيقِ التَّضْمينِ…»[13]

-«وقَولُهُ «ولا يَزالُ بِواديهِ أخُو ثِقةٍ» مَعْطوفٌ على قَوْلهِ «مِنهُ تَظلُّ حَميرُ الوَحشِ ضامِزةً» أخو الثِّقةِ الشُّجاعُ الواثِقُ بشَجاعَتهِ، وعُدَّتهِ، ومُطَرَّحُ البّزِّ أيْ مُلقِي السِّلاحِ، والبّزُّ كما قال ابْنُ هِشامٍ مُشْتركةٌ بيْن أمْتعةِ البزّازِ، وبيْن السِّلاحِ، والدِّرْسانُ أخْلاقُ الثَّوبِ، ومُفْردهُ دِرْسٌ، وحُروفهُ مُهْمَلةٌ، وأقولُ مرَّةً ثانيةً لا يَجوزُ في دِراسةِ الشِّعرِ إهْمالُ عَلاقاتِ الجُملِ وطَرَائِقِ تَكْوينِها، وتَداخُلِ المَعانِي، ونَسيجِ بِنائها، ورَوابطِ اتِّصالاتِها لأنَّ كلّ ذَلكَ منْ جَوْهرِ الشِّعرِ وجَوهرِ بِنائهِ، وطَرَائِقِ تَشابُكِ مَعانيهِ وتَخلُّقِ مُكَوِّناتهِ …»[14]

– «وهذا نَفسُه هو طَرِيقَتهُ في بِناءِ الأبْياتِ السّابِقةِ «لذاك أهيب» حَيثُ بَدأ بذكْرِ المُخْتارِ في جُمْلةِ «لذاك أهيب» ثُمّ نَقلَ الحَديثَ إلى الضَّيْغمِ، ثُمّ فَرَّعَ بذِكْرِ الضِّرغامَيْنِ، وهُو يُقابِلُ هُنا التَّفريعَ بذِكرِ الدُّروعِ، ثُمَّ يَعودُ إلى ذكرِ الضَّيْغمِ، كما عادَ هُنا إلى ذِكرِ العُصبةِ، وهذا جَيِّدٌ وراجعهُ لأنّنا بمثلهِ نضعُ أيدِيَنا على طرائقِ الشُّعراءِ، في بِنَاءِ معانيهم.[15]

– «والاجْتهادُ في الوُصولِ إلى أقَاصي ما تَترامى إليه أضواءُ الدّلالَةِ، أَمرٌ أَوْجبَهُ الدَّرسُ البَلاغيُّ، لأنَّ البَلاغةَ عند الشَّيخِ مُلخَّصةٌ في حُسنِ الدّلالَةِ، وتَمامِها، فيما لهُ كانتْ دلالَةً، والدّلالَةُ تعني طَرِيقةَ الإبانةِ، وهي غَيرُ المَدْلُولِ، وغيرُ الدَّالِّ، وإنَّما هي الإِبانةُ عنِ المعنى بالتَّصْريحِ بَدلَ التَّلويحِ، أو العَكسِ، أو الحَقيقةِ، أو المَجازِ، أو الإيجازِ، إلى آخرِه، أمّا تَمامُها وهو الذي نَقْصِدهُ هُنا فهو أن تَنْغَلَّ أيُّها الدَّارسُ مع المعنى في الشِّعرِ، حيثُ يَنغلُّ، وتَتَغْلَغَلَ معهُ حيثُ يَتغَلْغلُ وتَصعدَ معهُ في سُلَّمهِ الصَّعبِ»[16]

– «…وكلّ هذهِ الجُملِ كنايَات، تُؤَكِّدُ حَقيقةً واحدةً وهي شِدّةُ الحال، وقدْ تفرَّع عنِ الجُملِ التِّسعِ المَعطوفةِ خمْسُ جُملٍ جاءتْ حالًا…وكلُّها تُؤَكِّدُ الجُملَ الّتي تَفرَّعتْ هي عنْها وبهذا صارتْ هذهِ الأبياتُ الثّمانيةُ في طريقةِ بنائِها كَأبْياتِ الصّورةِ السّابقةِ…»[17]

-«وفي القُرآنِ الكَريمِ: « ولا أَدْرَاكُمْ بِهِ» أي ْولا أَعْلَمَكُمْ به، وكَلمةُ رُبَّ معْناها التَّقْليلُ غالِبًا، ولَكنَّ الشّاعرَ أرادَ بها هُنا معْنى الكَثْرةِ، وهي حينَ تَقعُ بمعْنى الكَثْرةِ يَكونُ مَوْقِعُها مَوْقِعًا حَسنًا مُمْتازًا، انْظُر إلى قوْله تَعالى: « رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ» أيْ بَعْدَ رُؤْيَتهِمْ للعَذابِ يومَ القِيامةِ، وهَذهِ الوَدادَةُ أيْ تَمنِّي الإيمانِ مِنْهمْ بعْد رُؤْيةِ العَذابِ أمْرٌ واقِعٌ حَتْمًا، وقَولُه رُبَما يُفيدُ التَّكثيرَ قَطعًا ولَكنَّها أَشارتْ إلى أنَّ أُسْلوبَ الكَلامِ يَجْري عَلى طَريقةٍ لا مُبالغَةَ فِيها ولا تَزيُّدَ، وهَذا أمْكنُ وأوْقعُ وأدْخلُ إلى قَرارِ النَّفسِ وأَنْفذُ…»[18]

-«…قالَ بعْدَ ما ذَكَرَ وَعْيَ الشّاعرِ ببِناءِ قَصيدتهِ وتَصوُّرِ سَوابِقِها ولَواحِقِها تَصوُّرًا واضِحًا وأَحْكمَ ما بيْن هذهِ السّوابقِ، واللّواحقِ منَ المَلاءاتِ، والرَّوابطِ وأنّ الشّاعرَ انْدفعَ بَعْد ذلِك في إبْداعهِ على خُطّةٍ مَدْروسةٍ، وطَريقٍ مُتْقَنٍ…»[19]

-«…الأَمرُ الثّاني هُو ما أشَرْنا إليْهِ مِنْ إقامَةِ الأُسْلوبِ على طَرِيقَةِ التَّخْييلِ…»[20]

-«…ووُصِفَتِ الرِّيحُ القَويَّةُ العاتِيةُ على طَريقَةِ الاسْتِعارةِ التي صارتْ فيها الرّيحُ ذا نَزقٍ…»[21]

-«…وإنّما الخَنْساءُ تَقولُ شِعرًا فَلابُدَّ لها أنْ تَذْكُرَ وتُعَدِّدَ وتُكَرِّرَ والتَّكْرارُ كما قُلنا وَسيلةٌ مَشْروعةٌ في لُغةِ الانْفِعالِ والتَّوتُّرِ لأنَّ لُغةَ الشِّعرِ غَيرُ لُغةِ الأخْبارِ، والقُرآن وهُو المَثلُ الأعْلى يَجري أُسْلوبهُ على هذِه الطَّرِيقَةِ…»[22]

-«…وطَريقَةُ البَيتِ هي طَرِيقَةُ الكِنايةِ التي تَرى فيها التَّراكيبَ تُشيرُ إلى المَعاني مِنْ بَعيدٍ، ولا تُلامِسُها…»[23]

-«…الشّاعرُ يَتَقمَّصُ شَخْصيةَ الدّاعي ويَدْعو دُعاءَهُ ويَمُدُّ في صَوتهِ وهَكذا تَرى اللُّغةَ مطواعةً ومُسخَّرةً أدقَّ ما يَكونُ التَّسْخير ومُسْتَخْدَمةً أحْسنَ ما يَكونُ الاسْتِخدام، وهذه الطَّرِيقَةُ تَجدُها في أدقِّ صُوَرِها»[24]

التعريف اللغوي:

جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة: طرَقَ يَطرُق، طَرْقًا وطُروقًا، فهو طارِق، وطرَق الكلامَ: عرض له وخاض فيه، طرق مجالاً: حاول دخولَه والعملَ فيه. وجاء في لسان العرب: الطَّرِيقُ: السَّبِيلُ، تُذكَّرُ وَتُؤَنَّثُ؛ تَقولُ: الطَّريق الأَعظم والطَّريق العُظْمى، وكَذلِكَ السَّبيلُ، والجَمْعُ أَطْرِقة وطُرُق؛ قَالَ الأَعشى:

فَلَمَّا جَزَمتُ بِهِ قِرْبَتي، /// تَيَمَّمْتُ أَطْرِقَةً أَو خَليفَا

وفي حَديثِ سَبرةَ: أَن الشَّيْطَانَ قَعَد لِابْنِ آدَمَ بأَطْرِقة؛ هي جَمْعُ طَريقٍ على التَّذْكيرِ لأن الطَّريقَ يُذكَّر وَيُؤَنَّثُ، فَجَمْعُهُ على التَّذْكيرِ أَطْرِقة كَرَغيفٍ وأَرْغِفة، وعلى التأْنيث أَطْرُق كَيَمينٍ وأَيْمُن. وقَوْلُهُمْ: بَنو فُلانٍ يَطَؤُهم الطريقُ؛ قالَ سيبَوَيْهِ: إِنما هو عَلى سَعَة الكَلامِ أَي أَهلُ الطَّريقِ، وَقيلَ: الطَّريقُ هُنا السابِلةُ فَعلى هذا لَيْسَ في الكَلامِ حَذْفٌ كما هو في القَوْلِ الأول، والجَمْعُ أَطْرِقة وأطْرِقاء وطُرُق، وطُرُقات جَمْعُ الجَمْعِ؛ وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ لِشاعِرٍ:

يَطَأُ الطَّرِيقُ بُيُوتَهم بِعيَاله، /// والنارُ تَحْجُبُ والوُجوه تُذالُ

فَجَعَلَ الطَّرِيقَ يَطَأُ بِعياله بيوتَهم، وإِنما يَطَأُ بيوتَهم أَهلُ الطَّرِيق. وتَطَرَّقَ إلى الأَمر: ابْتَغى إِليه طَريقاً. والطَّريقُ: ما بَيْنَ السِّكَّتَينِ مِنَ النَّخْل. قالَ أبو حَنيفَةَ: يُقالُ لَهُ بِالفارِسِيَّةِ الرّاشْوان. والطّريقة: السّيرة. وطَريقَةُ الرَّجُلِ: مَذْهبُه. يُقالُ: ما زالَ فُلانٌ على طَريقةٍ واحِدَةٍ أي على حالَةٍ واحِدَةٍ. وفُلانٌ حَسَنُ الطَّريقة، والطَّريقة الحالُ. يُقالُ: هو على طَريقة حسَنة وطَريقة سَيِّئة؛ وأما قَوْلُ لَبيد أنشده شمرٌ:

فإِنْ تُسْهِلوا فالسَّهْل حظِّي وطُرْقَتي، /// وإِنْ تُحْزِنُوا أَرْكَبْ بِهِمْ كلَّ مَرْكبِ

قال: طُرْقَتي عادَتي. وقَوْلُهُ تعالى: «وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ»؛ أَراد لَوِ اسْتَقاموا على طَريقة الهُدى، وقيلَ، على طَريقة الكُفْر، وجاءَتْ مُعَرَّفة بالأَلف واللّامِ على التَّفْخيمِ، كما قالوا العود للمَنْدَل وإِن كَانَ كُلُّ شَجَرَةٍ عوداً. وطَرائقُ الدَّهْرِ: ما هُوَ عَلَيْهِ مِنْ تَقَلُّبه؛ قالَ الرّاعي:

يا عَجَباً للدَّهْرِ شَتّى طَرائِقُهْ، /// ولِلْمَرْءِ يَبْلوه بِما شاءَ خالِقُهْ

كذا أنشدَه سيبويه “يا عَجَبًا” مُنَوَّنًا، وفي بَعْضِ كُتُبِ ابْنِ جِني: يا عَجَبَا، أَراد يا عَجَبي فَقَلَبَ الياءَ أَلفاً لمَدِّ الصَّوْت كَقَوْلِهِ تَعالى: “يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ”. وقوله تَعالى: «وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى»؛ جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ: أَن الطَّريقَةَ الرجالُ الأشرافُ، مَعْناهُ بجَماعَتِكم الأَشراف، والعَرَبُ تَقولُ لِلرَّجُلِ الفاضِلِ: هذا طَريقَةُ قومِه، وطَريقَةُ القَوْمِ أَماثِلُهم وخِيارُهُم، وهؤُلاءِ طَرِيقةُ قومِهم، وإنما تأْويلُه هذا الذي يُبْتَغى أن يَجعلَه قومُه قُدْوةً ويَسْلُكوا طَريقتَه. وطَرائِقُ قومِهم أَيضاً: الرجالُ الأَشراف. وقالَ الزَّجّاجُ: عِنْدي، وَاللَّهُ أَعلم، أن هذا على الحَذْفِ أي ويَذْهَبا بأهْل طَريقَتِكم المُثْلى، كما قالَ تَعالى: «واسْئَلِ القَرْيَةَ»؛ أي أهلَ القَرْيَةِ. والطَّريقَةُ: طَرِيقة الرَّجُلِ. والطَّرِيقة: الخطُّ في الشَّيْءِ. وطَرائِقُ البَيْض: خطُوطُه الَّتِي تُسمَّى الحُبُكَ. وطَريقة الرَّمْلِ والشَّحْم: مَا امتدَّ مِنْهُ. والطَّريقةُ: التي على أعلى الظَّهْرِ. ويُقالُ لِلْخَطِّ الذي يَمْتَدُّ عَلى مَتْن الحِمارِ طَرِيقة، وطَرِيقَةُ المَتْن مَا امتدَّ مِنْهُ؛ قالَ لَبيدٌ يَصِفُ حِمارَ وَحْش:

فأَصْبَح مُمتْدَّ الطَّريقة نافِلًا

قال اللَّيْثُ: كلُّ أُخْدودٍ مِنَ الأرض أو صَنِفَةِ ثَوْب أو شَيْءٍ مُلْزَق بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَهُوَ طَرِيقة، الطَّريقَةُ وجَمْعُها طَرائقُ: نَسيجةٌ تُنْسَجُ مِنْ صوفٍ أَو شَعَر عَرْضُها عَظْمُ الذِّراع أَو أَقلُّ، وطولُها أَربعُ أَذرُع أو ثَماني أَذرُع على قَدْرِ عِظَم البَيْتِ وصِغَره، تُخَيّط فِي مُلتْقى الشِّقاق مِنَ الكِسْر إِلى الكِسْر، وَفِيهَا تكون رؤوس العُمُد، وبَيْنَها وبَيْنَ الطَّرائقِ ألْبادٌ تَكونُ فيها أُنوف العُمُد لئلّا تَخْرِقَ الطَّرائق. وطَرَّقوا بَيْنَهُمْ طَرائِق، والطَّرائق: آخرُ مَا يَبْقى مِنَ عَفْوةِ الكَلإ. والطَّرائقُ: الفِرَقُ. وَقَوْمٌ مَطارِيقُ: رَجّالة، واحِدُهُمْ مُطْرِق، وهو الرّاجِل؛ هذا قَوْلُ أبي عُبَيْدٍ، وهُوَ نادِرٌ إلا أن يَكُونَ مَطارِيق جَمْعَ مِطْراق. والطَّريقة: العُمُد، وكُلُّ عَمُود طَرِيقة. والمُطْرِق: الوَضيع. وتَطارق الشيءُ تَتابَعَ. واطَّرَقت الإِبلُ اطِّراقاً وتَطارقت: تَبِع بعضُها بَعْضًا وجاءَتْ على خُفٍّ واحِدٍ؛ قالَ رُؤْبَةُ:

جاءتْ مَعًا، واطَّرَقَتْ شَتيتا، /// وهيَ تُثير السّاطعَ السِّخْتيتا

يَعْنِي الغُبارَ المُرْتَفِعَ؛ يَقولُ: جاءَتْ مُجتمِعةً وذَهَبَتْ متفرِّقةً وتركَتْ راعِيَها مَشْتوتا ويُقالُ: جاءَتِ الإِبلُ مَطاريقَ يا هذا إذا جاءَ بعضُها في إِثْر بَعْضٍ.[25]

التعريف الاصطلاحي:

الطَّرائقُ الشيءِ: سُبُلُه ومَسالِكُه، ومنه طرائقُ القصيدضة وطَرائقُ النصّ، وهيَ المَعاييرُ التي تَسْلكُها الألْفاظُ والمَعاني في القَصيدةِ حتّى تُؤلِّفَ وحْدةً فنِّيةً يَجري فيها الأُسْلوبُ مَجرى التَّماسُك والتَّرابُط.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] قراءة في الأدب القديم، محمد أبو موسى، المقدمة: ت

[2] نفسه، المقدمة: تـــ /ث

[3] نفسه، ص: 38

[4] نفسه، ص: 186

[5] نفسه، ص:210

[6] نفسه، ص: 228-229

[7] لسان العرب، 10/209-210

[8] قراءة في الأدب القديم، المقدمة: ك

[9] نفسه، المقدمة: ب و ج

[10] نفسه، المقدمة: ق

[11] نفسه، المقدمة: س

[12] نفسه، ص: 29

[13] نفسه، ص: 51

[14] نفسه، ص: 74

[15] نفسه، ص: 82

[16] نفسه، ص: 89-90

[17] نفسه، ص: 178

[18] نفسه، ص: 218

[19] نفسه، ص: 248

[20] نفسه، ص: 267

[21] نفسه، ص: 272

[22] نفسه، ص: 295

[23] نفسه، ص: 306

[24] نفسه، ص: 329

[25] لسان العرب، 10/220-221-222، معجم اللغة العربية المعاصرة،2/1397

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق