مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

«معجم الهيآت والإشارات والرموز في القرآن الكريم من خلال تفسير «التحرير والتنوير» للإمام الطاهر ابن عاشور» (الحلقة الرابعة)

الألف

[1] الاستواء:

من دلالات هذه الهيئة في القرآن الكريم:

1- العظمة: قال الله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) [الأعراف: 54].

ومنه قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه:5]، قال الطاهر ابن عاشور: «وَالِاسْتِوَاءُ: الِاسْتِقْرَارُ […] وَالْعَرْشُ: عَالَمٌ عَظِيمٌ مِنَ الْعَوَالِمِ الْعُلْيَا، فَقِيلَ هُوَ أَعْلَى سَمَاءٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَأَعْظَمُهَا. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيُسَمَّى: الْكُرْسِيُّ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الْكُرْسِيُّ غَيْرُ الْعَرْشِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَذِكْرُ الِاسْتِوَاءِ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ فِي تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَعَةِ سُلْطَانِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى. وَأَمَّا ذِكْرُ الِاسْتِوَاءِ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ عَظَمَةِ اللَّهِ بِعَظَمَةِ أَعْظَمِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلَى الْعُرُوشِ. وَقَدْ عَرَفَ الْعَرَبُ مِنْ أُولَئِكَ مُلُوكَ الْفُرْسِ وَمُلُوكَ الرُّومِ وَكَانَ هَؤُلَاءِ مَضْرِبَ الْأَمْثَالِ عِنْدَهُمْ فِي الْعَظَمَةِ»(1).

[2] الأَخْذُ بِرَأْسِ الرَّجُلِ أو ناصيته:

من دلالات هذه الهيئة في القرآن الكريم:

1- التأنيب: قال تعالى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأعراف: 150]، قال الطاهر بن عاشور: «وَأَمَّا أَخْذُهُ بِرَأْسِ أَخِيهِ هَارُونَ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، أَيْ إِمْسَاكُهُ بِشَعْرِ رَأسه، وَذَلِكَ يولمه، فَذَلِكَ تَأْنِيبٌ لِهَارُونَ عَلَى عَدَمِ أَخْذِهِ بِالشِّدَّةِ عَلَى عَبَدَةِ الْعِجْلِ، وَاقْتِصَارِهِ عَلَى تَغْيِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ»(2)، وهذا شأن المأنب دائما؛ فالأم مثلا إن أرادت تأنيب ولدها على فعل قبيح ارتكبه أو غير ذلك أخذت برأسه وهي لا تقصد إيلامه بالدرجة الأولى بل تقصد تأنيبه.

2- الإذلال: قال الله تعالى: (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ)  [العلق: 15]، قال الطاهر ابن عاشور: «وَالسَّفْعُ: الْقَبْضُ الشَّدِيدُ بِجَذْبٍ. وَالنَّاصِيَةُ مُقَدَّمُ شَعَرِ الرَّأْسِ، وَالْأَخْذُ مِنَ النَّاصِيَةِ أَخْذُ مَنْ لَا يَتْرُكُ لَهُ تَمَكُّنٌ مِنَ الِانْفِلَاتِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ أَخْذِهِ إِلَى الْعَذَابِ، وَفِيهِ إِذْلَالٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقْبِضُونَ عَلَى شَعَرِ رَأْسِ أَحَدٍ إِلَّا لضربه أَو جرّه»(3)، وفي جره وضربه بهذه الطريقة أشد الإذلال والإهانة.

ومنه قوله تعالى: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ) [الرحمن: 41]، أي سيقبضون من نواصيهم إذلالا لهم كما يجر البعير مثلا وفي ذلك أشد الإيلام والتذليل والإهانة خاصة إذا كان المشهد في جمع عام.

1 2الصفحة التالية
Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق