مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

«معجم الهيآت والإشارات والرموز في القرآن الكريم من خلال تفسير «التحرير والتنوير» للإمام الطاهر ابن عاشور» (الحلقة الخامسة عشرة)

الضاد

[32] الضحك: ومن دلالات الضحك في القرآن الكريم:

1- التعجب: قال الله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) [هود: 71]، قال الطاهر ابن عاشور: «وَإِنَّمَا ضَحِكَتِ امْرَأَةُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام مِنْ تَبْشِيرِ الْمَلَائِكَةِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام بِغُلَامٍ، وَكَانَ ضَحِكُهَا ضَحِكَ تَعَجُّبٍ وَاسْتِبْعَادٍ. وَقَدْ وَقَعَ فِي التّوراة فِي الْإِصْحَاح الثَّامِنِ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ «وَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ سَارَّةُ امْرَأَتُكَ؟ فَقَالَ: هَا هِيَ فِي الْخَيْمَةِ. فَقَالُوا: يَكُونُ لِسَارَّةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ، وَكَانَتْ سَارَّةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ فَضَحِكَتْ سَارَّةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ فَقَالَ الربّ: لماذَا ضَحِكَتْ سَارَّةُ؟ فَأَنْكَرَتْ سَارَّةُ قَائِلَةً: لَمْ أَضْحَكْ؛ لِأَنَّهَا خَافَتْ، قَالَ: لَا بَلْ ضَحِكْتِ»»(1).

يقابَلُ التعجب بالضحك كما في هذه الآية، وقد يقابَلُ كذلك باللطم، وكذلك بالبكاء، والضحك هنا لاستبعاد حصول ذلك الأمر والتعجب من وقوعه كما في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا) [النمل: 18- 19]، قال الطاهر ابن عاشور: «وَتَبَسُّمُ سُلَيْمَانَ مِنْ قَوْلِهَا تَبَسُّمُ تَعَجُّبٍ. وَالتَّبَسُّمُ أَضْعَفُ حَالَاتِ الضَّحِكِ، فَقَوْلُهُ: (ضاحِكاً) حَال مؤكدة لـ(فَتَبَسَّمَ). وَضَحِكُ الْأَنْبِيَاءِ التَّبَسُّمُ، كَمَا وَرَدَ فِي صِفَةِ ضَحِكِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنَ التَّبَسُّمِ مِثْلَ بُدُوِّ النَّوَاجِذِ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ صِفَاتِ ضَحِكِهِ. وَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ فَلَا تَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ»(2).

2- الفرح والسرور: قال الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) [عبس: 38- 39]، قال الطاهر ابن عاشور: «(ضاحِكَةٌ) أَيْ: كِنَايَةٌ عَنِ السُّرُورِ»(3)، وذلك جزاء لما فعله أصحاب هذه الوجوه في الدنيا من صالح الأعمال.

3- الاستهزاء: قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ) [المطففين: 29]، قال الطاهر ابن عاشور: «وَمَعْنَى يَضْحَكُونَ مِنْهُمْ: يَضْحَكُونَ مِنْ حَالِهِمْ. فَكَانَ الْمُشْركُونَ لبطرهم يهزأوون بِالْمُؤْمِنِينَ، وَمُعْظَمُهُمْ ضِعَافُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا يَحْصُلُ فِي نَوَادِيهِمْ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِحَالِهِمْ»(4).

[33] ضرب الوجوه والأدبار: ومن دلالات هذه الهيئة في القرآن الكريم:

1- وعيد المرتدين: قال الله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [محمد: 27]، قال الطاهر ابن عاشور: «وَجُمْلَةُ: (يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ)، حَالٌ مِنَ (الْمَلائِكَةُ). وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ: وَعِيدُهُمْ بِهَذِهِ الْمِيتَةِ الْفَظِيعَةِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ لَهُمْ وَجَعَلَ الْمَلَائِكَةَ تَضْرِبُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، أَيْ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي وَقَوْهَا مِنْ ضَرْبِ السَّيْفِ حِينَ فَرُّوا مِنَ الْجِهَادِ، فَإِنَّ الْوُجُوهَ مِمَّا يُقْصَدُ بِالضَّرْبِ بِالسُّيُوفِ عِنْدَ الْقِتَالِ، قَالَ الحَرِيشُ القُرَيْعِيُّ، أَو العَبَّاس بن مِرْدَاس:

نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إِذَا الْتَقَيْنَا*** وُجُوهًا لَا تُعَرَّضُ لِلنِّظَامِ

وَيَضْرِبُونَ أَدْبَارَهُمُ الَّتِي كَانَتْ مَحَلَّ الضَّرْبِ لَوْ قَاتَلُوا، وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ لَوْ قَاتَلُوا لَفَرُّوا فَلَا يَقَعُ الضَّرْبُ إِلَّا فِي أدبارهم»(5)، وفي هذا الضرب بهذه الطريقة تشنيع لهم وإذلال وإهانة، وهذا جزاء المرتدين ووعيدهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- التحرير والتنوير 12/119.

2- التحرير والتنوير 19/243.

3- التحرير والتنوير 30/138.

4- التحرير والتنوير 30/211.

5- التحرير والتنوير 26/118- 119.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق