وحدة الإحياءشذور

مخطوط نادر للعلامة محمد المختار السوسي.. “مترعات الكؤوس في طائفة من أدباء سوس”

اهتم العلامة المختار السوسي بالدراسة الأدبية، ضمن اهتمامه بالدراسة التاريخية عامة معتمدا على منهج الإقليمية، ساعيا إلى الإعداد لكتابة تاريخ المغرب بدقة وشمول، عبر جمع المادة الأولية من أخبار ومعلومات ووثائق وروايات “شرط أن يكون الإطار الجغرافي للبحث في هذه المرحلة الأولية محدودا بحيث لا يتجاوز حدود الإقليم الواحد “[1]. وقد عبر العلامة السوسي عن هذا التصور في مقدمة كتابه “سوس العالمة” حيث قال: “فإنه لو قام من كل ناحية رجال باحثون ببذل الجهود، لتكونت بما سيهيؤنه من التاريخ الخاص لكال ناحية مراجع عظيمة سيتكئ عليها الذين سيتصدرون للتاريخ العام”[2].

ويندرج هذا المشروع في إطار هم جماعي لعدد من المؤلفين المغاربة الذين اشتغلوا بكتابة التاريخ المحلي لجهات المغرب، وكانوا في غالبيتهم منخرطين في الحركة الوطنية، مثل عبد الرحمان بن زيدان، والعباس بن إبراهيم المراكشي، ومحمد ابن سعيد الصديقي، ومحمد بن العباس الكانوني، ومحمد داود، ومحمد بوجندار… وغيرهم، وقد اشتركت كتاباتهم في الإلحاح على وحدة المغرب من خلال إبراز مساهمة كل جهة من جهاته في العلوم العربية الإسلامية وإثبات أن الخصوصيات الإقليمية لم تحل دون التواصل الفكري العميق بين هذه الأقاليم كما أنها لم تكن عاملا من عوامل التنافر بل أساس التكامل والوحدة، وكانت هذه الدراسات وسيلة لمواجهة الفكر الاستعماري التجزيئي الرامي إلى فصل الجهات على أسس عرقية لغوية.

وقد اعتمدت الدراسات المنوغرافية الاستعمارية المنهج نفسه، فنجد أحد أقطابها ميشو بيلير يدعو الطلبة الضباط في سلك دروس الشؤون الأهلية بمعهد الدراسات العليا بالرباط سنة 1923 إلى اعتماد الإقليمية بقوله: “يجب أن نصل عبر تعاون منهجي إلى إنجاز عمل مثل ذلك الذي أنجز في الجزائر من طرف الكومندان ران، ودي بون، وكوبولاني، والكولونيل تومولي، وآخرين. وفي السودان من طرف القبطان المترجم مارتي، ولن يتم ذلك في بضعة أسابيع، ولكن إذا درس كل واحد منا بدقة وعناية منطقته فسيمكننا مجموع كل هذه الدراسات الخاصة من بناء عمل جماعي ذي مردودية أكبر ونفع عظيم للسياسة الأهلية”[3].

وقد استطاع هؤلاء الدارسون تحقيق رغبة أستاذهم ميشو بيلير حيث يحفل أرشيف المصلحة التاريخية التابعة للجيش الفرنسي (Archives du service historique de l’armée) بمدينة فانسن (Vincennes) بعدد هائل من الدراسات التي تكاد تغطي مناطق المغرب، ومنها هناك دراسات أجراها ضابط الشؤون الأهلية على غالب القبائل السوسية تناولت دراسة المجال الجغرافي والأصول العرقية وطرق العيش والمعتقدات والطرق الصوفية والثقافة السائدة إضافة إلى إحصاء المؤسسات العلمية والتعليمية والأسواق والحصون…”[4]. فوفرة الأخبار ودقة النتائج هي التي دفعت أصحاب المنوغرافيات الاستعمارية، كما دفعت رواد الكتابة التاريخية، إلى اعتماد منهج الإقليمية في دراساتهم مع اختلاف الأهداف، فهدف المستعمرين هو دقة المعرفة لأجل سيطرة أفضل، أما هدف الوطنيين فالتعمق في معرفة الذات وإثباتها للصمود أمام حملات التشويه والمسخ والتأويل التي تحفل بها كتابات المستشرقين.

وقد مر مفهوم الإقليمية من حيث تحديده الجغرافي في دراسات رواد الحركة الوطنية بمرحلتين:

الأولى كان فيها التحديد واسعا يشمل المغرب الأقصى كله باعتباره قطرا واحدا من الأقطار العربية الإسلامية وذلك تماشيا مع الفكر الوحدوي الذي كان سائدا بشدة في المرحلة الأولى من هذا القرن، وقد تجلى هذا المفهوم بوضوح في كتاب “النبوغ المغربي في الأدب العربي” للعلامة عبد الله كنون، الذي ظهر عندما “بدأت النهضة العربية الإسلامية تبعث من جديد الطموحات مائلة نحو توحيد هذه البلاد”[5]، إضافة إلى ذلك كان هذا المفهوم ردا على الفكر الاستعماري الذي كان يرمي إلى فصل المغرب عن المشرق وجعلهما من الناحية الفكرية والتاريخية في موقع التنافر لا التلاؤم.

أما الثانية فشهدت تطور مفهوم الإقليمية بتضييق الإطار الجغرافي سعيا إلى عمق الإطلاع ووفرة مصادر المعلومات ودقة النتائج، مع الحفاظ على الإطار السابق هدفا لاحقا، فدراسة تاريخ الجهات يمكننا من الحصول على أسس صحيحة لدراسة تاريخ الوطن كله، مما يؤهلنا في مرحلة لاحقة إلى تقييم مساهمته ضمن البلاد العربية والإسلامية بل ضمن الإنسانية جمعاء. فالإقليمية بهذا المعنى منهج إجرائي يسعى إلى بناء أساس تكاملي وحدوي بالانطلاق من أصغر وحدة في المجتمع الإنساني “الأسرة” عبر وحدات أكبر “المجتمع” “الجهة” “الوطن” إلى “الوحدة القومية الإسلامية” ومنها إلى “المجتمع الإنساني” كله. مما ينفي عن هذا المنهج ما وصم به من كونه عنصريا تجزيئيا، قال العلامة محمد المختار السوسي “..إني من الذين يرون المغرب جزءا لا يتجزأ بل أرى العالم العربي كله من ضفاف الأطلسي إلى ضفاف الرافدين وطنا واحدا بل أرى جميع بلاد الإسلام كتلة متراصة من غرب شمال إفريقيا إلى أندونيسية لا يدين بدين الإسلام الحق من يراها بعين الوطنية الضيقة التي هي من بقايا الاستعمار الغربي في الشرق، بل لو شئت أن أقول ــ ويؤيدني ديني فيما أقول ــ إنني أرى الإنسانية جمعاء أسرة واحدة لا فضل فيها لعربي على عجمي إلا بالتقوى والناس من آدم وآدم من تراب…”[6].

ولعل مرونة الإقليمية وصدق أهداف الآخذين، بها هو ما مكنها من البقاء والتطور وذلك بتبنيها من طرف الباحثين الأكاديميين بالجامعة المغربية خاصة في الدراسات الأدبية والتاريخية والاجتماعية حيث نجد الدكتور عباس الجراري يتخذها وسيلة لدراسة الأدب المغربي، وذلك لما توفره من اعتماد مقومات البيئة ومؤثراتها، قال في كتابه ” الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه” “.. أما الإطار فيتمثل في الإقليمية التي تعتمد البيئة ومقوماتها ومؤثراتها أساسا للدراسة، وأؤكد أنني حين أقول الإقليمية وتأثير البيئة في الأديب لا أنسى الشخصية الذاتية والموهبة الفردية. ولا أعني تضييق الأفق والانحصار في إطار المحلية، ولكني أعتبرها الوسيلة الوحيدة للم شتات الأدب العربي في كل الأقطار التي أبدعته، والوسيلة كذلك للعالمية والإنسانية بل إني أرى أنه كلما قسم نطاق الإقليم في الدراسة إلى بيئات صغيرة كانت دراسة الإقليم مكتملة مستوفاة”[7].

ونجد بول باسكون الباحث في ميدان علم الاجتماع يتبنى أيضا الجهوية عندما اكتشف استحالة التنظير لمجموع مشاكل المجتمع المغربي لقلة المعلومات والمعارف الموجودة فكانت الجهوية وسيلة ناجعة لأجل فهم أفضل للواقع، قال: “….لست أعتقد أنه مازال بالإمكان التنظير لمجموعة مشاكل المجتمع المغربي على مستوى مجموع المساحة الوطنية، لقد أردت استغلال فهم التاريخ الاجتماعي على الصعيد الجهوي، وطرح الإطار التاريخي لتلك المساحة، إلا أنه لا يوجد ما يكفي من تراكم المعارف لطرح المسألة على المستوى الوطني”[8].

هكذا برزت الجهوية في الدراسات الأكاديمية باعتبارها منهجا مرنا ومحيطا بمقومات البيئة وقادرا على تحديد المشكلات والقضايا والإلمام بتفاصيلها لمعالجتها بدقة، بفضل استناده على التحديد المكاني واعتماده على المعلومات الدقيقة.

1. العلامة محمد المختار السوسي ودراسة الأدب العربي بسوس

اهتم العلامة محمد المختار السوسي بالأدب العربي بسوس في سياق اهتمامه بالتاريخ العام للمغرب ولجهة سوس بما تضمن من مظاهر اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، وبهدف إبراز مظاهر الوحدة مع باقي المناطق المغربية.

وقد تنوعت مساهمته في دراسة هذا الأدب وشملت عدة مجالات كالترجمة للأعلام ورصد مصادر الأدب العربي من خزانات وكتب وفهرستها ونشر وتحقيق النصوص والاعتماد على الاختيار والانتخاب وفق مقاييس معينة، إضافة إلى إخضاع تاريخ الأدب لمبدأ التحقيب المعتمد في الدراسة التاريخية للأدب وشملت هذه الخطوات عدة كتب نذكر منها:

أ. المعسول

كتاب موسوعي في عشرين جزءا حاول المؤلف فيه أن يستوفي أخبار الزوايا والمدارس ومؤلفات علمائها وصلحائها والرؤساء القبليين وحروبهم وأسر كل هؤلاء وكل ما يتعلق بها[9] فهو بذلك منجم ثر لدارسي الأدب والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وللأنثروبولوجيين بشكل عام.

وتكمن أهمية الكتاب من الناحية الأدبية في تضمنه تراجم عدد كبير من الشعراء والكتاب وعدد هائل من النصوص الشعرية والنثرية مما يجعله ذخيرة ثمينة لابد أن يتكئ عليها كل من أراد دراسة الأدب العربي في سوس بل الأدب المغربي كله، قال المؤلف: “إنما المقصود جمع المواد لمن سيكتبون وينظمون غدا” [10] وقال أيضا: “.. وأنا لا أزعم في هذا الكتاب إلا أنه مجموعة مهيأة لمن سيستقي منها غدا ما يريد…”[11].

غير أن الكتاب، رغم ما قال مؤلفه فيه، لم يكن جمعا للنصوص الأدبية وتراجم الأعلام فحسب وإنما أسس على رؤية نقدية تاريخية وذوق أدبي متميز كما ضم أيضا نقدا وتقويما لكل الأدباء المترجمين فيه مع الإشارة إلى مكانتهم استنادا إلى الإحاطة بجزئيات حياتهم الشخصية وحيثيات تكوينهم العلمي لوضع البيئة وتأثيرها البارز في الاعتبار.

ب. سوس العالمة[12]

كتاب متوسط الحجم في 251 صفحة وهو بمثابة مقدمة في دراسة الآداب والعلوم العربية بسوس، يتجلى الجانب الأدبي فيه في:

– الحديث عن الأدب وما يتعلق به من علوم، كاللغة والعروض والبلاغة، ضمن العلوم والفنون التي يعتني بها السوسيون من مبتدأ القرن الخامس حتى تاريخ التأليف.

– دراسة الأدب العربي بسوس والتأريخ له باعتماد التحقيب التاريخي.

– اعتبار عامل البيئة في تكوين شخصية الأديب بدراسة الوسط الأسري والعناية بظاهرة الأسر العلمية، واستعراض المدارس العلمية الأصيلة التي تلقن فيها الأدباء محبة الأدب والإشارة إلى الخزائن العلمية التي تحوي كتبا أدبية كان أدباؤنا يهتمون بنسخها ومطالعتها.

– تقديم فهرسة أولية لمؤلفات العلماء والأدباء السوسيين منذ أقدم العصور وحتى زمن التأليف من دواوين وشروح وكتب التراجم والرسائل والمقامات…

ج. الإلغيات[13]

في ثلاثة أجزاء، تشمل مذكرات المؤلف في منفاه بمسقط رأسه بإليغ، وتجلى الاهتمام الأدبي في تلكم الأشعار الوافرة التي ضمتها خاصة المساجات الإخوانية والمناقشات النقدية المنبثقة عن الندوات الأدبية الإلغية التي أحياها العلامة السوسي بعد وروده منفيا.

د. خلال جزولة[14]

  في أربعة أجزاء سجل فيها المؤلف أخبار رحلاته الأربع في نواحي سوس منذ عام 1942 وما عثر عليه خلال ذلك من معلومات جمة متنوعة، تاريخية وجغرافية وفقهية ولغوية، وأدبية تجلت في النصوص النثرية والشعرية الواردة بالكتاب، والإفادات الببلوغرافية حول الأدباء السوسيين ومؤلفاتهم من كتب ودواوين.

هـ. إيليغ قديما وحديثا[15]

كتاب تاريخي مفيد يعتبر قمة الكتابة التاريخية لدى العلامة السوسي، تضمن أخبار إمارة السملاليين بإيليغ. إلى جانب المعلومات التاريخية الغزيرة هناك إشارات ّإلى أدباء من كتاب وشعراء عاشوا في ظل هذه الإمارة أو في المرحلة التي شملها الكتاب وهي تمتد من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر الهجري إضافة إلى رسائلهم وأشعارهم.

و. جوف الفرا

مجموع أدبيات مخطوط جمع المؤلف فيه النصوص الأدبية التي رآها دون مستوى النشر في المؤلفات السابقة اعتمادا على منهج الانتخاب والاختيار حسب الجودة الفنية، وهذه الآثار في اعتقاد العلامة السوسي هامة في دراسة الأدب والتاريخ بالمنطقة ولو أنها لا ترتقي من الناحية الفنية إلى مستوى الأعمال الأدبية الرفيعة. قال عن هذه المجموعة الأدبية “كنت أجعلها كسلة المهملات التي فيها من القصائد ومن الرسائل ما لا يهش له إلا المؤرخون الذين لهم معدة كمعدة النعامة تهضم حتى الحجر والحديد…”[16].

هذه أهم كتابات العلامة السوسي في مجال جمع ودراسة الأدب العربي في سوس وذلك انطلاقا من خطوات منهجية تنوعت ما بين التصنيف التاريخي والاجتماعي، والمختارات الأدبية، الفهرسة ورصد مصادر تاريخ الأدب ثم نشر وتحقيق النصوص، وقد توج العلامة السوسي هذا الجهد العظيم بتصنيف كتاب خاص بالأدباء ضم تراجمهم وأجود إبداعاتهم النثرية والشعرية لإبراز مساهمة أدباء سوس في بناء صرح الأدب المغربي الشامخ، ذلك هو كتاب “مترعات الكؤوس في آثار طائفة من أدباء سوس”.

2. كتاب “مترعات الكؤوس في آثار طائفة من أدباء سوس”

هذا كتاب مخطوط في تراجم أعلام الأدب العربي بسوس منذ القرن العاشر الهجري وحتى زمن التأليف، أورد العلامة السوسي ذكره ضمن مصادر التاريخ والأدب العربي في سوس في كتاب سوس العالمة حيث قال: ” جمعت فيه آثارا من نظم ونثر، لمن وقعت إلي آثارهم، وهو جزء غير كبير… وفي الأدبيات التي بين جنبيه، ما يرفع أحيانا هامة الأدب العربي السوسي إلى عنان السماء”[17] كما أشار إليه ضمن مؤلفاته الأخرى كما في الجزء الثالث من الإلغيات[18] وفي لائحة مؤلفاته الملحقة بكتاب معتقل الصحراء[19] الذي طبع بعد وفاته إضافة إلى إحالات متفرقة إليه في المعسول وغيره.

يقع هذا المخطوط في أزيد من 400 صفحة وقد بني على ذكر أعلام الأدب العربي بسوس ومختارات من آثارهم منذ القرن العاشر الهجري حيث أقدم أديب معروف وهو أبو بكر بن أحمد التصلتي المتوفى عام 977 هـ[20]، غير أن المؤلف لم يجر فيه على منهجه في كتبه الخاصة بالتراجم، من حيث إيراد المعلومات التاريخية الدقيقة، والإشارة إلى الأصل العرقي والأسري وغير ذلك. وإنما اهتم بالآثار الأدبية وعلى اختيار ما دل منها على جودة الإنتاج وروعة الإبداع وبنقدها والإشارة إلى مكانة المترجم في الأدب العربي بسوس مقارنة بغيره من أدباء المنطقة، قال عن ذلك “وهذا الكتاب إنما جعل ليكون صوانا لنخبة آثارهم، لا لتتبع حياة أصحاب الآثار… وما مقصودنا هنا أيضا جمع كل آثارهم لأن ذلك من بعضهم يخرجنا من الإيجاز المطلوب إلى الإسهاب المملول… والمهم الأكيد في هذا الكتاب أن يسد فراغا رأيناه في عرض الأدب العربي المغربي”[21].

وتبعا لذلك شمل الكتاب ترجمة لمائة من أدباء سوس عبر ثلاثة أجزاء منها 43 ترجمة في الجزء الأول و22 في الثاني و35 في الثالث، وقد اجتهد المؤلف في إحصاء أكبر عدد من الأدباء الذين وجدت لهم آثار نثرية أو شعرية، قال في آخر الجزء الثاني ” تم ما أردناه من إيراد ما اتصلنا به من آثار الأدباء السوسيين المتوفين منذ القرن العاشر إلى هذه السنة 1357 هــ ولا ريب عند كل من له أدنى اطلاع أن من ذكرناهم من الخمسة والستين لم يكونوا وحدهم من يمثلون الأدب العربي في سوس منذ أول القرن العاشر حين غرس فيه إلى الآن، لأن هناك كثيرين وصفوا بأنهم أدباء كتاب بارعون أو متوسطون وشعراء مفلقون أو متوسطون ولكن تعوزنا اليوم آثارهم…”[22].

وقبل أن نتطرق لسبب تأليف الكتاب ومنهجه يجدر بنا أن نقف عند عنوانه، فالعنوان مرتبط بفكرة تأليف الكتاب التي خطرت للعلامة السوسي قبل عشرين سنة من إنهاء الجزء الثاني أي سنة 1337 هــ حين ابتدأ فيها، لكن آثار تلك الخطوات الأولى أعفيت ولم يبق دالا عليها سوى هذا العنوان “مترعات الكؤوس في آثار طائفة من أدباء سوس” قال عن ذلك “كانت هذه الفكرة عندي بنت نحو عشرين سنة، وقد كنت سرت فيها خطوات. ولكن من سعدي ومن سعد الأدب العربي المغربي أن موجة علمية حفازة إلى استتمام المعلومات قبل أن يذوي القضيب ويسود الذقن، حالت دون الاستمرار في ذلك، وعندي الآن من تلك الفكرة وخطواتها القديمة آثار تحمل سمتها على السمع. وهذا العنوان المسج الذي أبقيناه كما هو عنوان لما كانت عليه الفكرة منذ العشرين عاما”[23].

كما أن هذا العنوان مرتبط ببيئة المؤلف والأدباء الأريحيين الذين نشأ بينهم نشأته الأولى، حين كانوا يتحينون الفرص لعقد جلسات أخوية حميمة يجتمعون فيها على تعاطي كؤوس الشاي الفائحة بالنباتات العطرية، والأدبيات الطافحة بالأشعار والرسائل والمطالعات في كتب المشارقة والأندلسيين. إن العلامة السوسي في كتابه هذا يحرص على إشراك القراء في تعاطي الكؤوس المترعة ما لذ وطاب من فنون القول نظما ونثرا، من مائدة أساتذته وشيوخه الحافلة، كما يريد أن يحفظ تلك الكؤوس الطيبة مدى الدهر لمن يريد أن يتذوق ما فيها من شراب أدبي رائق.

أ. سبب التأليف

يشير المؤلف إلى دافع التأليف بطريقة غير مباشرة من خلال إبراز ثلاثة أسباب:

– الأول؛ ذكر الأدباء السوسيين في كتاب خاص بهم يجمع أخبارهم وآثارهم باعتبارهم طائفة متميزة في المجتمع السوسي كان لها أثر بالغ في تاريخه وفكره على غرار الطوائف الأخرى من الناس التي ألف حولها العلامة السوسي كالرؤساء والفقهاء والمتصوفة وذلك في كتبه “الرؤساء السوسيون” “رجالات العلم العربي في سوس” “منية المتطلعين إلى من في الزاوية الإلغية من المنقطعين” “الصالحون المتبرك بهم في سوس أخيرا” و”الثوار السوسيون”[24] وقد تميز الأدباء عن غيرهم باهتمامهم بالعلم واللغة العربية بل تجاوزوا إتقان اللغة وعلومها والعلوم الشرعية التي كانت الحاجة إليها ماسة في منطقتهم وتعالوا إلى سماوات الإبداع فيها، ولعل المؤلف كان يؤدي بهذا الكتاب حقا لأساتذته الذين لقنوه تعاطي الأدب ومحبته وهذا ما يظهر من قوله في المقدمة “طالما خببت أيها البراع حول الفقهاء والرؤساء السوسيين ووضعت وأقبلت في الإشادة بهم وترصيف تراجمهم وأدبرت، وقد آن لك أن تؤدي ما عليك من حقوق واجبة للأدب وأهله. وأن تشيد على حدة بالأدباء الذين ما عليك إلا فضلهم”[25].

– الثاني؛ الإشادة بأدباء سوس ومكانتهم الرفيعة في الأدب العربي بالمغرب وبأنهم كانوا دائما يحاورون أدباء المناطق الأخرى ويماثلونهم وقد أشار المؤلف إلى ذلك في مقدمة كتابه واضعا إزاء كل أديب مشهور من أدباء الحواضر من يماثله من أدباء سوس الكبار قال: “هناك بسوس في الجنوب المغربي أيضا أدباء يماشون أدباء الحواضر المغربية قدما بقدم منذ قرون فيتقوى أدبهم بتقوي الأدب المغربي ويضؤل بضؤولته. فهناك سعيد الحامدي ومحمد بن عيسى التملي والنابغة الهوزالي يكافئون عبد العزيز الفشتالي وعلي بن منصور الشياضمي ومحمد بن عمر الشاوي وهناك محمد الزدوتي وإبراهيم السكتاني ومحمد الإيلالني ومحمد الرسموكي يمالئون عبد الواحد البوعناني أديب فاس وأبا حفص الفاسي وعمر الوقاش التطواني. وهناك محمد ابن صالح الروداني وأبو زيد الجشتيمي والكنسوسي يماثلون عبد القادر بن شقرون وحمدون بن الحاج ومحمد بن ادريس. وهناك أحمد الجشتيمي وابن العربي الأدوزي يسامتان ابن خالد الناصري ومحمد بن إدريس. وهناك أحمد الجشتيمي وابن العربي الأدوزي يسامتان ابن خالد الناصري ومحمد بن ناصر حركات، وهناك أخيرا الطاهر الإفراني وعلي الإلغي ومحمد بن مسعود يماتنون أبا زيد النقيب والناصري والشاعر المطبوع.

وهناك عبد الرحمان البوزكارني وأحمد اليزيدي والحامدي يساوون غريط والجزولي والبكاري، وهناك من أصحاب الفكرة الجديدة في الأدب من الناشئة الحسن البونعماني والحسن التناني وابراهيم الإلغي يجارون علال والحجوي وشاعر الحمراء في ميادينهم، هكذا سارت سوس دائما في القافلة يندمج أدباؤها في كل عصر بين أدباء المغرب فهم يمثلون جزءا من النبوغ المغربي في الأدب العربي منذ قرون'”[26].

– الثالث؛ الاستدراك على كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي للعلامة عبد الله كنون الذي ألف تاريخه الأدبي هذا ” لبيان اللبنة التي وضعها المغرب في صرح الأدب العربي الذي تعاونت على بنائه أقطار العروبة كلها…”[27] وقد أورد العلامة كنون مختارات أدبية للمغاربة غير أنه أهمل مساهمة أدباء سوس في بناء صرح الأدب المغربي ومن ثم رأى السوسي أنه من الواجب إبراز هذه المساهمة، قال: “…والمهم الأكيد في هذا الكتاب أن يسد فراغا رأيناه في عرض الأدب العربي بالمغرب كثلمة كبيرة في جدار متراص يتمشى معه ببصره من يريد أن يرى النبوغ المغربي في الأدب العربي حتى إذا وصل ذلك المجهول الذي يسود في عينيه يقف متحيرا يراري بعينه لو كان ذلك ينفعه وعند كنون الذي هو جهينة هذا البحث الخبر اليقين، ولا ريب أن سد هذه الثلمة الشائنة فرض واجب ملقى على كواهل أحد السوسيين”[28]. ويعزز هذا كون المؤلف انتهى من الجزء الثاني من الكتاب عام 1357 هــ أي في السنة نفسها التي صدر فيها كتاب النبوغ في طبعته الأولى[29].

فكتاب المترعات تكملة لكتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي وسد لثغرة كبيرة فيه حين أهمل ذكر بعض مناطق المغرب واستعراض مساهمتها ومنها سوس، فإذا كان الأستاذ العلامة عبد الله كنون ألف كتابه نتيجة شعوره بالغبن والحيف الذي لحق المغرب من تآليف المشارقة حين أهملوا ذكر أدبائه وإبراز مساهمته في بناء صرح الأدب العربي[30] فإن محمد المختار السوسي كتب المترعات نتيجة شعوره بما لحق سوس من المؤلفين المغاربة حين تنكبوا ذكره والإشادة بمشاركته في وضع أسس التاريخ المغربي العام. وينسجم هذا الموقف مع موقف رواد الحركة الوطنية الذين اتخذوا الإقليمية منهجا لدراسة التاريخ في إجماعهم على ضرورة الانطلاق من التاريخ الجهوي، والأدب ضمنه، للوصول إلى تاريخ عام دقيق وشامل.

ب. منهج الكتاب

يندرج تأليف كتاب مترعات الكؤوس ضمن منهج العلامة السوسي في التأريخ العام الذي تجلى في كتاباته العديدة انطلاقا من تراجم الأعلام. والعلم في تقديره من تميز بشيء من المعرفة العلمية والأدبية أو الصوفية عن أبناء مجتمعه، وتبعا لذلك خص العلامة السوسي الأدباء بهذا الكتاب فترجم لهم مركزا على الجوانب الأدبية لشخصياتهم كالأصل والنشأة ومرحلة الدراسة، خاصة المتعلقة بدراسة الأدب والشيوخ المدرسين له ثم استعراض الآثار الأدبية مع الإشارة إلى مبلغ المترجم من الأدب ومرتبته من الإبداع وإلى صفاته الفنية بشكل انطباعي مختصر، ومثال ذلك قوله في الترجمة السادسة عشرة للأديب ابراهيم بن أحمد السكتاني: “….بلبل صداح في رياض الأدب وكأس مشعشعة تسلب النهى بحببها ثم تأتي أخيرا على ما تبقى في النهي من الشعور، أخذ بفاس ثم خالط الناس أرباب الصولجان وأرباب اليراع فزالت بذلك عن عينه غشاوة الإكبار فاستقام جرأة سابغة ترتد عنها السمهريات متشققة شظايا. مع معارف زاحم بها الفقهاء وعلماء كل فن، فكان بحاثة مقداما..”[31] وكقوله في ترجمة عبد الرحمان بن عبد الله الجشتمي أكبر أديب في سوس في أواسط القرن الماضي، وأعظم معتن بالأدب وأهله ونساخة الأدبيات، حتى كان مجدد الأدب العربي بسوس، وأريحيته غريبة مع نباهة شأن ونبل أسرة، وتضلع عظيم في العلوم، وصوغ في النثر مستجاد وأقوال مقبولة في الشعر، وخصال حميدة في الورع والترفع عن سفاسف الأمور، ودنايا الطمع وراء النوازل الفقهية، تهذب بأكابر أجلهم أحمد الهوزيوي شيخ الجماعة[32].

هكذا ترجم العلامة محمد المختار السوسي في المترعات لمائة من الأدباء السوسيين خلال خمسة قرون وذلك في أجزاء الكتاب الثلاثة، وقد بدأ الجزء الأول بتراجم أدباء القرن العاشر الهجري وأولهم أبو بكر بن أحمد التصولتي التملي (ت 977 هــ) ثم محمد بن عيسى التملي (ت 990 هــ) وهم من أدباء عصر السعديين، مرورا بأدباء القرن الحادي عشر الهجري حيث تقف تراجم النسخة التي بين أيدينا عند أحمد بن منصور صاحب الترجمة الواحدة والعشرين لتستأنف عند الترجمة الواحدة والخمسين لمحمد بن بلقاسم اليزيدي في أوائل القرن الرابع عشر (ت 1315 هـ) أ] بسقوط ثلاثين ترجمة تغطي القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين ثم تتواصل تراجم الأدباء الذين عاشوا في الرابع عشر حتى التاسعة والسبعين عند الأديب أحمد بن محمد اليزيدي، وتضيف نسخة المؤلف الخطية المبتورة ترجمتين لكل من محمد ابن محمد التملي (الترجمة الرابعة والثمانون) وأحمد بن سعيد الإكماري (الترجمة السابعة والثمانون) ومما يؤسف له كون البتر قد لحق حوالي نصف الكتاب (ثمانية وأربعين ترجمة) من ضمنها تراجم أدباء لا نجد لهم ذكرا ولا آثارا فيما سواه خاصة أدباء القرنين العاشر والحادي عشر والثاني عشر، ومن أمثال هؤلاء بعض من ذكرهم الحسن البونعماني في رسالته إلى العلامة السوسي كالروداني والودريمي والكرسيفي[33] ممن لا نجد لهم ذكرا في النسخة التي بين أيدينا أو بعض المعروفين بإبداعاتهم الأدبية كعبد الرحمان التمنارتي صاحب الفوائد الجمة وأحمد الهوزيوي ومحمد بن صالح الروداني…

أما منهج العلامة السوسي في تناول التراجم واختيار الإبداعات فاعتمد على الخطوات التالية:

  • الاهتمام بتحديد اسم الأديب وعصره ومكانته من العلوم دون الإفاضة في ذلك مع التركيز على جانب الأدب والنشأة الأدبية ومحاولة تكوين رأي نقدي حول إبداعه، قال: “إنما جعل –الكتاب- ليكون صوانا لنخبة آثارهم لا لتتبع حياة أصحاب الآثار، فإن لذلك كتابا آخر حاويا بين ما يضمنه من ذلك ما سمن وهزل ودب في الأدب أو درج[34]، وما مقصودنا هنا أيضا جمع كل آثارهم… وهذا الجمع لكونه أيضا ذا أهمية فإن هناك مجموعا آخر تكفل به وعلى الله التكلان في أن يكون مستوعبا”[35].
  • العناية بانتخاب واختيار الآثار الأدبية النثرية والشعرية للأدباء المترجمين حتى تكون من الجودة بحيث تثبت مكانة الأديب الحقيقية ومقدرته الإبداعية ولتأكد حقيقة وجود أدب عربي فصيح راق في منطقة سوس، وبهذا يكون منهج الانتخاب وسيلة للدفاع عن الوجود وإثبات الذات ” ففي الوقت الذي تشعر فيه ثقافة بأنها مهددة، فإنها تتهيأ للبقاء بالتلخيص والاختيار إنها وسيلة للدفاع، وبهذا يتقلص الأدب إلى النافع والمفيد، فتظهر المنتقيات الأدبية والمجامع المختارة”[36] وقد تجلى هذا بوضوح عند العلامة السوسي الذي كان لا يدرج بمؤلفاته عامة إلا ما ارتضاه ذوقه الأدبي من إبداعات انسجاما مع نظرته النقدية التي تتجه إلى: “الإشادة بالمحاسن وإبرازها في أجلى مظاهرها….”[37] وإن كان لم يفرط، بدافع من حسه التاريخية، في الآثار الأدبية التي عدت من سقط المتاع بركاكة تعبيرها وهلهلة نسجها بل جعلها مادة كتاب مستقل هو المجموعة الأدبية “جوف الفرا”.

وإذا كان الأدباء الأقدمون الذي ألفوا المنتخبات والمختارات الأدبية قد وجدوا أمامهم ركاما أدبيا سمح لهم بالاختيار وفق منهج جمالي صارم بحيث اختاروا أجود النصوص وأكثرها إبداعا، فإن العلامة السوسي لقي مشقة في الاختيار بسبب قلة النصوص المتوفرة وعدم تمثيلها المكانة الحقيقية للأديب الذي قد يذكر في كتب التاريخ بجودة الإبداع غير أن المؤلف لا يجد له ما يدل على ذلك مثل الأديب أبي بكر بن أحمد التصلتي التملي المشهور بشرح مقصورة المكودي[38] الذي لم يوجد له سوى أثر واحد عقب عليه السوسي بقوله: “…ذلك الأثر الوحيد الذي وقفنا عليه من آثار هذا الأديب حتى شرحه للمقصورة لم نقف عليه إلى الآن، ويعلم الله كيف كان الرجل فضلا وأدبا ونباههة…”[39].

فقلة المواد وندرة النصوص حالت دون الارتقاء بعمل الانتخاب إلى الذروة، فهناك أدباء ومشاهير في التاريخ لم يوجد لهم من الإبداعات ما يدل على نبوغهم، وهناك آخرون غير مذكورين ظهرت لهم إبداعات غاية في الجودة، وقد نتج عن كل هذا تحكم وجود النصوص أو عدمها في الاختيار وفي كثرة المختارات وقلتها، قال العلامة السوسي: “… غير أن المقام ليس بسهل لعدم توفر المواد فإن بعض الآباء السوسيين المتقدمين لم نظفر لهم بما يثلج الصدر وتظهر به مكانتهم الأدبية المذكورة لهم في التاريخ وليس تحت يدنا إلا نتف ضئيلة إما نثرا أو شعرا أو هما معا أحيانا، وأحيانا لا نجد من آثار الأديب قلامة ظفر فنمر باسمه مر الكرام…”[40].

ونتيجة لما مر تفاوت حجم التراجم في كتاب المرعات طولا وقصرا فهناك تراجم لا تكاد  تستغرق الصفحة أو الصفحتين، خاصة في العصر السعدي وأوائل العهد العلوي[41]، وقد ضمنها الجزء الأول وهي ثلاث وأربعون ترجمة في ثمانين صفحة فقط، بينما تمتد تراجم الأدباء القريبين من عصر المؤلف على عشرات الصفحات[42].

  • عرض المؤلف النصوص الأدبية الدالة على مكانة الأدباء المترجمين نثرا كانت أم شعرا موردا ما يظهر نبوغ المترجم وإجادته في كل الأغراض التي تناولها… معتمدا على مبدأ الاختيار والانتخاب متساهلا في المقاييس المنهجية المعتمدة، تبعا لوفرة المادة أو قلتها، وهي التمثيلية والجودة الفنية وأثر البيئة[43].
  • التمثيلية: أي الاهتمام بالإبداعات التي تمثل إنتاج الأديب ومستواه الفني، وبسبب ندرة النصوص لزم المؤلف الاعتماد على النص الواحد أو النصين، وإلى ذلك أشار في ترجمة الطاهر بن المدني الناصري، بقوله: “….هذا كل ما حضر عندي من آثار هذا الشاب، وقد منعنا الدهر أن نستمد من أهله الذين يجيبوننا بسرعة… فاخترنا أن نبض بقطرة عنه، تكون كعدسة المجهر وقد تتراءى بها على صغرها الأجرام الضخمة من السماوات والأرضين”[44].
  • الجودة الفنية: وهي الشرط الأساس للاختيار غير أنها مثل التمثيلية محكومة بقلة النصوص، حيث لا يجد المؤلف المجال واسعا للنقد والموازنة لإبراز الجودة الفنية، فيعترف بوجود نصوص كثيرة في ثنايا كتابه ليست بتلك الإجادة المطلوبة، قال: “فلا يحسبن القارئ أننا نشيد بكل ما في هذا المجموع من منظوم ومنثور، فلسنا والحمد لله من أهل الغباوة حتى نحسب الجمرة تمرة والقضة فضة”[45].
  • أثر البيئة: البيئة مقياس نقدي هام لدى المؤلف يدعو الناقد والمطلع على الكتاب إلى استحضاره حتى يتم إنصاف الأدباء المترجمين وإبداعاتهم، فبيئة السوسيين الأمازيغ غير بيئة الحضريين الناشئين في الأوساط العربية، فالنظر إلى هذا الأدب ونقده يجب أن يكون باستحضار أثر البيئة البدوية وطرق تعلم اللغة العربية والأدب العربي حتى لا يكون الحكم مجحفا، قال عن ذلك: “إن ابن اليوم يجب عليه أن لا ينظر إلى آثار الأدباء نظرته إلى آثار أدباء فإن في ذلك إجحافا وإخلالا عظيما ربما يهدم هذا العمل كله من أساسه، بل الواجب أن ينظر إلى ذلك نظر المؤرخ الذي يزن أدب كل عصر ببيئة ذلك العصر، لأن لون الأدب كاللباس يتغير بتغير الأذواق والبيئة”[46].
  • ويلح العلامة محمد المختار السوسي دائما على هذا المقياس البيئي ويقف مدافعا عن الأدباء السوسيين مبرزا أثر البيئة في أدبهم وفي ضوابط إبداعه وطرق تلقيه، فيقول آخر الجزء الثاني ” ثم لم يبق لي إلا كلمة إن لم تكن في ذهن بعض من يطالعون هذا الكتاب، فإنه يتأفف إن وصل من كانوا عاشوا في هذا الجيل ثم درجوا أخيرا، لأنه يصب عليهم جام غضبه حين لا يزالون عاضين على النواجذ على ما يزعم أنه أدب أمشاج، كمومياء لا روح فيه إلا المحاكاة وإلقاء الألفاظ في بحور العروض بتصريف أو بلا تصريف. ويقول قد كنا نقرأ ذلك لمن عاشوا في عصور لا تعرف إلا ذلك.. وأما من عاش في هذا العصر الذي انبعثت فيه الآداب العربية كما هي في عصرها الذهبي العباسي، وصرخت بصرخاتها الصارخة، حتى ارتجت بها المسامع وتهاوت بها من الأدب المهلهل الفقاقيع.. ومن عاش في عصر هذا أدبه المتواطأ عليه، ثم لا يزال يغمض عينيه وينكر الشمس، وينسج بخيوط العنكبوت، فإنه لا يستحق إلا أن يرفس من قراء هذا العصر الحاضر بركلة يتدحرج بها إلى الدرك الأسفل.. ذلك بلا ارتياب ما سيقوله بعض القراء الحاذقين أو المتحذلقين أو جلهم ولكنني… أقول: إن أهل تلك الناحية لا يزالون بعيدين من عذاب تأنيبك لأن البعثة إلى الآن لا تزال شرعتها متوقفة دونهم أو لم تحفظ قوله تعالى: ” وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا”(الإسراء: 15) فليلحقوا بأصحاب الفترة كلهم أجمعون.. إلا ما كان من خمسة منهم كانوا هاجروا فمثلوا دور أبي ذر. وأما ما عدا الخمسة ممن كانوا يعيشون منذ ربع قرن فلا يزالون بعيدين عن تأثير روح شوقي وحافظ والزهاوي والرافعي والرصافي والمنفلوطي في الآداب العربية اليوم. والواجب أن يقابل كل من في تلك الجهة الدارجين منهم والأحياء بشكر جزيل على محافظتهم على الأدب العربي من حيث هو أدب عربي…”[47].

ج. نسخ الكتاب

انتهى المؤلف، في كتابة الجزء الثاني من المترعات، إلى سنة 1357 هـ، فهو يضم تراجم الأدباء المتوفين إلى غاية هذه السنة[48] ثم حرر بعد ذلك الجزء الثالث الذي ضم الأدباء الأحياء، ولا نعرف متى انتهى منه بسبب البتر الذي أصاب النسخ التي بين أيدينا إلا أنه ذكر في كتابه ” سوس العالمة” المطبوع سنة 1380 هــ أنه لما يخرج المترعات والمقصود بالتخريج الإعداد للطبع بالرقن على الآلة الكاتبة فالكتاب تم في هذا التاريخ ولم يبق سوى إعداده للطبع[49]. كما أنه أرسل نسخة منه إلى ابن خالته وصديقه الشاعر الأديب الحسن البونعماني الذي رد عليه برسالة كلها تقريظ وإطراء، قال فيها: “… وصل كتابك مترعات الكؤوس، فسقانا من مختوم رحيقه، وأثار منا كل كامن… قرأت الكتاب من أوله إلى آخره فرأيت العصر السعدي كيف كان يتدفق علما وأدبا وبلاغة، وبلاد سوس حيث التزرولتي التملي وجحافله، وحيث الشيخ التمنارتي وترسيله العجيب، وداود الدغوغي الوجاني، ومعركة واد المخازن التي حازت من الوصف ما لا مزيد عليه، والنابغة ورائيته الفائقة… ورأيت بودميعة وما رأيت فيه من الروائع حيث أحمد الرسموكي وممدوحه… ودخلت إلى عهد حامل راية الأدب ورب السيف والقلم محمد العالم، ورأيت ما فاز به من الخلود، حيث محمد الرسموكي وزملاؤه السكتاني الإيلالني، الزدوتي.. ثم إلى الجزء الثالث من المترعات فوجدت عند الروداني براعة في قرض الشعر، وأخذ مني كل مأخذ ما رأيت للورديمي موسى في عبدونيته، وسحرني وحقك ما دبجه الكرسيفي، وكيف لا يسحرني؟ إن لم يكن في الجزء الرابع إلا ترجمته ورده لكفى ذلك…”[50].

كما تمكن بعض أصدقاء المؤلف من انتساخ نسخ بإذن المؤلف[51] مما يدل على وجود عدة نسخ وقفنا منها على:

  • نسخة المؤلف الخطية أو على الأصح ما تبقى منها وهو بعض الجزء الثالث سلمني مشكورا نسخة منها ابن أخ المؤلف الأستاذ عبد الله الدرقاوي، وقد كتبت في سجل متوسط بخط المؤلف وعليها طرر وفيها تعديلات كثيرة وقد بترت صفحات كثيرة منها بسبب إقدام من كلفوا برقنها على نزع الصفحات من السجل تسهيلا لعملهم[52]، وهكذا لم تتبق بالسجل سوى أربعين صفحة تضم تراجم خمسة أدباء هم محمد بن الطاهر الإفراني وأحمد التاجرمونتي والحسن بن محمد الكسالي ومحمد بن محمد التملي وأحمد بن سعيد الإكماري، إضافة إلى بعض الخاتمة[53].
  • نسخة الفقيه علي بن الطاهر المحجوبي الرسموكي، انتسخها من نسخة المؤلف على ما يظهر إذ لا تضم معلومات عن ناسخها ولا التاريخ لما أصابها من بتر. تقع 391 صفحة شملت ثلاثة أجزاء يقع الجزء الأول في 73 صفحة والثاني في 159 صفحة والثالث في 154 صفحة ويتفاوت عدد أسطر الصفحات كما يختلف حجم الخط وقد سقطت ثلاثون ترجمة من الأول[54]، وواحد وعشرون من الثالث[55]، كما أن هناك تكرارا لبعض التراجم وتتميز هذه النسخة بوجود هوامش وحواشي في الصفحات منها ما هو من المؤلف وما هو لغيره وقد حرص الناس على نسبة حواشي وهوامش المؤلف إليه[56]. وهذه النسخة هي المنتشرة بين أيدي الباحثين وتوجد منها نسخة مجلدة بالخزانة الملكية بالرباط تحت رقم 12647، وردت عليها بتاريخ 28 شعبان 1402 هــ موافق 21 يونيو 1982[57].
  • نسخة المؤلف المرقونة المخرجة المعدة للطبع تامة كاملة تقع في 624 صفحة من القطع المتوسط محفوظة لدى ورثة المؤلف حسبما أشار إلى ذلك العلامة محمد المنوني[58].

د. أهمية الكتاب

تتجلى أهمية كتاب المترعات في أمرين اثنين:

– كونه كتابا أدبيا جامعا لتراجم مائة من الأدباء السوسيين الكبار، أولئك الذين اعتبرهم المؤلف أعظم أدباء هذه الجهة خلال خمسة قرون، ففي الكتاب اهتمام بآثار الأدباء، لحرص المؤلف على إيراد المنثورات والأشعار الرفيعة التي تزكي اختيار الأدباء ولإبراز مكانتهم بتوفير أكبر قدر من الآثار والإبداعات متجنبا الإطناب في جوانب حياتهم الشخصية وبسط تاريخ حياتهم. فالتراجم قصيرة مختصرة هي أشبه باللمحات السريعة منها بالتراجم المفصلة التي نراها مبسوطة في كتب المؤلف الأخرى خاصة “المعسول” بينما تأخذ المختارات الأدبية الحظ الأوفر نثرا وشعرا، وقد توفرت تبعا لذلك في الكتاب نصوص نادرة لا نجدها في غيره…

– كونه مبنيا على نظرة نقدية أساسها مبدأ الاختيار والانتخاب على أساس مقياسي التمثيلية والجودة الفنية مع أخذ أثر البيئة وطرق الإبداع والتلقي بعين الاعتبار حتى لا يقاس إبداع بعض هؤلاء الأدباء بما يجحف به إذا قورن بإبداع المعاصرين أو إذا درس بنظرة الاتجاهات النقدية المعاصرة التي لا تنظر إلا إلى الجودة الفنية بعيدا عن أي اعتبارات تاريخية أو ثقافية أو اجتماعية. وقد بسط العلامة السوسي رأيه هذا في خاتمة الجزء الثاني من الكتاب ونشر هذه الخاتمة في آخر الجزء العشرين من كتاب المعسول[59].

– احتواؤه على كثير من النصوص الأدبية والشعرية النادرة التي لا توجد في غيره والتي تعتبر وثائق هامة يعتمد عليها المؤرخون في فهم وتفسير كثير من الأحداث التي شهدها المغرب في مراحله التاريخية باعتبار الأدب سجلا للحياة والمجتمع، كما أن هذه النصوص تبرز سمات الأدب العربي في سوس من حيث غناه وتنوع مجالاته وأغراضه وسمو بيانه وبلاغته ومسايرته للحياة العامة والخاصة مما يمكن دارس الأدب العربي في المغرب عامة من تكوين رأي نقدي موضوعي حول هذا الأدب بناء على معطيات علمية دقيقة.

من خلال كل ذلك تظهر أهمية كتاب “مترعات الكؤوس…” أسوة بغيره من مؤلفات العلامة محمد المختار السوسي باعتباره لبنة هامة في بناء تاريخ الأدب العربي في المغرب إذا وضع إلى جانب الكتب التي ألفت خلال النصف الأول من القرن العشرين مثل “النبوغ المغربي في الأدب العربي” لعبد كنون و”الأدب العربي في المغرب الأقصى” لمحمد بن العباس القباج و”الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى” لمحمد بن تاويت[60] وغيرها، مما يجعله جديرا باهتمام ينصب على تحقيقه وضبطه اعتمادا على النسخة التامة الكاملة التي أعدها المؤلف للطبع، ووضع هوامش وفهارس تعين الباحثين على الاستعانة به في إغناء بحوثهم ودراساتهم عن الأدب المغربي، حتى يستطيعوا تبين مساهمة العلامة السوسي في خدمة تاريخ الأدب العربي في المغرب عامة، والتي تتجلى في جمع النصوص الشعرية والنثرية، وانتخاب الجيد منها وتحقيقه وتصحيحه، والموازنة بين المنتخبات ونقدها، كل ذلك وفق رؤيا نقدية عميقة وواعية بعوامل الإبداع والتلقي لتلك النصوص في بيئاتها الخاصة.

الهوامش

[1]. علي المحمدي، مشروع إعادة كتابة تاريخ المغرب في تصور محمد المختار السوسي، ضمن ندوة: محمد المختار السوسي الذاكرة المستعادة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1986، ص84.

[2]. محمد المختار السوسي –سوس العالمة، مطبعة بنشرة الدار البيضاء، ط2، 1984 ص: أ، ب، ج.

George Drague, Esquisse d’Histoire Religieuse du Maroc, Paris, 1951, P3.[3]

  1. انظر فهرس مراجع كتاب: Le Maroc Saharien des Origines A 1670 لمؤلفته Jaques-meunie, Librairie Klincksieck, 1982, p.892.
  2. أحمد الشايب، نص حوار مع العلامة عبد الله كنون، ضمن الدراسة الأدبية بالمغرب، الأستاذ عبد الله كنون نموذجا، منشورات مدرسة الملك فهد للترجمة، طنجة 1991، ص 341، ويقصد البلاد العربية.

[6]. سوس العالمة، ص.ج.

[7]. الدكتور عباس الجراري، الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، ص8، وانظر كذلك الفكر والوحدة للمؤلف نفسه 1984، ص160-163. ومقال “مشروع كتابة التاريخ الوطني الأدبي في أعمال الدكتور عباس الجراري إشكالية التنظير وأبعاد الممارسة” للأستاذ محمد البوري ضمن كتاب زهر الآس في فضائل العباس، ج1، ص81.

[8]. بول باسكون، نص حوار أجرته معه زكية داود 1978، ترجمة مصطفى المسناوي، مجلة بيت الحكمة، العدد 3، أكتوبر 1986، ص18.

[9]. المعسول، ج1، ص7.

[10]. سوس العالمة، ص4.

[11]. المصدر السابق، ص8.

[12]. طبع بمطبعة فضالة عام 1320-1960، ثم صدر في طبعة ثانية مصورة بالأوفسيط عن الأولى عام 1404-1984.

[13]. طبعت بمطبعة النجاح بالدار البيضاء 1383-1963.

[14]. صدرت عن المطبعة المهدية بتطوان (د. ت).

[15]. صدر محققا بعناية محمد بن عبد الله الروداني عن المطبعة الملكية بالرباط 1966.

[16]. سوس العالمة، ص224.

[17]. عند رقم 66، ص223.

[18]. ص216.

[19]. ص248.

[20]. مترعات الكؤوس في آثار طائفة من أدباء سوس، ص3.

[21]. المصدر نفسه، ص236.

[22]. المرجع نفسه.

[23]. المرجع نفسه، ص237، انظر حول عنوان كتاب المعسول أحمد التوفيق، التاريخ في الزمن المعسول ضمن محمد المختار السوسي، الذاكرة المستعادة ص71.

[24]. انظر لائحة كتب العلامة السوسي في كتاب معتقل الصحراء، مطبعة الساحل الرباط 1982، ص248.

[25]. المصدر السابق، ص23.

[26]. المصدر نفسه، ص1-2.

[27]. عبد الله كنون، النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتاب اللبناني، بيروت لبنان، الطبعة 3، 1395-1975، ص13.

[28]. المصدر السابق، ص236-237.

[29]. انظر مترعات الكؤوس، ص236 والدراسة الأدبية بالمغرب عبد كنون نموذجا، ص 51.

[30]. مصطفى الشليح، أحمد السليماني، بوشتى السكيوي، محمد المختار السوسي ضمن سلسلة أعلام المغرب نشر مؤسسة أونا 1996، ص10-11.

[31]. مترعات الكؤوس، ص46

[32]. المصدر نفسه، ص392.

[33]. انظر الرسالة في مايلي من العرض.

[34]. هو كتاب جوف الفرا المخطوط، انظر حوله سوس العالمة، ص223.

[35]. مترعات الكؤوس، ص236، والكتاب المقصود هو المعسول.

[36]. أحمد الشايب، الدراسة الأدبية بالمغرب، ص113.

[37]. محمد خليل، المختار السوسي، دراسة لشخصيته وشعره، ط1، مؤسسة بنشرة الدار البيضاء، 1406-1985، ص253.

[38]. التصولتي بصاد مشمومة زايا وعادة ما تكتب الصاد بنقطة في الوسط، مترعات الكؤوس، ص4.

[39]. المصدر نفسه، ص236.

[40]. مثل ترجمة التصولتي، وترجمة محمد بن عيسى التملي في المترعات، ص4.

[41]. مثل ترجمة الطاهر الإفراني التي استغرقت سبعا وأربعين صفحة، انظر المترعات، ص247.

[42]. انظر من ص1 حتى ص 74.

[43]. انظر هذه المقاييس عند عبد الله كنون في الدراسة الأدبية بالمغرب، ص115.

[44]. مترعات الكؤوس، ص203.

[45]. المصدر نفسه، ص236.

[46]. المصدر نفسه، ص2-3.

[47]. مترعات الكؤوس، ص246.

[48]. انظر ص236 من المترعات.

[49]. انظر سوس العالمة، ص223.

[50]. الحسين أفا – شعر الحسن البونعماني، جمع وتحقيق ودراسة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 1996، ص182، وذكر البونعماني جزءا رابعا من الكتاب ويظهر أنه غلط فجعل الجزء الثاني ثالثا والثالث رابعا.

[51]. محمد خليل، محمد المختار السوسي، ص191.

[52]. أخبرني بذلك الأستاذ عبد الله الدرقاوي ابن أخ المؤلف.

[53]. انظر الصورة المرفقة لبداية ترجمة محمد بن محمد التملي من هذه النسخة.

[54]. انظر من ص74 حتى 80.

[55]. انتهى الجزء الثالث عند الترجمة 79 مما يعني نقصا في واحد وعشرين ترجمة.

[56]. مواضع متفرقة من الكتاب وعلامة وهوامش وحواشي المؤلف: (هـ المؤلف)

[57]. كما عند الأستاذ اليزيد الراضي، شعر داود الرسموكي منشورات جمعية إيليغ أكادير، 1991، والحسين أفا، شعر الحسن البونعماني، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط 1996. والمهدي السعيدي في “المدرسة الإلغية وإشعاعها الأدبي في سوس ” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في الآداب نوقشت بكلية الآداب بالرباط، مارس 1995. وعبد الله بناصر العلوي، بنيات الدرس الأدبي في العصر السعدي، مجلة دعوة الحق عدد 307 دجنبر 1994، ص127، انظر الصورة المرفقة لمقدمة هذه النسخة.

[58]. انظر محمد المنوني، المصادر العربية لتاريخ المغرب، المحاضرة الثالثة والعشرون، مجلة كلية الآداب، الرباط، عدد 18، سنة 1993، ص208.

[59]. المرجع السابق، ص279.

[60]. ظهر كتاب الأستاذ المرحوم محمد بن تاويت في العقد التاسع من هذا القرن ولكنه يلحق بالكتب المؤلفة في النصف الأول من القرن من حيث منهج كاتبه في دراسة الأدب المغربي.

الوسوم

د. المهدي السعيدي

كلية الآدابآكادير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق