مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

مآسدُ العرب (جمع واستقراء) -الحلقة الأولى –

مقدمة:

كانت الجزيرة العربية تعجّ بالأسود، والدليل على ذلك تكرّر ذكر الأسد في أشعارهم وأخبارهم، إلى كثرةِ أسمائه التي تشمَّر بعض العلماء الأجلّاء، منهم: أبو عبد الله ابن خالويه (ت: 370هـ)، وذكر أن أسماءه زهاء خمسمائة اسم ووصفٍ، وأبو سهل محمد بن علي الهروي (ت:433هـ)، وذكر منها ستمائة اسمٍ، ومجد الدين  الفيروزآبادي (ت:817هـ) في «أنواء الغيث في أسماء الليث»، وجلال الدين السيوطي (ت:911هـ) في «فطام اللسد في أسماء الأسد» وغيرهم(1).

وقد اشتهرت في هذه الجزيرة مآسد، أي مواضعُ وأماكنُ معروفة بكثرة الأسود وبضراوتها، ضربوا بها الأمثال، وذكروها في أشعارهم، لأجل ذلك عزمتُ في هذه السطور على تتبعها واستقرائها، مردفةً بالشواهد، فعسى أن يحصل بذلك النفع إن شاء الله.

وقبل إقدامي على تتبع ما ورد في المصادر من مآسد عثرت على عنوانين لعالمين من علماء مَشايخنا الشناقطة، لكن لم أعثر عليهما، وهما:

مآسد العرب، للشيخ عبد الودود بن عبد الله الألفغي –رحمه الله تعالى –(ت:1265هـ/1849م)، ذُكر في: معجم المؤلفين في القطر الشنقيطي (ص:90)

نظم مآسد العرب، للشيخ محمد الأمين بن الشيخ المعلوم البوصادي الشنقيطي –رحمه الله تعالى -، (ت:1342هـ/1923م)

وقد استقصينا من المآسد عشرة ونيّفا، ورتبتناها حسب الحروف الهجائية، مع الحرص على ضبط أسمائها ضبطاً محكما.

تعريف:

المآسد جمع مأسدة، على وزن مَفْعَلَةٍ، قال أبو حيان: «وما بُني على مفعلة للتكثير، نحو مسبعة ومأسدة»(2)، وقال الرضيّ: «واعلم أن الشئ إذا كثر بالمكان وكان اسمه جامداً فالباب فيه مَفْعَلة بفتح العين، كالْمَأْسَدَة وَالْمَسْبَعَةِ والْمَذْأبة: أي الموضع الكثير الأُسْد والسباع والذئاب…» (3).

 وقال الحسن بن زين الشنقيطي في طرته على «لامية الأفعال»: [من البسيط]

:مِنِ اسْمِ مَا كَثُرَ اسْمُ الأَرْضِ (مَفْعَلَةٌ)    ///    كَمِثْلِ (مَسْبَعَةٍ)، وَالزَّائِدَ اخْتَزِلاَ

وجاء في لسان العرب (مادة: أسد): «أَرض مأْسَدة: كثيرة الأُسود، والمأْسدة له موضعان؛ يقال لموضعِ الأَسد: مأْسدة، ويقال لجمع الأَسَد: مأْسدة أَيضاً كما يقال: مَشْيَخة لجمع الشيخ، ومَسْيَفة للسيوف، ومَجَنَّة للجن، ومَضَبَّة للضباب».

*   *   *

(1)- بَوَاءٌ، قال البكريّ (ت:487هـ): «بواء: موضع معروف، وهو مأسدة. بفتح أوّله، ممدود، على وزن فَعَال، قال الشاعر: [من الوافر]

كَأَنَّا أُسْدُ بِيشَةَ أَوْ لُيُوثٌ     ///    بِعَثَّرَ أَوْ مَنَازِلُهَا بَوَاءُ»(4)

(2)- تَرْجٌ، قال الأزهري: «ترج: مَأْسَدَةٌ بِنَاحِيَة الغَوْر»(5)، وقال البكريّ (ت:487هـ): «قال أبو حاتم عن الأصمعى: هو موضع ببيشةَ، مأسدةٌ، وهو من بلاد خثعم، وأنشد لأوس بن حجر(6): [من البسيط]

وَمَا خَلِيجٌ مِنَ الْمَرُّوتِ ذُو حَدَبٍ    ///    يَرْمِي الضَّرِيرَ بِخُشْبِ الطَّلْحِ وَالضَّالِ

يَوْمًا بِأَجْوَدَ مِنْهُ حِينَ تَسْأَلُهُ   ///    وَلَا مُغِبٌّ بِتَرْجٍ بَيْنَ أَشْبَالِ

وقد بيّن الجعديّ أن ترجا من ديار مذحج، فقال(7) : [من الطويل]

وَنَحْنُ أَزَلْنَا مَذْحِجًا عَنْ دِيَارِهَا   ///   فَزَالُوا وَكَانُوا أَهْلَ تَرْجٍ وَعَثَّرَا

ويشهد لك أن ترجًا قبل تبالة باليمن قول طفيل(8): [من الطويل]

وَقَدْ حَلَّ بِالْجَفْرَيْنِ جَفْرِ تَبَالَةٍ   ///    فَتَرْجٍ فَنَهْيٍ فَالشُّرُوجِ الْقَوَابِلِ

وفى شعر ابن مُقبل أن تَرجا جبل بالشام، عند تفسير قوله(9): [من الطويل]

قِيَامًا بِهَا الشُّمُّ الطِّوَالُ كَأَنَّهَا    ///    أُسُودٌ بِتَرْجٍ أَوْ أُسُودٌ بِعِتْوَدَا»(10)

وقال أبو ذؤيب الهذليّ أيضاً(11): [من الوافر]

كَأَنَّ مُحَرَّبًا مِنْ أُسْدِ تَرْجٍ    ///    يُنَازِلُهُمْ لِنَابَيْه قَبِيبُ

ويقال في المثل: «أَجْرَأُ مِنَ الْمَاشِي بِتَرْج»(12).

(3)- تَوَّج، قال الأزهري: «وتَوَّجُ: اسْم مَوْضِع، وَهُوَ مَأْسَدَة، ذَكره مُلَيْح الهُذَليّ:

ومِنْ دُونِهِ أَثْباجُ فَلْجٍ وَتَوَّجُ»(13)، وتمام البيت(14): [من الطويل]

لِيُورِدَهَا الْمَاءَ الَّذِي نَشِطَتْ لَهُ    ///    وَمِنْ دُونِهِ أَثْبَاجُ فَلْجٍ فَتَوَّجُ

وهناك موضع آخر يقال له توج أيضا، وهي مدينة بفارس، فتحت في أيام سيدنا عمر –رضي الله عنه – سنة 18هـ أو 19هـ(15).

*   *   *

(4)- بِيشَةُ أو بِئْشَةُ، اسم يطلق على موضعين، أحدهما واد من أودية تهامة، والآخر مأسدة، قال البكري: «وبيشة أخرى؛ وهى بيشة السّماوة، وهى مأسدة؛ قال مزرّد(16): [من الطويل]

لأوفى بها شمّ كأنّ أباهمُ   ///   بِبِيشَةَ ضِرْغَامٌ غَلِيظُ السَّواعِدِ

وقال ياقوتٌ: «وبيشةُ: من عمل مكة مما يلي اليمن من مكة على خمس مراحلَ، وبها من النخل والفسيل شيء كثير، وفي وادي بيشة موضع مشجّر كثير الأسد»(17).

وفيها يقول قيس بن الخطيم(18): [من الطويل]

كَأَنَّا، وَقَدْ أَجْلَوْا لَنَا عَنْ نِسَائِهِمْ    ///    أُسُودٌ لَهَا فِي عِيصِ بِيشَةَ أَشْبُلُ

*   *   *

(5)- حَلْيَةُ، قال الجوهريّ: «حَلْية بالفتح: مأْسَدة بناحية اليمن، قال المعطّل الهذليّ يصف أَسداً: [من الطويل]

كَأَنَّهُمُ يَخْشَوْنَ منْكَ مُدَرَّباً   ///   بِحَلْيةَ مَشْبُوحَ الذِّراعَيْن مِهْزَعَا»(19)

*   *   *

(6)خَبْتٌ، أصلُ الخبت: ما اطمأنّ من الأرض(20)، وجاء في سمط اللآلي (1/230): «وخبت: موضع بعينه مأسدة»، وقال رؤبة(21): [الرجز]

أَشْجَعُ مِنْ ذِي لِبد بخبتِ

يَدُقُّ صُلْبَاتِ الْعِظَامِ رَفْتِي

ولعل منه ما جاء في «المقامة البشرية»، لبشر بن عوانة(22):

أَفَاطِمَُ لَوْ شَهِدْتِ بِبَطْنِ خَبْتٍ    ///    وَقَدْ لاَقى الهِزَبْرُ أَخَاكِ بِشْرَا

إِذاً لَرَأَيْتِ لَيْثاً زَارَ لَيْثاً   ///   هِزَبْرًا أَغْلَبًا لاقَى هِزَبْرَا

*   *   *

 (7)- خفَّان، قال الأزهري: «خَفَّانُ: مَوْضِعٌ، وَهُوَ مَأْسَدَة بَين الثِّني وعُذَيْبٍ، وَفِيه غِيَاضٌ ونُزُوزٌ، وَهُوَ معروفٌ»(23)، وقال البكري: «خفّان: بفتح أوّله وتشديد ثانيه، وبالنون، على وزن فَعْلَانَ: موضع قبل اليمامة، أشِبُ الغياض، كثيرُ الأُسْد…..، قال الأعشى الكبير(24): [من الطويل]

وما مُخْدِرٌ وَرْدٌ عليه مَهابةٌ    ///    أَبو أَشْبُلٍ أَضْحى بخَفّانَ حارِدا

وقال العباس بن مرداس(25): [من البسيط]

إن تَلْقَني تَلقَ ليثاً في عَرينَتِه    ///    من أُسْد خَفَّانَ في أَرسَاغهِ فَدَعُ

لَا يَبْرَحُ الدَّهرَ صيداً قد تقنّصَهُ    ///    مِنَ الرّجال على أشداقه القَمَعُ

*   *   *

(8)- خَفِيَّةُ، والخفيَّةُ في اللغة:«غَيْضة مُلْتَفّة يتّخِذُها الأَسدُ عَرِىنَهُ وهي خَفِيّته»(26)، وذكر الجوهري أنها مأسدة، وأنشد: [من الطويل]

أُسُودُ شَرًى لَاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ   ///    تَسَاقَوْا عَلَى حَرْدٍ دِمَاءَ الْأَسَاوِدِ»(27)

وقال ياقوت: «خَفِيَّةُ: بفتح أوله، وكسر ثانيه، وياء مشددة: أجمة في سواد الكوفة، بينها وبين الرّحبة بضعة عشر ميلا، ينسب إليها الأسود فيقال: أسود خفية، وهي غربي الرحبة، ومنها إلى عين الرّهيمة مغربا»(28).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

( 1) انظر: كشف الظنون (1/81)

(2 ) التذييل والتكميل (4/ 15)

(3 ) شرح شافية ابن الحاجب (1/ 188)

(4 ) معجم ما استعجم (1/282)

       ولم نقف على اسم الشاعر.

(5 ) تهذيب اللغة (11/5)، ولسان العرب (مادة: ترج)

(6 ) ديوان أوس بن حجر (ص:105)

( 7) ورواية الديوان:

وَنَحْنُ أَزَلْنَا مَذْحِجاً عَنْ دِيَارِهَا=وَهَمْدَانَ أَسْقَيْنَا السِّمَامَ وَحِمْيَرَا

وَنَحْنُ أَزَلْنَا خَثْعَماً عَنْ دِيَارِهَا=فَزَالَتْ وَكَانَتْ أَهْلَ تَرْجٍ وَعَثَّرَا

ديوان النابغة الجعدي (ص:73)

(8 ) ديوان طفيل الغنوي –قسم ما روي له وليس في ديوانه – (ص:139)

( 9) ديوان ابن مقبل (ص:65)، برواية: الشم العجاف.

( 10) معجم ما استعجم (1/309)، وانظر أيضا: معجم البلدان (1/97)

( 11) ديوان أبي ذؤيب الهذلي (ص:28)

(12 ) مجمع الأمثال (1/182)، ولسان العرب (مادة: ترج)

( 13) تهذيب اللغة (11/113)، ولسان العرب (مادة: توج)

( 14) التمام في تفسير أشعار هذيل (ص:243)

( 15) انظر: معجم البلدان (2/56)

( 16) معجم ما استعجم (1/294)، والبيت في ذيل ديوان المزرد بلفظ:

فيرجعها قوم كأن أباهمُ=ببيشة ضرغامٌ طوال السواعدِ

ديوان المزرد (ص:77)

(17 ) معجم البلدان (1/529)

(18 ) ديوان قيش بن الخطيم (ص:140)

( 19) الصحاح (مادة: حلا)

       والبيت في ديوان الهذليين (3/42)، برواية (مُحَرَّبًا) بدل (مُدَرَّبًا)

       والمحرَّب: المغيظ، ويعني أسداً.

(20 ) مقامات بديع الزمان الهمذاني (ص:448)

(21 ) ديوان أراجيز رؤبة، ضمن مجموع أشعار العرب (ص:24)

( 22) مقامات بديع الزمان الهمذاني (ص:448)

(23 ) تهذيب اللغة (7/185)

( 24) ديوان الأعشى الكبير (ص:131)

(25 ) ديوان العباس بن مرداس (ص:104)

(26 ) اللسان (مادة: خفا)

(27 )الصحاح (مادة: خفى)

       والبيت للأشهب بْن رميلة، كما في: البيان والتبيين (3/280)، الكامل (1/74)، الأمالي (1/8)

( 28) معجم البلدان (2/380)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق