مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلاميةقراءة في كتاب

لوسيان لوكلير

 

لوسيان لوكلير[1]

تقديم: عبد العزيز النقر

مركز ابن البنا المراكشي

العنوان: لوسيان لوكلير Lucien Leclerc

المؤلفة: د. فاطمة الأخضر

الناشر: المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء/المغرب، الطبعة الأولي. 2021.

عدد الصفحات: 128 صفحة

   يندرج هذا الكتاب ضمن مشروع واعد أطلقته مؤسستان تُعنيان بشؤون الفكر والثقافة، هما معهد العالم العربي المتواجد بمدينة باريس الفرنسية وجائزة الملك فيصل بمدينة الرياض. يهدف هذا المشروع، كما يعلن عن ذلك أصحابه في مقدمة الكتاب، إلى التعريف بكثير من المفكرين والباحثين العرب والفرنسيين الذين أسهموا من خلال مجهوداتهم الفكرية في خلق سبل للتواصل الإيجابي والحوار البناء بين الثقافة العربية – الإسلامية والعالم الغربي بصفة عامة. يبلغ عدد المحتفى بهم في هذه السلسلة  ما يقارب مئة  مفكر وباحث ينتمون إلى تخصصات علمية متنوعة وفترات تاريخية مختلفة وتوجهات فكرية متعددة.[2]

   ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول إضافة إلى المقدمة والخاتمة، كما زودته المؤلفة في آخره بلائحة لأهم أعمال لوسيان لوكلير. وضمنته أيضا بعض الهوامش النقدية وعدة هوامش تعريفية خاصة بكل الأعلام الواردة أسماؤهم في المتن.

   خصصت الكاتبة الفصل الأول للحديث عن حياة لوكلير وعن تكوينه العلمي. ونكتفي هنا بالإشارة إلى أنه حصل على شهادة الباكالوريا في الآداب سنة 1837 وباكالوريا أخرى علمية خولته التسجيل بكلية الطب بستراسبورغ Strasbourg. مارس مهنة الطب بعدة مؤسسات، منها مثلا “مستشفى تجويد التعليم” بباريس سنة 1845، مستشفى التعليم بستراسبورغ سنة 1846، ومستشفى ثيونفيل Thionville. سيحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1849 في موضوع “أسباب مرض الغدة الدرقية”[3]، وقد خولته هذه الشهادة أن يعمل طبيبا داخل الجيش الفرنسي، حيث صار “جراحا مساعدا مكلفا بالكتيبة السبعين للمشاة، وبعد أسبوعين ارتقى إلى منصب جراح مساعد رئيس من الصنف الثاني“.[4] كما سيترقى أيضا في عدة مناصب بالقسم الطبي داخل الجيش الفرنسي، وسيكون ضمن الأطباء الذين رافقوا هذا الجيش أثناء فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر.

   سيمكث في الجزائر مدة ناهزت ست عشرة سنة ونصف، وقد أتاح له هذا الأمر إتقان اللغة العربية، إذ يبدو أنه كان يعرف هذه اللغة حتى قبل قدومه للجزائر، كما كان يعرف اللغات اللاتينية واليونانية والألمانية. لا شك في أن مهنته وتخصصه كطبيب، ومعرفته باللغات العربية واللاتينية واليونانية والألمانية أمور أكسبته امتيازات بالغة لدراسة الطب العربي دراسة علمية رصينة. وينعكس هذا بوضوح في دراساته الخاصة بهذا المجال، إذ كان يعتمد العديد من المصادر العربية، ويعود أيضا إلى ترجماتها اللاتينية قصد الوقوف على إيجابيات هذه الترجمات وأخطائها، كما كان يرجع كذلك إلى المتون الطبية اليونانية باعتبارها الأصل الذي استند إليه الأطباء العرب في إنجاز ما أنجزوه من شروح وتجديدات في هذا المجال.

   لم تقتصر إيجابيات تكوينه على دراساته الخاصة بتاريخ الطب فقط، بل إن جمعه بين تكوين أدبي وتكوين علمي قد أضفى قد كتاباته سمة مميزة تجلت في قدرته على الوصف الدقيق للأماكن التي زارها، وهو وصف يبين أنه “صاحب خبرة وعلم بأنواع المعادن والنبات والأتربة والحيوان والمياه …“.[5] كما أن هذا الوصف لم ينحصر في الجوانب العلمية فحسب، أي بالعلوم الطبية والطبيعية، بل إنه كان يصف أيضا – وبشكل دقيق – العديد من المظاهر العمرانية لتلك الفترة، إذ نجده مثلا يصف المعمار السائد في القرى والمدن وما تتضمنه من مرافق كالحمامات والمَعَاصر والطواحين وأماكن صنع النسيج والزرابي …[6] وغني عن البيان أن معظم هذه التوصيفات الدقيقة يمكن أن تشكل مادة خصبة وغنية للمؤرخين وعلماء الاجتماع وغيرهم من الباحثين المهتمين بتلك الحقبة. تقول الأستاذة الباحثة في فقرة جامعة تصف سعة المعرفة والاطلاع اللذان تحلى بهما لوكلير: “[لقد] كانت تجربة (أي تجربته في الجزائر) غنية ثقافيا واجتماعيا وتاريخيا وعلميا. وبينت كفاءات لوكلير المتعددة في شتى العلوم التي لها صلة بالطب: كعلم الطبيعة بفروعه: علم النبات، علم الحيوان وعلم المعادن، علم الجغرافيا: علم المياه وعلم المناخ. وعلم الصيدلة والطب البديل. وهو في جميع ذلك شديد التثبت واسع الثقافة لا يكتفي بما يقرأه في الكتب بل يقارن بين قراءاته وينزل إلى الميدان ليلاحظ عن كثب ما قرأه بجولاته في جميع البقاع الجزائرية“.[7]

   خصصت المؤلفة الفصل الموالي، أي الفصل الثاني، لأهم مؤلفات لوسيان لوكلير متحدثة عنها بنوع من التفصيل. بدأت بأهم أعماله، وهو الكتاب الموسوم بـ”تاريخ الطب العربي” المكوَّن من جزأين. عمل لوكلير في هذا السِفر الضخم على “مسح شامل تاريخي وجغرافي لتاريخ العلوم عند العرب مركزا على الطب دون إهمال العلوم الأخرى المتصلة به كالطبيعة والكيمياء وعلم الفلك والرياضيات والفلسفة والجغرافيا أيضا“.[8] ثم تطرقت الباحثة بعد ذلك إلى المحتويات التي تشكل مضامين الكتاب – الموجود في جزأين- والموزعة على ثمانية كتب، ابتداء بالكتاب الأول الخاص بـ”أصول الطب العربي إلى سقوط الدولة الأموية” وانتهاء بالكتاب الثامن – الموجود بآخر الجزء الثاني – المخصص لـ”كيفية انتقال العلوم العربية عبر اللاتينية واليونانية إلى الغرب”.

   أما العمل الثاني الذي تحدثت عنه المؤلفة فهو عبارة عن دارسة وتحقيق للكتاب الطبي الموسوم بـ”كشف الرموز في شرح العقاقير والأعشاب” لعبد الرزاق بن محمد بن حمادوش الجزائري (المتوفى بمكة سنة 1718م). يرجع الفضل، كما تقول المؤلفة، إلى لوكلير في اكتشاف هذا الطبيب والتعريف به، فترجمته غير متضمنة في جل كتب التراجم والأعلام المعروفة. لا يعني هذا الغياب، بطبيعة الحال، التقليل من أهمية إسهامه في تاريخ العلوم الطبية داخل الحضارة العربية-الإسلامية، ذلك أن لوكلير نفسه قد اعتبر أن هذا الطبيب هو آخر من يستحق هذا اللقب داخل الحضارة العربية – الإسلامية. بعد أن تحدثت المؤلفة عن بعض المسائل المهمة الواردة في الكتاب وعن منهجه العلمي، ستُتبع ذلك بالإشارة إلى بعض الأمور التي فاتت لوكلير في التعريف بهذا الطبيب، معتمدة في ذلك على “معلومات كثيرة كشفها باحثان جزائريان معاصران” هما القاسم سعد الله في تحقيقه لـ”رحلة حمادوش المسماة لسان المقال في النبأ عن النسب والحسب والحال” ووافية نفطي في مقالها “مسألة علوم الطب والصيدلة عند علماء الجزائر خلال العهد العثماني“.

   ستشكل “مقالة في الجدري والحصبة” للرازي العمل الثالث الذي ستتطرق له الأستاذة الباحثة ضمن أعمال لوكلير. درس هذا الأخير هذا الكتاب وترجمه إلى الفرنسية رفقة المستشرق أ. لونوار Adolphe Lenoir. يكتسي عمل الرازي هذا أهمية كبيرة في تاريخ الطب، وترجع أهميته إلى كونه أول عمل وصلنا يتحدث عن هذا المرض، أي الجدري، إذ لم يكن معروفا لدى أطباء اليونان. وهذا ما يفسر لنا، من ناحية أخرى، الاهتمام الذي حظي به لدى المترجمين الغربيين في العصور الوسطى من خلال ترجمته إلى اللاتينية التي لم تخل من أخطاء بيّن بعضها لوسيان لوكلير. يتكون هذا العمل من 58 صفحة موزعة على مقدمة للمترجمَيْن في ست صفحات تقريبا، ثم مقدمة كتبها لوكلير في صفحتين، يليها النص المترجم الممتد من الصفحة 9 إلى الصفحة 47؛ وأخيرا، هناك بعض الملاحظات النقدية والشروحات الموجودة “مجمّعة” ابتداء من الصفحة 49 إلى الصفحة 58.[9]

   فيما يخص العمل الرابع، فإن الأمر يتعلق بترجمة ودراسة لكتاب ابن البيطار “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية“، وقد طبع هذا الكتاب مرتين في ثلاثة مجلدات. عمل لوكلير، بعد تعريفه بابن البيطار، على إحصاء مصادر الكتاب، أي الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، حاصرا إياها في 150 مصدرا، وعاملا كذلك على تعداد الشواهد التي أخذها ابن البيطار عن غيره.[10] مصححا في الآن نفسه خطأ بعض المؤرخين الذين اعتبروا أن ابن البيطار قد “زاد ألفي نبتة لم يذكرها ديوسقوردس Diocorides، والصحيح أنه لم يضف إلا حوالي 200 نبتة، وهذه في حد ذاتها إضافة عظيمة في رأيه، وعلل خطأ المؤرخين بكثرة المرادافات“.[11]

   ختمت المؤلفة تطرقها لأعمال لوكلير بحديثها عن ترجمته لكتاب الجراحة للزهراوي. أشار لوكلير، في عمله هذا، إلى كل المخطوطات التي اعتمدها في التحقيق بنوع من التفصيل، كما قدم انتقادات لكل الترجمات اللاتينية الخاصة بهذا العمل مبرزا نقائصها. تطرق أيضا لحياة الزهراوي الذي لم يعثر عن معلومات وافية عنه رغم شهرته في الغرب الإسلامي. لقد كان لوكلير من جهة يعي جيدا صعوبة المهمة التي بادر إليها بترجمته لهذا العمل بالغ الأهمية، حيث قال في المقدمة بأنه “اقتحم مغامرة لا تقدم عليها إلا المراكز العلمية الكبيرة … آملا أن يكون عمله موفقا راجيا القارئ بكل التواضع أن يتسامح مع النقص إن كان“.[12] لكنه كان يعي، من جهة أخرى، أهمية هذا العمل ليس لتاريخ الطب العربي فحسب، بل لتاريخ الطب بصفة عامة، حيث نجده يقول مثلا: “قلنا إن تأثير أبي القاسم في تطور الجراحة بالغرب كان عظيما، فأول الجراحين الإيطاليين كروجي بارم Roger de Parme ولنفرنك Lanfranc وقيوم دي سليسات Guillaume de Salicet  لم يترددوا لحظة واحدة في استيعابه“،[13] ويقول أيضا متحدثا عن عملية الانتحال التي طالت عمل الزهراوي: “نعلم أن الجراحين الإيطاليين الأوائل مثل روجي دي بارم وقيوم دي سليسات ولنفرنك نهبوا أبا القاسم (أي الزهراوي) وتزينوا بما غنموا منه، نسجل هذه الحقائق لنرد إلى مؤلفنا حقه في تطوير الجراحة في إيطاليا وفي أوربا“.[14]

   انتقلت المؤلفة بعد ذلك إلى خصائص المنهج الذي اعتمده لوكلير في جل أعماله، سواء كانت تأليفا أو ترجمة. يلجأ لوكلير في كل أعماله إلى الاطلاع على كل ما استطاع التوفر عليه بخصوص المسألة أو العمل الذي هو بصدد الاشتغال عليه، ليعمل بعد ذلك على “التثبت ونقد كل ما كتب قبله بالعربية وباللاتينية وبالفرنسية” للوقوف عند حدود ونقائص تلك الأعمال السابقة تفاديا للوقوع في نفس الأخطاء. كما كان دائما يعود إلى الأصول، ويعمل أيضا على إحصاء المخطوطات الخاصة بالعمل الذي يشتغل عليه مع وصفها بدقة، والتطرق لسير أصحابها “وتأطيرها تاريخيا وسياسيا في المكان والزمان” … يمكن ملاحظة هذا الأمر في كتابه “تاريخ الطب العربي” حيث لم يكتف فقط بجرد قوائم للأطباء العرب وأهم مؤلفاتهم، بل إنه عرّج أيضا على ما “يحيط بالطب من أحداث وإطار تاريخي فكري فلسفي عام لازدهاره أو انحطاطه […] وقدم لمحات عامة عن الخاصية العلمية لكل قرن ولكل منطقة في فصل خاص، وأردف كل ذلك بالتأريخ للمدارس والمؤسسات الطبية والعلمية وللمستشفيات“.[15] لم تُغفل الباحثة في هذا السياق الإشارة إلى بعض الأخطاء، أو بتعبير أفضل بعض الهنات، التي وقع فيها لوكلير في بعض الأحيان.

   ارتأت الكاتبة أن تخصص الفصل الثالث لبعض المقتطفات من كتاباته، وهي مأخوذة من الأعمال التالية: كتاب تاريخ الطب العربي (من الصفحة 66 إلى الصفحة 89)[16]، ومن مقدمة تحقيقه لمقالة الرازي في الجدري والحصبة (من الصفحة 89 إلى الصفحة 93)، ومقتطف من إحدى رسائله إلى أحد المستشرقين الفرنسيين، هو جوليوس موهل Julius Mohl (من الصفحة 94 إلى الصفحة 102).

   هذا في حين وقفت الفصل الرابع على بعض الـ”مقتطفات من آراء بعض النقاد الغربيين والعرب في أعمال لوكلير” (من الصفحة 103 إلى الصفحة 118). ثم تلا ذلك خاتمة الكتاب في أربع صفحات، تليها قائمة خاصة بـ”أعمال لوسيان لوكلير الكاملة” في أربع صفحات تقريبا.

[1] – كل المعلومات والمضامين الواردة في هذا التقديم مستقاة من الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه.

[2] – يُنظر: عتبة الكتاب، ص 7-8.

[3] – ص. 12.

[4] – ص. 13.

[5] – ص. 23.

[6] – ص. 23.

[7] – ص. 29.

[8] – ص. 32.

[9] – ص. 43.

[10] – ص. 47.

[11] – ص. 48.

[12] – ص. 49.

[13] – ص. 52.

[14]– ص. 52.

[15] – ص. 55.

[16] – تُعبّر أرقام الصفحات هذه عن مواضع ورود هذه النصوص ضمن الكتاب الذي نُقدمه هنا لا عن مواضعها ضمن النصوص الأصلية.

Science

الاستاذ عبد العزيز النقر

باحث بمركز ابن البنا المراكشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق