وحدة الإحياءأعلام

كتب القاضي عبد الوهاب البغدادي ومؤلفاته وأبرز معالمها وسماتها

عصر القاضي عبد الوهاب وبيئته

مما لاشك فيه أن القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي كان من أزهى القرون الإسلامية حضارة وتقدما وإشعاعا، خاصة في المجال العلمي، بفضل ما تميز به هذا القرن من تراث فكري خصب، وعطاء علمي كبير، بسبب كثرة العلماء الكبار، والفقهاء النبغاء، والأدباء الممتازين، ووفرة عطائهم وإنتاجهم، وقد ظهر ذلك في تعدد المناظرات، والمجالس الحديثية والفقهية، وما انعكس عنها من مؤلفات نفيسة في مختلف العلوم والفنون، ونظريات علمية متميزة، ما زالت تمثل قمة العطاء الإسلامي، الذي نتج عنه اجتهادات وابتكارات، ونظريات متقدمة، أنارت للأجيال دروب المعرفة، ودفعتهم إلى مزيد من العطاء والإبداع، مما جعل القرن الرابع الهجري واسطة عقد القرون الإسلامية الزاهرة، ومحطة منفردة في تاريخ الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية.

من هنا نجد من بين أولائك الفقهاء النبغاء، والمجتهدين المتميزين، الذين أثروا في عصرهم وكانوا من سماته الرائعة، نجد فقيها مجتهدا، ومنظرا عبقريا، أجدى على نفسه وعلى أمته، وعلى الفكر الإسلامي ما جعل منه رائدا من رواده، ومفكرا كبيرا من بين المفكرين المسلمين على تواصل تاريخنا.

من هنا نعتبر الفترة التي عاشها القاضي عبد الوهاب، وهي الدور الثاني للخلافة العباسية التي تنطلق من بداية النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، وتنتهي بالربع الأول من القرن الخامس الهجري، في عهد ثلاثة خلفاء: هم المطيع لله (334-363)، وأبو بكر الطائع لله (363-381)، وأحمد القادر بالله (381-422).

والميزة المنفردة لهذا الدور، أن الحياة الثقافية ظلت محافظة على مستواها الممتاز، ونشاطها العلمي الكبير، بالرغم مما أصبحت عليه الحياة السياسية من تمزق وانقسام، وضعف الخلفاء، واستيلاء الديالمة والترك على السلطة الفعلية في الدولة، إلا أن أبواب الخلفاء ظلت مفتوحة في وجه العلماء الذين ظلوا متسنمين المناصب الرفيعة في الدولة، طافحة بهم مجالسهم مجالس المناظرات والحوار، في مختلف العلوم والفنون، بسبب تنافس الخلفاء والوزراء وأهل الحل والعقد، في التقرب من العلماء وأهل الفكر، وإيلائهم ما يستحقون من عناية وتبجيل وتكريم، وهذا هو ما جعل الحركة الفكرية وخاصة في المجال الفقهي تستمر قوية نشيطة منتجة، بالرغم من ارتباط الاجتهاد بالمذاهب الأربعة، والتقيد بآراء أئمتها كما أكد ذلك ابن خلدون[1].

إلا أنه تميز من بين أولائك الفقهاء والعلماء المقلدين، نخبة ممتازة يمكن أن ننعتهم بالمجتهدين الأئمة الذين استطاعوا أن يكسروا طوق التقليد والارتباط بالمذهب، والالتزام الحرفي بآرائه ونظرياته وفتاواه، وفي مقدمة هؤلاء أبو بكر الأبهري. وأبو بكر الجصاص، وأبو حامد الأسفرايني، وأبو إسحاق الأسفرايني، والقاضي عبد الوهاب المالكي، وأبو بكر زيد عبد الله بن عمر الدبوسي، الذين كان نبوغهم وجهودهم وتراثهم، العامل الأساسي في ازدهار علم أصول الفقه، وتعمق البحوث فيه وإغنائه، وكذا عملية التنظير الفقهي والأصولي وازدهار علم الخلاف[2].

تلك كانت هي البيئة التي ولد فيها القاضي عبد الوهاب، والعصر الذي نشأ فيه، وتأثر بأحواله وظروفه.

دخول المذهب المالكي إلى العراق وانتشاره وتأصيله

لقد كانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ومركز الحضارة الإسلامية، بما عرفته من ازدهار كبير في المجالات كلها، وخاصة في مجال العلوم والفنون، ومن عطاء فكري ممتاز امتد إشعاعه عبر العالم كله، واخترق نوره الآفاق البعيدة، مما أعطاها بعدا إنسانيا عالميا متميزا، ومركزا دوليا، له تأثيره وشفوفه، باعتبارها ملتقى للأفكار والآراء العلمية الثقافية، ومجمعا للعقيدة والنزاعات السياسية والفلسفية والدينية، وقد تأسست هذه النهضة الفكرية والعلمية بجهود وعمل العلماء والفقهاء والمفكرين من مختلف المذاهب الإسلامية، وفي مقدمتها المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، الذي حظي بمكانة اجتماعية وسياسية استمرت أكثر من قرنين، بدءا بالبصرة وانتهاء ببغداد، وكان في طليعة الذين نقلوا المالكية إلى العراق ووأصلوه ونشروه، كبار أصحاب مالك وتلامذته، أمثال:

  • عبد الله بن مسلمة القعنبي (ت 220)، وقد أخرج له البخاري ومسلم في الصحيحين.
  • أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي العنبري البصري (ت 198).
  • وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي قاضي بغداد على عهد الرشيد والمأمون (ت 207).
  • وهارون بن عبد الله الزهري قاضي الرقة والمصيصة وغيرهما ت 228 [3] وسواهم كثير.

كما نجد من بين الذين نشروا المذهب المالكي في العراق طبقة ثانية أخذت عن الطبقة السابقة التي أخذت عن مالك المذهب والموطأ، وكان في مقدمة هذه الطبقة الثانية أبو الفضل أحمد بن المعدل الفقيه المتكلم، الذي قيل في حقه: (لم يكن لمالك بالعراق أرفع منه، ولا أعلى درجة وأبصر بمذاهب أهل الحجاز[4].

ومن أفراد هذه الطبقة أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل بن زيد البصري الأزدي، “والي” المظالم والخطابة والإشراف، للمأمون والمعتصم (ت 230)، ومنهم يعقوب بن إسماعيل بن حماد (ت 246)، وسواهم كثير من طبقات العلماء والفقهاء المالكيين من أهل الطبقتين الثالثة والرابعة، والذين كان في طليعتهم آل حماد بن زيد وهم أهل بيت علم وسيادة وشرف، وإليهم يرجع الفضل في ترسيخ دعائم مذهب مالك في العراق، وتبويئه مكان الصدارة والحكم حتى صار منصب قاضي القضاة يسند إليهم، وتعدى توليهم مناصب القضاء إلى الحسبة وولاية المظالم والفتوى، وإليهم صار أمر القيادة والتوجيه، وقد بقي العلم والفقه في آل حماد نحو ثلاثمائة عام، منذ جدهم الإمام حماد بن زيد، إلى ابن أبي يعلى (ت 400)، وهو آخر فقيه عالم منهم[5]، وقد كانت لهم مكانة علمية واجتماعية منفردة لم ينلها سواهم، بسبب المناصب التي تقلدوها، وكذا الحظوة الكبرى التي نالوها لدى الأمراء أو لدى الناس، وكان من أبرز أبناء هذا البيت العلمي الكبير، القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد الذي تفقه به أهل العراق من المالكية، وهو الذي شرح المذهب ولخصه، واحتج له حتى قيل: إنه أظهر مذهب مالك بالعراق، وجعل أهله ينصرفون عن مذهب أبي حنيفة[6].

وإلى هذا العالم الجليل يرجع الفضل في تأسيس وبناء معالم المدرسة البغدادية العراقية المالكية وقواعدها، بسبب المناصب التي أسندت إليه وفي مقدمتها قاضي القضاة والمقدم عليهم، وقد استمر على ذلك أكثر من خمسين سنة[7] إلى أن توفي سنة 282هـ، وغيره من أصحابه ومن بين آل حماد بن زيد.

ثم تلت هذه الطبقة طبقة أخرى آلت إليها رئاسة المذهب المالكي تدريسا وإفتاء وقضاء، وكان في طليعتهم الإمام أبو بكر محمد الإبهري التميمي إمام المالكية في عهده، ويعتبر الرجل الثاني بعد القاضي إسماعيل لرسوخ قدمه في العلم والفتوى على مذهب مالك، ولكثرة تآليفه، وسعة علمه (ت 370هـ).

وهو شيخ مترجمنا القاضي عبد الوهاب، والآخذ عنه، وتلميذه الأثير عنده المفضل لديه الذي آلت إليه رئاسة المذهب المالكي، وحافظ على مكانة المذهب ومنزلته العلمية والاجتماعية إلى أن ارتحل إلى مصر وبقي بها إلى أن توفاه الله.

وهكذا تميزت المدرسة المالكية في العراق، التي أصلت المذهب، وثبتت قواعده، ونشرته، بأنها:

  • كانت قائمة على طبقة من المحدثين والعلماء الأفذاذ.
  • كانوا أئمة في مجال التنظير والاحتجاج جعلهم عماد الاجتهاد والتنظير.
  • كما كانوا المتصدرين في القضاء والفتيا، وولاية المظالم وغيرها من الولايات الكبرى.

كما تمكنوا من فرض وجودهم وتوجيه الحياة العامة في المجتمع العراقي، وقضوا على كثير من البدع التي نشرها أهل الأهواء، وذلك على مدى قرنين من الزمن إلى مطلع القرن الخامس الهجري[8].

من هو القاضي عبد الوهاب البغدادي؟

الفقيه الأصولي النظام، والشاعر الأديب، أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن طوق التغلبي البغدادي الأمير المشهور، ولد يوم الخميس السابع من شوال عام اثنين وستين وثلاثمائة ببغداد، وتوفي ليلة الاثنين الرابع عشر من صفر الخير سنة اثنين وعشرين وأربعمائة للهجرة بمصر[9]. نشأ في بيت علم وأدب، وتربى في أسرة دين وصلاح، كان والده ظاهريا أديبا، من أعيان الشهود المعدلين ببغداد، كما كان أخوه محمد أديبا فاضلا، له كتاب المفاوضة الذي أثنى عليه ابن خلكان[10] صحب أبا بكر بن عبد الله الأبهري، الفقيه المالكي المشهور، وسمع منه، وأخذ عنه فأجاز له، وتفقه بأبي الحسن علي بن عمر بن القصار، وأبي القاسم عبيد الله بن الجلاب البصري، والقاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني الذي قال عنه: “الذي فتح أفواهنا وجعلنا نتكلم” فكان هؤلاء الأربعة هم عماد شيوخه الذين كان لهم الدور الأكبر في تكوينه، والذين أكثر من ملازمتهم، والاستفادة منهم[11].

لقد كان القاضي عبد الوهاب رجلا فاضلا وفيا زاهدا، ورعا خيرا، اشتغل بالقضاء خلال مراحل حياته، إلا التدريس والتأليف استغرق كل حياته ولازمه في كل أطوارها كما عبر عن ذلك بنفسه:

يا لهف نفسي على شيئين لو جمعا                   عندي لكنت إذا من أسعد البشر

كفاف عيش يقيني كل مسألة                        وخدمة العلم حتى ينقضي عمري[12]

وتحدث عنه ابن بسام فوصفه قائلا: “كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصبح، وألفاظه أحلى من الظفر بالنجح، ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها، وعلى حكم الأيام بمحسني أهلها، فخلع أهلها، وودع مادها وظلها، وحدثت أنه شيعه يوم فصل عنها من أكابرها، وأصحاب محابرها، جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم: أو وجدت بين ظهرانيكم غيض غداة وعشية، ما عدلت عن بلدكم لبلوغ أمنية…”[13].

وهكذا عاش في فترة استولى فيها المماليك والموالي على السلطة، وانقسمت الدولة إلى دويلات واشتغل الخليفة بالترف واللهو، وأخذت معالم العصر العباسي في الانحسار والاندثار، كما عبر عن ذلك القاضي في شعره قائلا:

بغداد دار لأهل المال طيبة               وللمفاليس دار الضنك والضيق

ظللت حيران أمشي في أزقتها          كأنني مصحف في بيت زنديق[14]

ورحل إلى القاهرة فوجد فيها العيش الهنيء، والترحاب الكبير من أهلها وفي رحاب المغاربة خاصة، فأسندت إليه ولاية القضاء، وبقي هناك إلى أن وافته منيته، وانتقل إلى ربه راضيا مرضيا فرحمه الله، ورضي عنه، وأحسن إليه.

معالم فقهه واجتهاده

أجمع علماء عصر القاضي عبد الوهاب، وكذا فقهاؤه، ومن جاء بعدهم من النقاد والمنظرين، على مكانته العلمية المتميزة، وإمامته في الفقه خاصة، وبلوغه درجة الاجتهاد على مذهب الإمام مالك، من خلال كتبه وأحكامه في القضاء وفتاواه، ومن دروسه الممتدة طوال حياته وجميع تراثه.

واستنبطوا ذلك مما وهبه الله من خصائص عقلية لدنية، وسمات فكرية شخصية تمثلت في ذكائه الحاد، وذهنه المتوقد، وحافظته النادرة، واستيعابه المسائل، وقدرته على حل الإشكاليات، وحسن نظره، وعميق فكره، وملكته في الرأي والجدل، وقدرته على الاحتجاج والتنظير، وفقهه الكبير، وعلمه الغزير، وإحاطته النادرة بالمذاهب أصولها، وقواعدها وفروعها وقوته في المناظرة والحوار.

كما ظهرت معالم اجتهاده من خلال كتبه الأصولية والخلافية وفي مقدمتها:

  • مقدمات في أصول الفقه.
  • وكتابه العظيم “الإشراف على مسائل الخلاف”.
  • وكتابه الملخص وغيرها.

ومن خلال ترجيحاته واختياراته للأقوال والروايات التي تفوق فيها على أئمة المذهب وشيوخه، ومن خلال أحكامه في القضاء، وفتاواه التي قررها.

ومن خلال اجتهاده في الأصول والفروع جميعا، أي أنه مجتهدا مطلقا على ضوء أصول المذهب وقواعده، وفي حدوده، وهو ما يعرف بالاجتهاد المطلق، كما يؤكد ذلك بنفسه، بقوله بوجوب الاجتهاد وكونه موصلا إلى العلم، وذم التقليد باعتباره مفضيا إلى الجهل، ويضيف مؤكدا في حوار ممتع: “فإن قيل: فهذا خلاف ما أنتم عليه من دعائكم إلى درس مذهب مالك بن أنس، واعتقاده والتدين بصحته، وفساد من يخالفه، قلنا: هذا ظن منك بعيد، وإغفال شديد، لأنا لا ندعو من ندعوه إلى ذلك إلا إلى أمر قد عرفنا صحته، وعلمنا صوابه، وبالطريق التي بيناها، فلم تخالف بدعائنا إليه ما قررناه، وعقدنا الباب عليه”[15] مما يؤكد على أن الفقيه الذي يجتهد ويفتي انطلاقا من أصول مذهب إمامه، وقواعده ومنهاجه، لا يعتبر مقلدا، بل هو مجتهد، خاصة وأن القاضي عبد الوهاب يتوصل إلى الحكم الذي يعمل به أو يفتي فتاواه عن طريق الاستدلال والاستنباط، ويكون من قبيل مطابقة الاجتهاد للاجتهاد، وفي وسيلة الدفاع والتخريج لرأي الإمام وآرائه، وطريقة الانتصار لها وتأييدها، كما فعل في موضوع بيوع الربا، وتحديد العلة التي من أجلها حرم ربا الفضل، وهو ما أوضحه ودافع فيه عن رأي إمامه مع اجتهاده في بيان العلة والحكم قائلا:

العلة في تحريم التفاضل في الأعيان الأربعة[16] أنها جنس مأكول على وجه تمس الحاجة إليه من القوت، وما يصلحه من المدخرات، وقال أبو حنيفة العلة أنه جنس مكيل أو موزون، وقال الشافعي: جنس مطعوم، وانبرى للتدليل على صواب رأيه واجتهاده المطابق لإمامه مؤكدا: فدليلنا على صحة علتنا أن الغرض بالنص على الأربعة المسميات، أن يستفاد به معنى لا يعلم مع عدمه، ولا مع نصه على غيره، فلو أراد مجرد الطعم على ما يقوله الشافعي، لاقتصر على واحد منها، لتساوى الأكل في جميعها، إذ لا اعتبار عنده باختلاف صفاته، وكذا لو أراد مجرد الكيل والوزن لاقتصر على واحد منهما[17] فقد عرض لرأي الإمامين أبي حنيفة والشافعي وناقشه وجادلهما منتصرا ومصوبا لرأي مالك، معقبا ورادا على مخالفيه، بأنه لو كان الكيل والوزن، أو مجرد الطعمية، علة في تحريم ربا الفضل، لما عدد الحديث الأصناف الأربعة من الطعام، بل لاقتصر على واحد منها، مما يجعل رأيه ورده ليس على الشافعي وأبي حنيفة وحدهما بل حتى مالك باعتبار الاقتيات والادخار حاصلا في كل الأصناف الأربعة، فكان الأولى الاقتصار على واحد منها، وهو ما ذهب إليه القاضي عبد الوهاب[18] وكذلك من خلال ما اعترف به أغلب علماء عصره، وكذا أقرانه وتلاميذه، فيما أخذوا عنه أو نقلوه من اجتهاداته وآرائه وفتاواه واعتمادهم عليها، واستدلالهم بها، وتنويههم بها، كقولهم:

  • “ذهب القاضي عبد الوهاب إلى كذا”.
  • “وهذا ما عليه القاضي عبد الوهاب”.
  • وهذا مذهب القاضي عبد الوهاب”.

وحتى عندما يحقق أقوال المذهب وآراءه ونظرياته، يتجاوز الاختيار والترجيح بينها، إلى الاجتهاد برأيه في الموضوع، المدعوم بالدليل والبرهان، مما يؤكد اجتهاده، ومخالفته لما ذهب إليه شيوخه، وهو ما ذهب إليه في الرد عليهم، ومخالفة رأيهم، والاجتهاد برأيه وحكمه في الذي يقر على نفسه بمال يصفه بالكثرة دون تعيين مقداره، وهو ما يوضحه قائلا: إذا قال له: على مال عظيم أو كثير، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من يقول: هو كإقراره بمال فقط يرجع في تفسيره إليه، وهو قول أبي بكر، يعني شيخه الأبهري، ومنهم من يقول: لابد من صفة زائدة فاختلفوا، فمنهم من يقول: إنه أول نصاب من الزكاة، وهو قول أبي حنيفة وهو قول شيخنا ابن القصار، ومنهم من يقول: زيادة على أقل مال، ويرجع في تفسيره إليه.

ثم يعقب برأيه الشخصي الاجتهادي “ويحتمل عندي أن يلزمه قدر الدية” محتجا ومستدلا له بحجج قوية وجيهة متنوعة[19].

ولذلك أجمع العلماء سواء علماء عصره أو من جاء بعدهم على اعتبار القاضي عبد الوهاب من المجتهدين والداعين إلى الاجتهاد، والمعتقدين بفرضيته ووجوبه، ووصفوه بأنه إمام مجتهد في مذهبه، منظر له، مجدد على رأس المائة الرابعة كما ذهب إلى ذلك الإمام السيوطي، والعلامة ابن الأثير، وبأنه أفقه علماء عصره، وشيخ المالكية كما أكد الخطيب البغدادي، والفقيه ابن حزم، وبأنه المجتهد في الأصول والفروع كما أكد ذلك الإمام القرافي بعدما نقل عنه من آراء وأقوال وفتاوى اعتبرها اجتهادية أصولية[20].

شهادات على إمامة القاضي عبد الوهاب واجتهاده

لقد دفع نبوغ القاضي عبد الوهاب، وإمامته، وتفوقه العقلي، وإلمامه الشامل بأصول المذاهب وفروعها، وقوته في الترجيح والاختيار، وأقواله وفتاواه وأراؤه الاجتهادية المتميزة، دفع أئمة عصره وشيوخه ونظراءه إلى الاعتراف بعلمه وتفوقه، والإقرار له بصواب اجتهاداته وأهميتها، والنقل عنه فيها، مما نورده هنا باختصار من شهادات كبار شيوخه وأئمة عصره وأقرانه وتلاميذه من العلماء والفقهاء نجتزئ بعضها هنا تدليلا على مكانته العلمية المتميزة، وآرائه الاجتهادية، وتفوقه في الاستدلال والاستنباط، وإمامته في الفقه والأصول، وتميز آرائه وفتاواه بالابتكار والتجديد.

1. شهادة شيخه أبي بكر الباقلاني

وهي شهادة متميزة متفردة على القاضي عبد الوهاب في عصره، وتظهر مكانته المتميزة بالنسبة لإقرانه من العلماء والفقهاء، وتبين مكانته في العلم عامة وفي المذهب المالكي بخاصة، إذ قال الباقلاني يخاطب تلميذه أبا عمران الفاسي: “لو اجتمعت في مدرستي أنت وعبد الوهاب بن نصر، لاجتمع علم مالك، أنت تحفظه، وهو ينصره، ولو رآكما مالك لسر بكما”[21].

2. شهادة أبي بكر الخطيب البغدادي

“كان ثقة، ولم نلق من المالكيين أحدا أفقه منه، كان حسن النظر، جيد العبارة”[22].

3. شهادة ابن حزم الفقيه

“لو لم يكن لأصحاب المذهب المالكي بعد عبد الوهاب، إلا مثل أبي الوليد الباجي لكفاهم”[23].

4. شهادة الحافظ الذهبي

وصف القاضي عبد الوهاب “بالإمام العلامة”، وشيخ المالكية”[24].

5. شهادة اليافعي

قال عنه: بأنه أحد الأعلام وإليه انتهت رئاسة المذهب المالكي”[25].

6. شهادة الإمام السيوطي

وصفه السيوطي “بأنه أحد أعلام الأمة، وإمام من أئمة الاجتهاد في مذهب مالك[26].

7. شهادة ابن الأثير

اعتبر القاضي عبد الوهاب من الذين تم بهم تجديد هذا الدين على رأس المائة الرابعة”[27].

8. شهادة الفيلسوف المعري

اعتبره محييا لمذهب مالك مناظرا، وأثنى على شعره وأدبه بقوله:

والمالكي ابن نصر زار في سفر             بلادنا فحمدنا النأي والسفرا

       إذا تفقه أحيا مالكا جدلا                 ونشر الملك الضليل إن شعرا[28]

9. شهادة ابن بسام

نوه بعلمه وفقهه ونعته بالفضل، وحسن الصنعة، ولسان القياس، ومقرر أصول المذهب، ومحرر فصوله قائلا:

“بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وهو أحد من صرف المذهب المالكي بين لسان الكناني، ونظر اليوناني، وقدر أصوله، وحرر فصوله، وقرر جمله وتفاصيله، ونهج فيه سبيلا كانت قبله طامسة المنار، دارسة الآثار”[29].

كتب القاضي عبد الوهاب ومصنفاته

إن دراسة مؤلفات وكتب القاضي عبد الوهاب واستيعابها، والإحاطة بمضامينها وأبعادها، ومقاصدها ونتائجها، يؤكد أنها المظهر الأكبر لعلمه ومعرفته، والدليل القاطع على فكره واجتهاده، وآية نبوغه وتفوقه، ومنهجه العلمي المتميز في التنظير والاستدلال، ومجمع القواعد الفقهية والأصولية التي استخرجها واستنبطها بفكره الثاقب، وعقله الراجح، وغوصه وراء المعاني والمقاصد التي توصل إليها، وأدركها وحققها خلال مسيرته العلمية، طوال عمره المديد قاضيا، ودارسا، ومحققا، وإماما مجتهدا، وذلك ما جعل كتبه مرجعا هاما للدارسين، ومنبعا ثرا للباحثين لكونها زخرت بالعلوم والفهوم، وتميزت بالتجديد والاجتهاد، فجاءت عنوانا لعقله وفكره وعلمه جميعا.

إن الدارس لكتب القاضي عبد الوهاب ومصنفاته يجدها تنقسم إلى ثلاثة أقسام حسب موضوعاتها ومناهجها:

القسم الأول: يتعلق بالفقه وأصوله وفروعه

ونجد ضمن هذا القسم الكتب التالية:

  • كتاب الملخص.
  • وكتاب التلقين.
  • وكتاب المعونة.
  • كتاب الممهد.
  • شرح المدونة.
  • كتاب المقدمات.
  • شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
  • عيون المسائل.
  • كتاب الإفادة

القسم الثاني: ويتعلق بالفقه المقارن والخلاف

  • ونجد ضمن هذا القسم المصنفات التالية.
  • كتاب الإشراف على مسائل الخلاف.
  • اختصار عيون الأدلة.
  • اختصار عين المجالس في فقه مختلف المذاهب.
  • الأدلة في مسائل الخلاف.
  • أوائل الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الملة

القسم الثالث: يتعلق بكتب حول المذاهب نذكر منها

– كتاب الجوهرة في المذاهب العشرة

دراسة بعض مصنفات وبيان سماتها وخصائصها

لعل دراسة جميع مصنفات وكتب القاضي عبد الوهاب، تحتاج إلى جهود متواصلة، وتتبع واستقصاء لها في مختلف المكتبات والخزائن، وخاصة وأن أغلبها مخطوط، أو مبتور، أو غير معروف المكان إلى الآن، مما يدفعنا إلى استعراض الموجود منها، وإعطاء بعض النبذ عنها، لتعريف الباحثين والدارسين بها، وإحاطتهم بالمعلومات المعروفة عنها، لذلك سنركز على دراسة أهم مؤلفاته وأعظمها، وهو كتاب الإشراف على مسائل الخلاف الذي يمثل إمامته في الفقه، وعلو كعبه في أصوله، وبراعته في عرض الخلاف العالي.

كتاب الإشراف على مسائل الخلاف

في رأينا وحسب اطلاعنا ودراستنا العميقة لهذا الكتاب النفيس، ومن خلال ما أجمع عليه العلماء والنقاد منذ ألف إلى اليوم، ومن خلال الدراسات المتميزة لتراث القاضي عبد الوهاب وخاصة هذا الكتاب، فإنه يعتبر أعظم مؤلفاته، وأهم مصنفاته على الإطلاق، لكونه من أمهات كتب الفقه الإسلامي التي عنيت بعرض الفروع والمسائل الفقهية، ودراستها دراسة تحليلية مقارنة، وعرضها عرضا تنظيريا، ومعززا بالاستدلال المنطقي، والبراهين العقلية، وبما احتوى عليه من مادة فقهية غزيرة، ومسائل علمية كثيرة، بأسلوب رصين مكين، وطريقة بحث منهجية أصيلة، تمثل منهجه العلمي في الاستدلال والتنظير، والحوار والمناقشة، يتوج ذلك والبرهان، والأمثلة والوقائع، مما يمثل فكره الاجتهادي، ومنهجه الاستدلالي، ويجعل كتاب الإشراف من بين الكتب الإسلامية المتميزة في تاريخنا الفكري والحضاري.

أولا: اسم الكتاب ووصفه

من خلال مخطوطات الكتاب وطبعته الواحدة نتأكد أنه لا خلاف في اسمه أو اختلاف، فكلها تجمع على اسم واحد وهو: “الإشراف على مسائل الخلاف”

كما أن نسبته إلى القاضي عبد الوهاب مؤكدة موثقة، لتوالي النقل عنه، والاحتجاج من لدن علماء عصره إلى اليوم، كابن فرحون، وابن مرزوق، وعياض، والقرافي وسواهم كثير[30].

وقد جاء الكتاب بدون مقدمة كأغلب كتبه، جزأه المؤلف إلى عشرين جزءا، نص على سبعة منها وحدد بداية ونهاية كل جزء:

  • الأول من اللوحة الأولى إلى اللوحة 28.
  • والثاني من اللوحة 20 إلى اللوحة 25.
  • والخامس من اللوحة 104 إلى اللوحة 129 وهكذا.

وقد ظل هذا الكتاب مخطوطا إلى أن طبع الطبعة الأولى أخيرا في تونس، بمطبعة الإرادة دون تحقيق، أو أي اسم للمحقق أو الناشر وذلك في جزأين بلغت صفحاتها ستمائة وعشرين صفحة.

ثانيا: موضوعه

هو كتاب في الفقه المقارن، أو ما كان يسمى عند الأقدمين بالخلاف، وقد اشتمل على نحو ألف مسألة فقهية في أغلب الأبواب الفقهية، عرض لها القاضي من خلال المذاهب الفقهية بدءا من الطهارة إلى المواريث.

وقد قسمه إلى كتب وأبواب ككتاب الصلاة، وكتاب الصيام والاعتكاف، وكتاب البيوع، وكتاب النكاح، وغيرها، وباب الطهارة والآذان، وصلاة العيدين، وزكاة الفطر، والركاز وغيرها، وقد بلغت ثمانية وستين كتابا وبابا.

ثالثا: منهجه

وقد اتبع فيه القاضي عبد الوهاب أسلوبا بارعا في عرض المسائل الفقهية:

  • ببسط الأقوال فيها، والاجتهادات، والآراء بسطا مفصلا، مدققا موسعا.
  • ثم يناقش أقوال الفقهاء والعلماء، ويرد عليهم بعد محاورتهم ببيان الرأي المختار، أو الرأي الاجتهادي الذي توصل إليه، ويحتج له وينتصر، بعد أن يرد على مخالفيه، ويفند آراءهم، وما ذهبوا إليه من رأي أو اجتهاد.

ومن مميزات هذا الكتاب التزامه بالمنهج العلمي الموضوعي، سواء في عرض المسألة أو الرأي ونسبتها إلى صاحبها، أو في حواره ومناقشته للمسألة أو الرأي نقاشا علميا ملتزما، متقيدا بآداب الحوار والمناقشة، دون انفعال أو هجوم، أو إثارة حفيظة غضب من يناقشه من مخالفيه بكل احترام والتزام.

– ونجد من بين الذين ناقش آراءهم وأحكامهم ورد عليهم في كتابه الإشراف، كبار الصحابة، وأئمة المذاهب، والمجتهدين من أهل الفقه والفتوى، كابن عباس، وابن مسعود، وخص نقاشه لهما في قضيتي: نكاح المتعة، وربا الفضل، لاعتباره الفتوى بإباحتهما غير صائبة، ولا تتفق مع الأصول كتابا وسنة، وكعروة بن الزبير والحسن البصري وعطاء والزهري وغيرهم من التابعين وسواهم.

– كما ناقش القاضي عبد الوهاب كبار أئمة المذاهب، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وشيوخ المذاهب وفقهاءها الكبار، كأبي يوسف ومحمد وزفر وابن القاسم وأشهب وابن وهب وسحنون وابن الماجشون وغيرهم، مناقشة علمية صريحة ملتزمة، يخلص فيها إلى الاتفاق معهم في آرائهم أو مخالفتهم، بعد أن يأتي بالدليل والحجة، ولا يستثني في مناقشته وحواره حتى كبار شيوخه كالأبهري وابن القصار وابن الحلاب، فإنه يناقش آراءهم وأحكامهم ويتفق معهم ويرد عليهم محتجا ومستدلا لما ذهب إليه من رأي أو اجتهاد.

ومن معالم منهجه في كتابه الإشراف، أنه ينقل بعض الخلافات والآراء الفقهية التي لا يعتد بها، لضعفها أو صدورها عن مبتدعين كما ينعتهم، أولا يسميهم في كثير من الأحيان مبالغة في عدم الاعتداد بهم، وبآرائهم الشاذة والضعيفة، مثل موقفهم في نقله للإجماع على جواز الإجازة ردا على ابن علية والأصم اللذين خالفا الإجماع في ذلك، ونعتهم بكونهم لا يعد أهل العلم خلافهم خلافا”[31].

وكذلك فيما ذهب إليه في تحديد العدد الذي تقوم به البيئة في إثبات الحقوق التي لا يطلع عليها غير النساء[32].

منهجه في الاحتجاج والاستدلال

التزم القاضي عبد الوهاب بالمنهج الأصولي في استدلالاته واحتجاجه، سواء في كتبه أو أحكامه أو فتواه، باعتباره منظرا كبيرا وفقيها إماما، ولذلك التزم بأصول المذهب وقواعده في الاستدلال والتنظير، وقد ظهر ذلك جليا واضحا خاصة في كتابه الإشراف كما نبينه فيما يلي[33]:

  1. ينطلق أولا وقبل كل شيء من الاستدلال بالقرآن الكريم والاحتجاج للمسألة التي يعرضها ويناقشها بالآية، أو الآيات الكريمة التي يختارها للاحتجاج والاستدلال، وأسلوبه في ذلك أن يستدل بعمومه وظواهره، أو منطوقه ومفهومه، ولذلك ورد الاستدلال بالقرآن كثيرا في كتاب الإشراف.
  2. وتأتي السنة بأقسامها الثلاثة قولية وفعلية وتقريرية في المرتبة الثانية بعد القرآن، بجميع دلالتها ومفاهيمها.
  3. ثم يأتي الإجماع في الدرجة الثالثة وهو عنده كثير وخاصة إجماع الصحابة الذين يورد إجماعهم بشكل صريح قطعي، كقوله: “أجمع الصحابة على كذا… أو ينسب القول إلى بعضهم ثم يصفه “بأنه لا مخالف له”. كما استدل على ذلك في حكم شهود الزنا، وشهادة الصبيان في الجراح[34].
  4. قول الصحابي وعمله ويكثر ذلك في مواضع متعددة من كتابه الإشراف، مرة بنسبته إلى الصحابي، وأخرى إلى الصحابة، وذلك كما جاء في الاستدلال على جواز قسمة اللحوم على التحري[35] ومسألة الشهود الذين يشهدون على شخص بالقتل العمد ثم يرجعون عن شهادتهم بعد القصاص منه[36].
  5. القياس وهو أكثر أوجه الاستدلال عند القاضي عبد الوهاب في كتاب الإشراف، ويستعمله على اختلاف أنواعه ومراتبه، وقد شمل معظم كتب وأبواب الإشراف ومسائله كقوله: “أصله كذا…فكان كذا”.

6 و7 و8 الاستحسان، والمصلحة، وسد الذرائع:

 وكذلك كان أمره مع هذه الأصول والأدلة، فإنه اعتمد عليها كثيرا، وبنى عليها أحكامه وآراءه في مواضع كثيرة من كتابه، كاحتجاجه للمالكية في وجوب تضمين الصناع بدليل الإجماع والمصلحة[37]، وكرأيه في الحكم على الغائب واستثناء صورة من ذلك على جهة الاستحسان[38].

9 و10 العرف وعمل أهل المدينة

وكذلك كان شأنه مع هذين الأصلين، فإنه استدل بهما كثيرا وبنى عليهما في كثير من المسائل والأبواب، كقوله في اختلاف المرتهنين في قدر الحق بأن العرف أصل يرجع إليه في التخاصم[39].

11 و12 الاستدلال بالمقاصد والاستصحاب

وكان لهذين الأصلين اعتبار واعتماد كبير في كتابه، بنى عليهما آراءه وأحكامه في كثير من الأحيان، وذلك كما فعل في الاستدلال لجواز اشتراط الخيار في الإجارة[40] وفي مسألة من تيقن الطهارة وشك في الحدث[41].

القواعد الفقهية المستنبطة في كتاب الإشراف

يعتبر كتاب الإشراف معلما كبيرا من معالم الكتب الإسلامية، وكنزا فقهيا كبيرا، ومنجما زاخرا بالعلم والقواعد الأصولية، طافحا بالاجتهاد والاستنتاج والتنظير، فلا عجب ولا مبالغة إذا قلنا بأنه أهم كتب القاضي عبد الوهاب على الإطلاق، إن لم يكن أهم كتب فقه المالكية، وأغزرها علما وفائدة واستنباطا، وذلك لبراعة مؤلفه في العرض والبحث، وإحاطته بالأصول والفروع، وقدرته على الغوص في المعاني، وابتكار الفهوم، وقوته في الحوار والحجاج، والمناقشة والإفحام، ومنهجه الواضح في الاستدلال والاستنتاج، ولفكره الأصولي الثاقب، وعقله الراجح الخلاق، الذي هداه إلى هذا العطاء الكبير الخصب، الذي تمثل في هذه القواعد الفقهية الأصولية التي استنبطها وبثها في كتابه الإشراف، فجاء كتابا فهيا أصوليا، ومرجعا علميا نفيسا، ملئ حكمة واجتهادا، وابتكارا وتجديدا في الفكر الإسلامي، وهو ما جعله من كتب الفقه الحي الذي يدخل إلى القلوب بغير استئذان كما قال ابن القيم.

وقد بث هذه القواعد الفقهية في كتاب الإشراف، واستغرقت كتبه وأبوابه، كما شملت القواعد الكلية في الأصول وفي العبادات، والمعاملات، والعادات، والنظريات الفقهية الأساسية كنظرية الملك، والعقد، والضمان والحق، وقواعد الحدود والبيوع والإرث وغيرها.

وسنلم هنا في إيجاز ببعض هذه القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف، برهانا وتأكيدا على نبوغ القاضي عبد الوهاب، ووسعة أفقه الفكري، وبديع استنتاجه وابتكاره، وإظهارا لأهمية الكتاب، وقيمته العلمية الممتازة، وهكذا نقسم تلك القواعد إلى أقسام ثلاثة نبينها فيما يلي:

 القسم الأول

ويتعلق بقواعد فقهية كلية اعتبرها المؤلف من أسس القواعد الكبرى منها:

  1. قواعد في النية

وقد بنى قواعده المستنبطة في هذا القسم على القاعدة الأم التي جاء بها الحديث الصحيح “إنما الأعمال بالنيات”[42].

أي أن الأمور بمقاصدها مما ينتج عنها:

  • أن العمل تابع للنية والقصد
  • وأن الأعمال العارية عن القصد لا تكليف عليها

ويدخل في هذا الباب القواعد التالية:

  • العبرة بالقصد والمعنى لا باللفظ والمبنى
  • وكل ما كان له أصل فلا ينتقل على أصله بمجرد النية
  • لا ثواب إلا بنية
  • الإيمان مبنية على الألفاظ والمقاصد

ويستدل لكل قاعدة من تلك القواعد بالقرآن والسنة وغيرها من الأصول[43]. ويندرج في هذا القسم أيضا

  1. قواعد في المشقة والضرر

وقد استنبط من هذه القاعدة الكلية التي تنبني على مراعاة مصالح الناس قواعد كثيرة نذكر منها:

  • المشقة تجلب التيسير
  • الضرر يزال
  • الضرورة تقدر بقدرها
  • الضرورات تبيح المحظورات
  • يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها
  • الحرج مرفوع
  • الرخص لا تناط بالمعاصي وغيرها[44].
  1. قواعد العرف

وقد أدخل في هذا القسم من القواعد ثلاثة:

  • العرف أصل يرجع إليه في التخاصم
  • العرف مثل الشرط
  • الإطلاق محمول على العادة[45]

القسم الثاني

ويتعلق بقواعد في نظريات الفقه العامة منها:

  1. قواعد فقهية في الضمان

ويدخل في هذا الباب القواعد التالية:

أ. الخراج بالضمان[46]

ب. المفرط ضامن[47]

ج. إذا اجتمع السبب والمباشرة سقط حكم السبب[48]

د. ما يضمن بالعمد يضمن بالخطأ[49]

هـ. الزعيم غارم وغيرها من القواعد

  1. قواعد في نظرية العقد

ويدخل ضمنها ويتفرع عنها:

  • العقد على الأعيان كالعقد على منافعها.
  • كل عقد جاز أن يكون على القسمة جاز أن يكون على الشياع[50].
  • كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه[51].
  • الإكراه يبطل العقد.
  • كل ما يصح تأبيده من عقود المعاوضات لا يصح توقيفه[52].
  • ما هو من وجوب العقد لا يحتاج إلى اشتراطه[53].
  1. قواعد في نظرية الملك

من تلك القواعد نجد:

  • ما حرم للاستعمال حرم للاتخاذ[54].
  • ما صحت إجارته صح ملكه[55].
  • ما صح أن يملك بالأخذ صح أن يملك بالبيع.
  • كل تمليك صح في الحياة صح بعد الوفاة[56].
  1. قواعد في نظرية الحق منها

الحقان المختلفان لا يتداخلان

  • ما كان حقا للإنسان لم يكن محلا لوجوب حق عليه[57].
  • إذا تعارض حق البائع والمشتري قدم حق المشتري[58].
  • أخذ الحق لا يتوقف إلا بدليل[59].

القسم الثالث: قواعد فقهية في العبادات والمعاملات

ويندرج في هذا القسم قواعد كثيرة بثها القاضي عبد الوهاب في كتاب الإشراف، ونجتزئ منها:

  • في العبادات: كل ما يفسد العبادة عمدا يفسدها سهوا[60].
  • التلبس بالعبادة يوجب إتمامها[61].
  • كل ما جاز في الحضر لعذر جاز في قصير السفر وطويله[62].
  • كل ما لم تفسد به الصلاة لم يفسد به الوضوء[63].

في المعاملات: منها القواعد التالية:

  • كل ما يجوز بيعه يجوز هبته.
  • كل من جاز نكاحه جاز بيعه[64].
  • كل عين صح أن تثبت في الذمة مهرا، صح أن تثبت فيها قرضا.
  • الأثمان ينوب بعضها عن بعض

قواعد في الحدود: ومن أمثلتها:

  • الحدود تدرأ بالشبهات[65].
  • العبرة بالحدود بحال وجوبها لا حال استيفائها[66].

قواعد في الإرث: نذكر منها:

  • كل أنثى لا ترث مع أخيها، لا ترث إذا انفردت.
  • كل من ورث شيئا ورثه بحقوقه[67].
  • كل من أدلى إلى غيره بعصبة أو بولد لم يرث مع من يدلي به[68].

قواعد عامة ومن أمثلتها:

  • من قصد إلى ما فيه إبطال قصد الشارع عوقب بنقيض قصده[69].
  • قاتل مورثه عمدا وعدوانا قصد استعجال الإرث يحرم من الإرث[70].
  • الأمر بالشيء نهي عن ضده[71].
  • النهي يقتضي الفساد[72].
  • المعين لا يقع الامتثال إلا به[73].

هذا وننوه هنا بأننا قصدنا عدم التطويل في تحليل هذا الكتاب النفيس، والتوسع في دراسته مخافة التطويل والإملال، ورعيا للمقام، ولأنه يحتاج وحده إلى دراسة أكاديمية جامعة تفصل قواعده، وتوضح معالمه، لأهميته واستيعابه.

بقية كتب القاضي عبد الوهاب

– كتاب الملخص

وهو في أصول الفقه كما عرفه القاضي عياض، وابن فرحون اللذان سمياه كتاب التلخيص[74]، كما ذكر ابن خير في فهرسه[75]وقد أثبت القاضي عبد الوهاب في هذا الكتاب أنه من دعاة الاجتهاد والمدافعين عنه، والمثبتين لفرضيته ووجوبه بقوله:

“اعلم أن النظر صحيح، ومثمر للعلم بالمنظور فيه، ومفيد للحقيقة إذا رتب على سننه واستوفى على واجبه” وذلك فيما نقل عنه السيوطي[76].

كما نجد الإمام القرافي نقل عن هذا الكتاب كثيرا في كتابه “شرح التنقيح الفصول”[77].

– كتاب التلقين

في الفقه المالكي، كما ذكره عياض مشيرا إلى أنه كتب عليه شرحا لكنه لم يتمه[78] وسماه ابن خير “التلقين المبتدي وتذكرة المنتهي”[79] توجد مخطوطته بخزانة جامع القرويين في اثنين وستين ورقة بخط أندلسي واضح، كما توجد نسخة منه بمخطوطات الأوقاف بالخزانة العامة بالرباط مجموع بخط عبد الرحمن البعقيلي سنة 747 في 117 ورقة[80].

وقد طبع أخيرا طبعة جديدة بعناية الشيخ زكريا عميرات – منشورات دار الكتب العلمية بيروت – سنة 1420/1999، وقد جاء في تسعة عشر كتابا ابتدأه بكتاب الطهارة وختم بكتاب الوصايا والفرائض والمواريث في مائة واثنين وتسعين صفحة.

– المعونة

لدرس مذهب عالم المدينة (يقصد الإمام مالك) كما نص عليه عياض[81] خلافا لما ذهب إليه حاجي خليفة بأن موضوعه شرح الرسالة والبغدادي في هدية العارفين[82].

وقد اهتم العلماء كثيرا بهذا الكتاب، ونقلوا عنه كثيرا، ويوجد السفر الأول منه مخطوطا بخزانة الإسكوريال تحت عدد 1196 كما تم طبعه أخيرا.

– كتاب عيون المسائل

وموضوعه الفقه:

ذكره القاضي عياض بهذا الاسم وكذا إسماعيل البغدادي، وابن فرحون[83].

– كتاب المفاخر

وهو كتاب في أصول الفقه ذكره عياض باسمه هذا[84].

– كتاب أوائل الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الملة:

وهو كتاب في الفقه المقارن ذكره القاضي عياض وابن فرحون[85].

– كتاب النصرة لمذهب إمام دار الهجرة

وهو كتاب قيم يقع في مائة جزء، وقد أكثر فيه من الانتصار لرأي مالك وتمسكه بمذهبه والدفاع عنه، وتظهر قيمة هذا الكتاب من قوة مادته الجدلية، وقدرته الفائقة على الانتصار فيه لمذهبه الفقهي، وطريقته المثلى في الاستنباط والاستدلال، وبالأخص عندما احتج بالحديث الشريف “يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة”[86]، وقرر بأن المقصود بعالم المدينة في الحديث هو الإمام مالك بن أنس، محتجا باتفاق أهل العلم وأئمتهم على ذلك[87].

– كتاب المروزي

وهو في الأصول، انفرد عياض بذكره من بين كتبه[88].

– كتاب الإفادة

في أصول الفقه، وقد ذكره عياض في مداركه، وابن فرحون في الديباج، واستفاد منه ونقل عنه الإمام السيوطي في كتابه “الرد على من أخلد إلى الأرض”[89].

– كتاب الرد على المزني

وهو كتاب في الفقه، وقد انفرد بذكره عياض في المدارك[90].

– كتاب شرح الرسالة

وهو شرح لرسالة ابن أبي القيزواني ذكره عياض، وابن خير الاشبيلي ومخلوف وغيرهم، كما أننا نجد نقولا كثيرة عنه في كتب الفقه المالكي[91].

– كتاب شرح المدونة

ذكره عياض ونص على أنه لم يتمه، كما أشار إليه ابن فرحون في الديباج وابن مخلوف[92].

– كتاب الممهد

وهو شرح مختصر ابن أبي زيد القيرواني، وقد وصل فيه إلى النصف ولم يكمله، كما أشار إلى ذلك عياض ومخلوف، وقد ذكره المؤلف في كتاب الاشراف[93].

كما نقل عنه ابن الراعي الأندلسي في مواضع كثيرة من كتابه[94].

– اختصار عيون الأدلة

اختصر فيه كتاب شيخه ابن القصار المسمى “عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار” ويوجد كل من الكتابين بخزانة جامع القرويين، الأول في ثلاث مجلدات، والاختصار في مجلد ضخم[95].

– كتاب الفروق

وهو في مسائل الفقه، ذكره ابن فرحون، ومخلوف، إلا أن هذا الأخير سماه “البروق” ولعله وهم[96].

– كتاب النظائر

وهو في الفقه، وقد انفرد بذكره محمد العابد الفاسي في فهرسه، ونص على أنه موجود ضمن مخطوطات القرويين (101 في جزء صغير في 29 ورقة بخط مغربي جميل، وتاريخ نسخه سنة 973هـ [97].

– كتاب المقدمات في أصول الفقه

وقد انفرد بذكره الإمام السيوطي في كتاب الرد[98].

– كتاب الجوهرة في المذاهب العشرة

وقد انفرد بذكره الزركلي في أعلامه، والبغدادي في هدية العارفين دون الإشارة إلى أي بيان عن الكتاب أو مكان وجوده، وهل طبع أم لا[99].

اقتراح

هذا ما هدانا البحث إلى التعرف عليه من مصنفات القاضي عبد الوهاب وكتبه، ما بين موجود ومفقود، ومخطوط ومطبوع، راجين أن تخرج من ندوتنا هذه بتكوين لجنة نسميها:

“لجنة البحث عن تراث القاضي عبد الوهاب وتحقيقه ونشره”

تتوج أعمالنا، وتجعلها إيجابية، وترد بعض بعض الاعتبار لهذا الإمام الكبير الذي لم ينل حظه من العناية والدراسة، والتقدير لتراثه العلمي المتميز، والله من وراء القصد.

الهوامش

  1. المقدمة ص: 556.
  2. تاريخ التشريع الإسلامي، محمد الخضري، ص: 348.
  3. ترتيب المدارك، للقاضي عياض، 3/198 و217.
  4. المصدر السابق، 4/7.
  5. الفقه المالكي من خلال كتاب الإشراف، ص: 25 و26.
  6. ترتيب المدارك، 4/208.
  7. المصدر السابق، 4/288 و 289.
  8. ترتيب المدارك، 4/277- 287.
  9. ترتيب المدارك، لعياض، 7/221.
  10. وفيات الأعيان، لابن خلكان، 3/222. تاريخ بغداد، 12/116.
  11. الديباج، لابن فرحون، 2/26.
  12. الذخيرة لابن بسام، القسم الرابع، المجلد الثاني، ص: 524 و525.
  13. الذخيرة، 2/516. وفيات الأعيان، لابن خلكان.
  14. ترتيب المدارك، 4/224. الذخيرة، 2/526.
  15. الرد على من أخلد إلى الأرض، ص: 126 و127.
  16. ويقصد بها البر والشعير والملح والتمر.
  17. انظر تفصيل الموضوع في بداية المجتهد، لابن رشد، 2/131 و 132. وفي الإشراف على مسائل الخلاف، 1/252 و253.
  18. للتوسع في الموضوع انظر الإشراف، 1/252 و 253 و 161 و 262 و 2/23 وما بعدهما.
  19. انظر تفصيل الموضوع في كتابه الإشراف، 2/32 و 33 وما بعدهما.
  20. انظر شرح تنقيح الفصول.
  21. ترتيب المدارك، 7/246.
  22. تاريخ بغداد، 11/31.
  23. نفح الطيب للمقري، 2/68 و 69.
  24. سير أعلام النبلاء، 7/429.
  25. مرآة الجنان، 3/41.
  26. حسن المحاضرة، 1/141. تنقيح الفصول، ص: 128 و 139 و 380.
  27. المعيار، للونشريسي، 10/9.
  28. الذخيرة، 4/516.
  29. المصدر السابق، 4/515.
  30. الديباج، 2/28 وما بعدها.
  31. الإشراف، 2/65 وما بعدها.
  32. انظر في تفصيل ذلك الإشراف، 2/298.
  33. مرجعنا في هذا التفصيل كتاب الإشراف نفسه، فمن خلاله استخراجنا هذه الأصول حسب ترتيبها.
  34. الإشراف، 2/216 و 285.
  35. المرجع السابق، 1/258.
  36. المرجع السابق، 2/295.
  37. الاشراف، 2/75.
  38. المرجع السابق، 2/281.
  39. المرجع السابق، 2/9.
  40. المرجع السابق، 2/66.
  41. نفسه، 1/27.

42 . أخرجه البخاري في صحيحه، 1/2.

  1. الإشراف، 1/177 وما بعدها.
  2. انظر في تفصيل الموضوع الإشراف، 1/33 و 36 و 102 و 116 و 2/85 و257.
  3. للتوسع في هذه القواعد راجع الإشراف، 1/263 و 2/9 و 70 و 48 و 109.
  4. الإشراف، 271.
  5. إعلام الموقعين، 3/13. الفروق، 2/206 و 4/27.
  6. الفروق، 2/208. والمغنى، 12/139.
  7. الإشراف، 2/2 295 و 1/1 191.
  8. الإشراف، 2/3.
  9. المرجع السابق، 2/56.
  10. المرجع السابق، 2/67 و 105.
  11. المرجع السابق، 2/39.
  12. المرجع السابق، 1/6 و 176.
  13. نفسه، 1/277.
  14. نفسه، 2/324.
  15. الإشراف، 1/241.
  16. نفسه، 2/141.
  17. نفسه، 1/167 و268.
  18. نفسه، 2/49.
  19. نفسه، 1/24.
  20. نفسه، 1/144 و208.
  21. نفسه، 1/123.
  22. نفسه، 1/21.
  23. نفسه، 2/81.
  24. نفسه، 1/273.
  25. الأم، 2/43.
  26. الإشراف، 2/270.
  27. نفسه، 1/250.
  28. نفسه، 2/334.
  29. الإشراف، 2/133 و 134.
  30. نفسه، 2/134.
  31. نفسه، 1/96 و131.
  32. نفسه، 1/136 و166.
  33. نفسه، 1/3.
  34. ترتيب المدارك، 7/222. الديباج، 2/28.
  35. فهرس ابن خير، ص: 256.
  36. الرد على من أخلد إلى الأرض، ص: 81.
  37. ترتيب المدارك، 7/222.
  38. فهرس ابن خير، ص: 243.
  39. فهرس مخطوطات القرويين، العابد الفاسي، 1/390.
  40. مخطوطات الأوقاف، الخزانة العامة بالرباط، في مجموع تحت رقم 1181.
  41. ترتيب المدارك، 7/222. شجرة الذر الزكية، لمخلوف، ص: 104.
  42. كشف الظنون، 2/1743. هدية العارفين، 5/637.
  43. ترتيب المدارك، 7/222. والديباج، 2/28. عدية العارفين، 5/637.
  44. المرجع السابق، نفسه.
  45. ترتيب المدارك، 7/222. الديباج، 2/28، شجرة النور الزكية، ص: 104.
  46. رواه أحمد في المسند رقم 7639، والترميذي في كتاب العلم، رقم 2604.
  47. انتصار الفقير السالك، محمد الراعي الأندلسي، ص: 129.
  48. ترتيب المدارك، 7/222.
  49. المرجع السابق نفسه والديباج، 2/28.
  50. ترتيب المدارك، 7/222.
  51. ترتيب المدارك، 7/222. وفهرس ابن خير، ص: 245. شجرة النور الزكية، ص: 104.
  52. ترتيب المدارك، 7/222. الديباج، 228. شجرة النور، ص: 104.
  53. المرجع نفسه وشجرة النور، ص:104.
  54. الإشراف، 1/125.
  55. انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب مالك، ص: 254.
  56. تاريخ التراث العربي، فؤاد سزكين، مجلدا 1 3/174.
  57. تاريخ التراث العربي، فؤاد سزكين، مجلدا 3/174.
الوسوم

د. يوسف الكتاني

أستاذ علم الحديث، كلية الشريعة

جامعة القرويين-فاس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق