وحدة الإحياءدراسات عامة

قراءة النصوص.. مقاصد تسمو.. وفهوم تزلّ

غالبا ما ننكر أو نتجاهل، وقد لا نلتفت أصلا إلى تأثيرات بالغة على عملية الاستدلال من النصوص، التي نلجأ إليها في حالات الاختيار والاضطرار، وقد لا ينقصنا إشهار إخلاص ندعيه، ولا إعلان براءة نفاخر بها، من ميل أو زيغ، يسعفنا في ذلك حرقة على الدين نتأبطها، وقد “نزايد” بها على الأغيار، إمعانا في التدليل على صدق التوجه، وقد نختم هذا كله بحملة تشهير على الخصوم نشنها، على “الصغار منهم” ابتداء، ثم نخلص إلى “الكبار” نرميهم بالتميع والتساهل تارة، وبالانحراف والزيغ أطوارا، نبني بالاتهام خسيسة نستشعرها، أو مشروعية علمية تُفتقد، ولا يوفرها إلا أسلوب التحامل، تُستدرّ به عواطف الأغرار والدهماء، ليمدوا، هم بدورهم، المشروعية الشعبية التي تلزم، لتحقيق الهدف المرتجى، مما نحسبه استنادا إلى القرآن والسنة، نحسم به الانحياز ابتداء للصفوف!

أزعم أن الأحداث المتتالية في العقود الماضية قد أثبتت أن الأجواء النفسية التي نحمل، والظروف المحيطة التي تصاحب، والمحن، أو العقوبات، التي لاحقت بعض السائرين في طريق ما سمي بالمشروع الإسلامي قد تضافرت كلها على إنتاج فهوم لم تدّع الانتساب للإسلام فحسب، ولا ادعت السبق والتميز، ولكنها احتكرت ما زعمته “حقا”، ولم ينف بعضها أدنى حظ من الصواب عن خصوم المشروع، من غير الإسلاميين، ولكنهم نفوا أصحاب الرؤى المخالفة، من ذات المشروع، عن دوائر الانتماء أصلا، حتى لا يبقى لهم أدنى مجال في أحقية الخلاف والاجتهاد! صحيح أن موجة الدعاوى العريضة، في الصف المعتدل نسبيا، قد انحسرت عن تعقل، أعقب تراجعا عن نهج هائج، ولكن الموجة اتخذت، في جوانب أخرى، أبعادا أوسع، لدى طوائف أخرى غدت، بقدرة قادر، تهيمن على ساحة متهالكة أصلا، أرهقت كاهلها، وحجبت عن الناس بشعاراتها ومسالكها دروب رشد تبدّت على خجل، بعد طول عناء!

لا يمكن الفكاك من وطأة مثل هذه الأجواء، لمن يسعى إلى الفكاك، إلا على مهل، ولا ادعاء تبصر النصوص فقها وإعمالا، على يد من ينكر الوقوع في الأسر أصلا، ويتخذ من مجرد تأبط النص دليلا على الرشد، أو من أقوال لبعض السلف سندا يُتكأ عليه، أو من التعرض للابتلاء معلما على الهداية، فكم من دعاوى أشهرت الشعار نفسه، ولكنها أشهرت الإفلاس لاحقا، وكم من أفراد وجماعات تعرضوا لصنوف البلاء وصمدوا، وهم على غير دين! وكم من فكرة أو فتوى راجت بمكانة مَن أفتى، ولكنها انتهت إلى مضائق العمل، أو آل أمرها إلى مصلحة عدو يتربص.

إن الأفكار البناءة والمبدعة لا يمكن أن تصدر عن معلول أو معتوه، ولا عمن يحمل بين جنبيه نفسا شائهة، تريد بما به من قول أن تنفث أحقادا، أو أن تصفي حسابا، ولذلك يُلاحظ أن أكثر من يعارض مبادئ السماحة في هذا الدين هم حملة الأدواء الدوية، يتشبثون بنهج للتسنن يُدّعى، مع الكفار والعصاة، ينبئ عن نزوع شخصي إلى التشدد، أكثر مما يبين عن طبيعة دين، أو هدي للنبوة يُتّبع.

في بعض ميراث الصحوة العلمية والحركية محطات ينبغي أن يُتوقف عندها الآن، بعدما أضحى تاريخا تملكه أجيال من حقها أن تعرف مواطن الزلل، فلا تُستدرج لنفس الأخطاء، أو تتجنب الخطو الذي يؤول بصاحبه حتما إلى المآزق، من حقها أن تعرف مثلا أن عواقب التكفير التي نحياها اليوم دما ودموعا في أكثر من موضع، كانت بداياتها احتجاجا بظواهر القرآن، وإعراضا عن نصوص السنة والسيرة، وانتقاءً مغرضا لبعض أقوال السلف، في الوقت الذي كان فيه مجرد حمل الشعار يجزئ عن كل بينة، ويشهد لا على الصدق في التوجه فحسب، ولكن على الرشد في الخيار، وعلى حسن عاقبة متيقنة، يُحرم منها كل من خالف، تَبيَّن لاحقا أن قوائم المحرومين تشمل أيضا حتى من كانوا في نفس الصف، ثم انتقلوا إلى صف آخر غير بعيد!

وفي هذه المسألة بالذات أُقحمت الحالة الوجدانية مع الفكرة المسيطرة على الرأي الذي تمّ تبنيه، والدعوةِ له عقودا، لقد جرى النظر في هذه الآيات مثلاً من خلال رأي وحيد جرى اعتماده،  وبعيدا عن نصوص السنة المتضافرة على تحريم الدم، والتحذير من الفتن، واستبعُدت آراء أخرى، لدى المفسرين، بحجة ضعفها تارة، أو مرجوحيتها تارة أخرى، وذلك لأن التفسير المختار يوافق النهج الذي اختير سلفا في سبيل ترسيخ الرؤية، وفي الطرف الآخر استُبعد ظاهر النص عند القائلين به، لمعارضته الصريحة للنهج الذي اختطّه أصحابه لأنفسهم في عدم الخوض فيما سوى الأمور العلمية، ذلك أن الوفاء للفكرة يسبق الوفاء للمبدأ حين تعترضه عقبات تفضي للحرج.

ففي قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) والظالمون، والفاسقون: قال القرطبي: “نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء… وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل فيه إضمار، أي: ومن لم يحكم بما أنزل الله رداً للقرآن، وجحداً لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامة على هذا، قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقداً ذلك ومستحلاً له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه مرتكب لمحرّم فهو من فساق المسلمين،  وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وقال ابن عباس في رواية: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلاً يضاهي أفعال الكفار.

وقيل: أي: ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلم يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول، إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس، قال: ويدلّ على ذلك ثلاثة أشياء: منها أن اليهود قد ذُكروا قبل هذا في قوله: (للذين هادوا) فعاد الضمير عليهم، ومنها: أن سياق الكلام يدل على ذلك، ألا ترى أن بعده (وكتبنا عليهم) فهذا الضمير لليهود بإجماع، وأيضاً فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص. فإن قال قائل: “من” إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها؟ قيل له: “من” هنا بمعنى “الذي” مع ما ذكرناه من الأدلة، والتقدير: واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا…

وقيل: الكافرون للمسلمين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وهذا اختيار أبي بكر بن العربي…

قال طاووس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملّة، ولكنه كفر دون كفر، وهذا يختلف: إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين…[1].”

وبالرغم من هذا التعدد في الأقوال والتفسيرات إلا أن الفكر الإسلامي أو بعضه ضاق بها، واقتصر على الرأي القائل بالتعميم مع الاحتفاظ بخصوص السبب، لحفظ الفرق وتبرير الاختلاف في الحكم، مع أن الرأي القائل بأن الآيات الثلاثة كلها في الكفار وُصف بأن عليه المعظم، ومع أن الرأي الآخر القائل بأنها في اليهود استُدلّ له بأدلة قوية، ووصفه القرطبي بأنه من أحسن ما قيل في هذا.

وحتى التعميم الذي اختير جُرد من قيوده، حيث وصفه أصحابه بأنه كفر دون كفر، أو أن ذلك مشروط بالجحود والاستحلال، ولم يُكتف بالحصر المعنوي، بل تعدّى ذلك إلى الحصر المادي، فقُصر الإعراض عن الحكم بما أنزل الله على الحكم بمعناه المعاصر، واستبعد الأفراد من التعميم، مع أن أصل السبب يدرجهم بطريق الأوّلية، أما الأولوية المشهرة فلم تراع الفروق والقيود التي عبّر عنها بعضهم مستنكراً بالأقواس التي تلُحق بالنص؛ وقد أصرّ البعض على هذا الرأي لمآل مناقض للمقاصد التي روعيت من قِبل من تحفّظ على الإطلاق؛ لأنه يتعارض مع فكرة عدم الخروج إذا أدت إلى الفتن، فيُحتمل عندها الضرر الأخفّ لتلافي المنكر الأشدّ المتوقع.

إن هذا الفكر الذي أصرّ على الرأي الوحيد لم يظهر خطؤه فقط للإخفاق الذي لازمه أو الويلات التي جرّها، ولكن لتراجع في الفكر حصل، وانحسار لخيار رُفع لواءه بقوّة، فتهاوى أيضاً بسرعة، واتخذ الغلوّ خندقاً آخر في بعض الحالات ليسقط في تداعيات لا علاقة لها بمشروع أو صحوة، وفي أحسن الأحوال كان التراجع في مسألة العلاقة مع الحكام، فبعد أن دُمغوا بما دمغوا به فترات طويلة من الزمن رُدمت الفجوة بعد ذلك، في بعض البلاد، في إطار نهج جديد لتجسير العلاقة، وهو تراجع وُسم بالعقلانية، لولا أنه استُغلّ أحياناً للتأصيل لرأي، أو لتبرير موقف لا يخلو من شبهة.

لقد كان من النتائج الوخيمة للرؤية الوحيدة هو جر أكبر قدر من الناس إلى ساحتها عن طريق الإكراه النفسي والوجداني الذي تحدثه نصوص تساق لتأكيد فهم معيّن، واستُغلت بعض المقدمات الصحيحة للوصول إلى نتائج غير مسلمة، فقاعدة “من لم يكفر الكافر فهو كافر”: مقدمة صحيحة، لكنها في الكافر الذي لا شكّ في كفره، ممن وُلد ونشأ عليه، ولا تنطبق بالضرورة على غيره ممن يعيش في مجتمع إسلامي، وتبدر منه بوادر في الوصف مشابهة، ولا يزول عنه وصف الإسلام إلا بأدلة قاطعة، غير أن نفراً أدرجوه ضمن القاعدة ليوسّعوا من دائرة المشمولين بالحكم، وأغرتهم مثل هذه القواعد في تعميم الأحكام بعد ذلك على الرعية نفسها، ليسهل في نظرهم البناء على أسس جديدة.

إن أصحاب هذا الطريق يتوسلون بالأحكام المطلقة، لا يقفون عند قيد، ولا يلتفتون إلى تخصيص، ولذلك تزعجهم التفاصيل، أو تحرجهم عند الحجاج، والحكم عندهم يتلوه حكم، والتكفير تتبعه الاستباحة، ومن تردد أو تأنى فلاستشعار الحرج، ومن كفر “الولاة” سبيلا لإزالة الغبش، استبطأ النصرة والنصر، فكفر الأنصار، ولذلك تراهم يعيشون في أزمة مع أنفسهم، أشد وأعتى من تلك التي يعيشونها مع مجتمعهم، وبعض من سعى للعلاج غدا جزءا من السقم، وبعض من جاهد من أجل البراء شعارا أعطى الولاء اضطرارا.

ومن مزالق الاتباع غير المبصر أن بعض النصوص تزكّي اتجاها، أو تحمد رأيا، يؤكده سياق، أو يجري به عمل، وقد يُنسب فيه الفضل لبعض الأصحاب، فتزداد وجاهة الرأي، ويقوى رجحان الخيار، وقد لا يستقر في الذهن غيره، ولا يشيع في الفهوم سواه، وبالرغم من وضوح النص في ساعة النزول، وما يوحي به من إطلاق: إلا أن المفسرين والشراح، مع إقرارهم بصحة ما استُنبط لحظة التنزل، يبحثون عن معان أخرى خارجها، وقد يستحضرون نصوصا، من الكتاب أو السنة أو منهما معا، يتقيد به الإطلاق المشار إليه، وقد يصبح الرأي الذي زُكي أولا مرجوحا في غير تلك المرحلة، لزوال الظروف، ولاتّساق الرأي المرجوح وقت التنزل، مع ما تشهد له نصوص قد يرقى بها التضافر إلى مستوى الأصل المقطوع به.

الذهول الذي ينتاب البعض عن تقييد يُذيّل به النص: يُشيع فهما قد ينأى به عن المراد، فالمعنى الذي يفيده أصل النص، في ظرف معين، يهيمن على العقل، وقد يهيمن على القلب أيضا إذا صاحبته ملابسات معينة، ويزيح القيدَ المصاحب من الاعتبار، وقد يكون النص في حال ارتفاع الظرف: أقرب للمقصد، وأجلب للمصلحة، وأدعى للتقبل.

فمن ذلك ما استقر في الوعي من فهم تتغذى به عقيدة المواجهة، في مسألة أسرى بدر، ونزول القرآن على غير ما كان يبتغيه النبي، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، ووِفاقا لما ارتآه عمر، فقد أخرج الإمام مسلم الحوار الذي دار بين الثلاثة، وكان مما جاء فيه قول ابن عباس: “… فلما أسروا الأُسارى قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة! أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنّا فنضربَ أعناقهم، فتمكِّنَ عليا من عَقيل فيضرب عنقه، وتمكِّني من فلان، نسيبا لعمر، فأضربَ عنقه، فإنّ هؤلاء أئمةُ الكفر وصناديدُها، فهوِيَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئتُ فإذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدتُ بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عَرَض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة؛ شجرة قريبة من نبي الله، صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل: (ما كان لنبيء أن يكون له أسرى حتى يثخن في الاَرض ) إلى قوله: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا)[2] [الأنفال: 68-70].

المشاورة التي وردت في هذا الحديث أسفرت عن منهجين في تناول القضايا المهمة، كلاهما يروم المصلحة، ويبتغي تحقيق الخير، ولكن علاقة هذين الرأيين بالطبيعة والمزاج بادية، وكلام أبي بكر في هذا الحوار لا التواء فيه، فمع أنه كان يأمل في إسلامهم، إذ اقترح قبول الفدية منهم، إلا أنه ابتدأ ببيان الجانب العاطفي في الأمر، فالذين يُستشار بشأنهم هم بنو العم والعشيرة، ولكن عمر رضي الله عنه رأى غير ذلك، فقد كان لتحمسه لهذا الدين، وربما لوقوفه أكثر من غيره على مبلغ العداء الذي يكنه قادة المشركين، ولطبعه الشديد الذي يتميز به: دور فيما أبداه من رأي، ولكنه بيّن أيضا أن عنف العداوة من هؤلاء القوم هي المبرر لهذا الرأي، وأن اعتماد الرد بالمثل مع قرابة النسب أدل على التقرب، وأبلغ في الإخلاص، كما ورد في إحدى الروايات: “… حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين…” وقد يكون في رأي عمر رد غير مباشر على ملمح الرحم الذي انطلق منه أبو بكر، ولكن النبي، صلى الله عليه وسلم، يرجح رأي أبي بكر، ويعتمده، وينزل القرآن مصوِّبا لرأي عمر، فتُدرج هذه التزكية في سجل عمر: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الاَرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الاَخرة والله عزيز حكيم) ولكن قبل ذلك، وبعد استشارة النبي لأصحابه يترك النبي أصحابه يخمنون في الرأي الذي سيميل إليه، ثم يرجع إليهم ليقول: “… إن الله ليُلين قلوب رجال فيه، حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام، قال: (…فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) [إبراهيم: 38] ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، قال: (اِن تُعذّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) [المائدة: 120] وإن مثلك يا عمر كمثل نوح، قال: (رب لا تذر على الاَرض من الكافرين دياراً( [نوح: 28] وإن مثلك يا عمر كمثل موسى، قال: (…ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يومنوا حتى يروا العذاب الاَليم)[3] [يونس: 88].

في هذا التشبيه تزكية للمنهجين، وإن كان فيه إشعار بترجيح طريقة أبي بكر القائمة على اللين، لولا أن القرآن يفصل في الأمر، بالعتاب على الجنوح إلى الفداء، ولكن لِمَ البكاء إن كان في الأمر خيار؟ الذي ذكره ابن القيم أن ذلك “كان رحمةً لنزول العذاب لمن أراد بذلك عرَض الدنيا، ولم يرد ذلك رسولُ الله ولا أبو بكر، وإن أراده بعض الصحابة، فالفتنة كانت تعمّ ولا تصيب من أراد ذلك خاصة، كما هُزم العسكر يوم حنين بقول أحدهم: لن نغلب اليوم من قلة، وبإعجاب كثرتهم لمن أعجبته منهم، فهُزم الجيش بذلك فتنة ومحنة، ثم استقر الأمر على النصر والظفر والله أعلم[4].”

لكن السؤال الأهم هو: كيف يُهزم رأي يجتمع عليه الرسول نفسه وأبو بكر الصديق؟ والجواب أن ذلك كان مما يدخل في دائرة الاجتهاد، وللإشارة إلى أن التوفيق في الرأي للأجدى والأصلح لا يتوقف الأمر فيه على شخص أو على جهة، كما أن في الأمر ملمحا تربويا مؤداه: إذا كان الرسول المؤيد بالوحي قد أخطأ في التقدير في أمر دنيوي اجتهادي، مع استفراغ الجهد في الاستشارة مع أصحابه، كيف يتأتى لمن دونه أن يتفرد برأي فلا يستشير مَن حوله؟ أو أن يحتكر الصواب فيحبس الفضل عن الأغيار؟

ومع ذلك فقد يقال: إن الأصل في الدعوات أن تجنح إلى السماحة في المواقف، إلا أن يترجح غيرها، استثناءً، في بعض النوازل والوقائع، وبغض النظر عن ذلك كله، وبالرغم من أن القرآن قد زكى رأي عمر، وعاتب النبي على ما أنفذه في الأسرى، إلا أن الأمر قد استقر لاحقا على رأيهما، وغدا نهجا ثابتا لموافقته لمقصد الهداية والرحمة، كما يُفهم من كلام ابن القيم، يقول: “… وقد تكلم الناس في أي الرأيين كان أصوب؟ فرجحت طائفةٌ قول عمر لهذا الحديث، ورجحت طائفةٌ قول أبي بكر، لاستقرار الأمر عليه، وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم، ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب، ولتشبيه النبي له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء، ولموافقة رسول الله لأبي بكر أولاً، ولموافقة الله له آخرا، حيث استقر الأمر على رأيه، ولكمال نظر الصديق، فإنه رأى ما يستقرّ عليه حكم الله آخراً، وغلّب جانب الرحمة على جانب العقوبة[5].”

من النصوص النبوية التي راجت في العقود الأخيرة، في سياق التأسيس لعقيدة المواجهة، واحتُجّ بها لتبرير إلحاق المسلم “المرتد” بالكافر الأصلي: قوله، صلى الله عليه وسلم، يخاطب مشركي قريش: “لقد جئتكم بالذبح” وغدا هذا النص يتردد على ألسنة البعض بغير قليل من الزهو والعجب، وقد كنت أستغرب هذا الفهم بما لديّ من وعي متواضع بمقاصد هذا الدين، وبمواقف الرسول، صلى الله عليه وسلم، الشهيرة في سيرته العطرة، إلى أن تهيّأ لي أن أنظر في سياق هذا النص، وموقعه من نصوص أخرى، موافقة أو مخالفة.

فقد أخرج ابن حبان عن عمرو بن العاص قال: “ما رأيت قريشا أرادوا قتل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا يوما رأيتهم وهم جلوس في ظل الكعبة، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، يصلي عند المقام، فقام إليه عقبة بن أبي معيط، فجعل رداءه في عنقه، ثم جذبه حتى وجب لركبتيه، صلى الله عليه وسلم، وتصايح الناس، فظنوا أنه مقتول، قال: وأقبل أبو بكر رضي الله عنه يشتدّ حتى أخذ بضبعَي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من ورائه، وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما قضى صلاته مر بهم وهم جلوس في ظل الكعبة، فقال: يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده، ما أرسلت إليكم إلا بالذبح؟! وأشار بيده إلى حلقه، فقال له أبو جهل: يا محمد، ما كنتَ جهولا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت منهم[6].”

وعند ابن حبان نفسه في رواية ثانية عن عبد الله بن عمرو قال: قلت: ما أكثر ما رأيت قريشا نالت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما كانت تظهر من عدوانه فقال: قد حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم في الحجر، فذكروا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفّه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرّق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، فبينما هم في ذلك، إذ طلع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما أن مرّ بهم غمزوه ببعض القول، قال: فعرفتُ ذلك في وجهه، ثم مضى، صلى الله عليه وسلم، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، صلى الله عليه وسلم، فمر بهم الثالثة، غمزوه بمثلها، ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده، فقد جئتكم بالذبح. قال: فأخذتِ القومَ كلمتُه، حتى ما منهم رجل إلا لكأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك يتوقّاه بأحسن ما يجيد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدا، فو الله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادئكم بما تكرهون تركتموه، وبينما هم في ذلك، إذ طلع عليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم؟ قال: نعم، أنا الذي أقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقال: وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا بلغت منه قط[7].”

وقد أخرج الحديث البخاري[8] عن عروة بن الزبير قال: “سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: بينا النبي، صلى الله عليه وسلم، يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله).

اكتفى الإمام البخاري بهذا، ولم يورد ما أورده ابن حبان وغيره، ولستُ أدري لم يتلقّف البعض روايات في أمر جلل، ما وردت عند البخاري  ومسلم، ولا رواها أصحاب الكتب الأربعة الأخرى، ويتمسكون بقوله فيها: “جئتكم بالذبح”، أو “ما أُرسلت إليكم إلا بالذبح” أو “والذي نفسي بيده، لقد أرسلني ربي إليكم بالذبح” إيحاء بانتقام يخالف مقاصد البعثة والرسالة، وللدلالة على مقصد معين يُراد نسبته إلى الإسلام، ويذهلون عن القرائن المحيطة والملابسات المحتملة، التي قد تصرف العبارة عن ظاهر لا يُراد تعميمه أو تعديته، وتجرِّد مبادئ السماحة التي عُرف بها الدين عن بهائها، أو تزيحها لحساب أمر لم ترسِّخه النصوص، ولا صدقته الوقائع.

إن الذهول عن مقاصد الشارع والغفلة عن سياقات النصوص أو انتقاء ما يوافق منزعا، واستبعاد ما يخالفه: لا يسيء فقط إلى الدين بما يُنسب إليه، ولكن بالقياسات الفاسدة التي تروج، والتي تُلحق أوضاعا في دار الإسلام، بالذي يُفترض أنه الأصل في ديار الآخرين، ممن يدينون بغير الدين الذي ندين الله به، ويُشهرون حكم الأصل، يسحبونه على ما يدّعونه فرعا يلتحق به، بجامع العلة في الموضعين، فينشأ عن ذلك من المفاسد ما الله أعلم به، وما تعاني الأمة من آثاره، فتنا تشتعل في داخل الصف، ودماء تُراق وتُهدر، لحساب من يتربص، ومن قد يُغذِّي الجهالة التي تُلبس لبوس العلم، فتصاب الأمة في عقلها، ولتُرزأ في الدين الذي تزعم الانتماء إليه.

وما يستقر في الوجدان من سماحة هذا الدين ومبادئه، وما تظاهره نصوص تضافرت، وأنشأت به اعتقادا، انعكس سلوكا لدى المؤمنين به: لا يشوّش عليه، ولا ينبغي له، نص هنا أو قول هناك، ولا ينبغي أن تتلقّفه نفس ضعيفة أو مقهورة، تسعى لتنتقم، فتنسب للدين ما لا يصح، وما قد يناقض مقصدا لا يقوى نص بمفرده، مهما قيل عن قوته، أن يزاحمه أو يزحزحه، وتختلط لدى المقهور حماسة للدين لا تُنكر، برغبة في الانتقام للنفس لا تخفى، ويكون حينها أدنى للتعبير عن عقدة تتحكّم به، من أن يعبر عن عقيدة، تنساب في نفسه وقلبه انسيابا.

إن الغرض الرئيس في حديث البخاري هو بيان أصعب شيء صنعه المشركون برسول الله، صلى الله عليه وسلم، مما كان يعاني منه المسلمون في حالة الاستضعاف في مكة قبل الهجرة جوابا على سؤال السائل، وحديثُ ابن حبان الذي سيق لم يَرِد في بدايته السؤال، ولكنه ورد في رواية أخرى لنفس الحديث عند ابن حبان نفسه، واهتممنا برواية ابن حبان؛ لأنه ممن يتحرّون الصحة في مصنفاتهم، وله باشتراط الصحة مزية على من لم يشترطها، وإن لم يُصب دوما، وما من أحد أخرج الحديث بمثل سياقته من أصحاب السنن المعروفة، وممن التزم الصحة أيضا، كابن خزيمة والحاكم، وفي حديثه أن عبارة التوعد بالذبح تلك قالها النبي، صلى الله عليه وسلم، بعد أن قام إليه عقبة بن أبي مُعَيط وجعل رداءه في عنقه، ثم جذبه حتى وجب لركبتيه، صلى الله عليه وسلم، وتصايح الناس، فظنوا أنه مقتول، فجاءت عبارة الرسول عن ذبحهم بسبب اعتدائهم عليه، وفي الرواية الأخرى لابن حبان نفسه أيضا أن ذلك كان قبل أن يأخذ أحدهم بمجمع ردائه، فأظهر السياق الاعتداء عليه نتيجة لتهديده لهم! والبخاري تفادى هذا كله، واقتصر على بيان عنف المشركين، والغريب أن رواية ابن حبان الثانية تظهر أن أقصى ما فعله المشركون هو الأخذ بمجمع ردائه، انتقاما للتهديد المشار إليه، مع أن بعض جفاة الأعراب من المسلمين قام بما هو أشد مما فعله المشركون به في هذه الرواية، وقد بدا النبي، حسب هذه الرواية، أعنف من أعدائه، بالتهديد الشديد الذي وجّهه إليهم.

وهناك مفارقة أخرى في حديث ابن حبان وغيره من المصنفين الذين أوردوا المتن نفسه، فقد ظهر النبي في صورة “الجهول” وظهر أبو جهل في صورة الناصح الحكيم، فهل هذا مقصد للحديث؟ بل إن بعضهم خاطب الرسول بتودّد، حسب رواية ابن حبان، فقال: “انصرف يا أبا القاسم راشدا”.

وهل تحتمل حالة الاستضعاف أن يصدر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قول يستدرج به الأعداء للنيل منه ومن أصحابه، وهو المأمور بالصبر وعدم الرد في تلك المرحلة؟! ولمن قد يفوته سماع التهديد بالقول، أتبعته الرواية المذكورة بإشارة النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى حلقه، بل إن في رواية ابن حبان المذكورة أنهم لما “وثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: نعم، أنا الذي أقول ذلك”. ولا يخفى أنه تحدّ لا يصدر إلا من بصير بما يحيط به، يقدِّر حجم الأخطار، ومن واثق بقوته، يحسب لكل خطوة حسابها! مع أن الروايات تذكر أن أبا بكر جاءهم باكيا! أي: من شدة التأثر من حالة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو موقف يؤكد الضعف الذي يعانون منه.

ولنقارن بين عبارة “ما جئتكم إلا بالذبح” وبين آية: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهل سيرة الرسول الفعلية والصحيحة تنطق بمضمون العبارة المنسوبة إليه، أو بما جاء في الآية الكريمة؟! وكم من المشركين تم ذبحهم بيد الرسول، أو بيد غيره من المسلمين، إلا من سقط صريعا في حرب، الأسلحة فيها بين سيف ورمح؟!

لا يمكن إنفاذ الحَصرين معا، وإلا وقعنا فيما يشبه التناقض، إلا أن يُحمل ما ورد عند ابن حبان على زعماء قريش، ممن كانوا يستهزئون بالرسول، وقد أُشربت قلوبهم الكفر، ويكون قد أوحى إليه ربه أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، وأن لا مطمع في أحد منهم، وهم الذين ثم حصدهم في غزوة بدر الكبرى.

وحينها لا يجوز نسبة أمر لهذا الدين لم تتأكّد نسبته، أو لم تَشع به نصوص ترسِّخه، والغريب أن مثل هذه الأفكار الغريبة لا تنشأ، ولا يجري الترويج لها إلا في أوقات الضعف والمهانة، والمجتمع لما كان في أوج عافيته وأحسن أحواله ما أُثرت عنه هذه الأفكار والمواقف، ما يدل على أن الأفكار المستقيمة لا تخرج إلا من رحم الأوضاع المستقرة، وأن المُُثُل العليا يعبِّر عنها الأسوياء، ومن لم تنل منهم صروف الدهر ولا ظروف القهر.

وأي النصوص أوفق مع روح هذا الدين وتعاليمه؟ مَن يحمِّله هذه الرسالة وما تنضح به من عنف صارخ، يحتسب البعض إشاعته، في كل زمان ومكان، قربة من القرب عند ربه؟ أو من ينحاز إلى مقاصد باتت أشهر في التعبير عن هذا الدين وفي الدعوة إليه، من مجرد عبارة قد تكون وقفا على حالة، فيما لو تأكدت صحة نسبتها إلى المنطق النبوي؟!

وإذا كانت الرغبة في الانتقام لدى الرسول، صلى الله عليه وسلم، بهذا القدر فلِم لم يعبِّر عنها الرسول بموافقة ربه على طلب العقاب، ينزِّله على من طغى وتجبّر؟ عقب الصدود والإيذاء الذين ووجه بهما في الطائف في الواقعة الشهيرة في السيرة النبوية، حسبما أشار إلى ذلك بعض الشراح، وذلك فيما أخرجه البخاري وغيره عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: “لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد يا ليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال: يا محمد: إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا[9].”

قال المناوي: “وذلك أن المصطفى لما مات أبو طالب اشتد أذى قومه له فخرج إلى الطائف رجاء أن يُؤووه وينصروه، فأذاقوه أشد (العذاب) فدعا بهذا (أي: الدعاء المشهور: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي) فعند ذلك أرسل إليه ربه ملك الجبال، فسأله أن يطبق على قومه الأخشبين (جبلين كبيرين في مكة) فقال: بل استأني، لعل الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبده[10]” وأحال في إخراج الدعاء على الطبراني عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

حالة النبي، صلى الله عليه وسلم، كما وردت عند البخاري، تعبر عن بشر سويّ، يحمل على عاتقه دعوة يبلِّغها، وفي قلبه إشفاق على الأعداء أن يكون مصيرهم إلى النار، ورغبة في استبقائهم أحياء، لعل الله يخرج من أصلابهم، إذا لم يهتدوا، من يؤمن بالله، ويحمل دعوة يُراد لها أن تذيع  وتنتشر، وأما العبارة التي في النص الآخر، إن لم تُحمل على حالة خاصة أُشيرَ إليها، فتصوِّر النبي في صورة مَن قُهر، ولا يملك نفسه إذ أُهينت، فيخرج خبأها، بإرادة في الانتقام، يُشتمُّ منها رائحة التعجّل به، وهو نزوع إلى تحقيق شيء تنأى عنه رسالة الأنبياء والرسل.

وحين يُضاف إلى ما سبق من احتجاج بذاك الحديث أن يُضعَّف قول النبي، صلى الله عليه وسلم، لأهل مكة عقب الفتح: “ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا: خيرا، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء[11]، وقد اشتهر في السيرة، مع نصوص أخرى تُظاهره دليلا على سماحته، صلى الله عليه وسلم، وعفوه على أهل مكة، وذاع أمره بين الخصوم والأعداء، وأُشهِر دوما في وجه من يجادل أو يشكك، استنادا فقط إلى ما تقتضيه شرائط التصحيح والتضعيف الظاهرة، ودون التفات إلى نهج التساهل في أخبار السيرة،  وبمعزل عن مراعاة النظرة المقاصدية التي تؤكده ولا تأباه: فإن هذا التضعيف لا يوحي فقط بتقويض انطباع ترسخ، طيلة قرون وتأسست عليه آداب ودعوة، تُحبب الناس في دين يمقت التشدد، وتجلب إليه أناسا أضناهم العنف الذي ساد بين الطوائف والأديان، بل يُعلي عليه ما يناقضه، ويستبدل الأدنى بالذي هو خير، في تأسيس لوعي زائف، نشهد بعض مآلاته اليوم بيننا.

الهوامش

[1] القرطبي “أحكام القرآن” دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1405- 1985، (6/190- 191).

[2] النووي “شرح النووي على صحيح مسلم” دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1389- 1978، (12/86- 87).

[3] الإمام أحمد “المسند” تحقيق أحمد شاكر، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة:  (5/227-228).

[4] ابن قيم الجوزية “زاد المعاد” توزيع دار الباز للنشر والتوزيع، مكة المكرمة:  (2/67).

[5] المصدر نفسه.

[6]ابن حبان “صحيح ابن حبان” تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1414-1993: (14/ 529).

[7] المصدر نفسه، (14/ 526).

[8] ابن حجر “فتح الباري بشرح صحيح البخاري” تصحيح وتعليق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، نشر وتوزيع: رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد- السعودية، (7/ 165- 166).

[9] المصدر نفسه، (6/ 313) وشرح النووي على مسلم: (12/ 154- 155).

[10] المناوي “فيض القدير” المكتبة التجارية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1356 هجرية: (2/ 120).

[11] ضعفه الشيخ الألباني وقال: ليس له إسناد ثابت، انظر: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة: 32، مع أن كُتّاب السيرة ذكروا هذا النص ضمن أحداث الفتح والدخول إلى مكة، من دون التفات لسنده، فضلا عن مناقشته.

الوسوم
اظهر المزيد

د. محمد عبد النبي

جامعة الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق