مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامدراسات وأبحاثدراسات عامة

عمل المرأة الأم في المغرب بين الخيار والضرورة

سمية شقروني

“المساواة في الحقوق والواجبات من مبادئ ديننا الحنيف، والمشاركة في الحياة العملية هو اختيار للمرأة، ويدخل في إطار حقوقها كعنصر من مكونات هذه المساواة، كما أن للطفل كما أشرت الحق في الترعرع بين أحضان والدته، وعلى هذه الأخيرة أن توفر له شروط الترعرع السليم أثناء غيابها إذا ما اختارت ولوج سوق الشغل” كان هذا جواب المدير التنفيذي للمرصد الوطني لحقوق الطفل على سؤال تم طرحه عليه في حوار بأحد المنابر الإعلامية حول حقوق الطفل بالمغرب.

المثير للاهتمام في هذا التعليق السالف الذكر، الجزء الأخير من الجواب والذي يدفعنا للتساؤل حول ما إذا كانت المرأة الأم ملزمة فعلا وقادرة بمفردها على توفير الظروف الملائمة والصحية اللازمة لترعرع طفلها، وتنشئته تنشئة سليمة، هذا ما إذا ما اختارت طبعا أن تلج سوق العمل، وهل فعلا هناك إمكانية للتوفيق بين عمل المرأة “الأم” وحياتها الأسرية؟

الجواب على هذه الإشكالية يحيلنا على تساؤلات أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها:

هل العمل خارج البيت يعد اختيارا للمرأة الأم أم ضرورة؟ هل هي المسئولة عن خروجها لسوق العمل؟ وهل يجب أن تتحمل وحدها عواقب اختيارها؟

تصنيف عمل المرأة

بالإستناد إلى قاموس العمل، يمكننا تصنيف عمل المرأة وفق مقاربتين:

الأولى: مقاربة اقتصادية؛ والتي يُعتبر عمل المرأة بموجبها أحد آليات الإنتاج التي يمكن أن ينتج عنها بضاعة أو خدمة يمكن تقييمها مقابل أجر تتقاضاه المرأة العاملة.

الثانية: مقاربة اجتماعية؛ وتصنف عمل المرأة ضمن خانة الأنشطة الجسدية المضنية والمتكررة والملزمة لها والتي تؤديها في معظم الأحيان بدون مقابل مادي مثل الأعمال المنزلية المتمثلة بالأساس في إدارة شؤون البيت وجميع متطلباته من تنظيف وطبخ وكذا الاعتناء بالزوج والأبناء ومستلزماتهم…

حق المرأة في العمل

اعتمد المجتمع الدولي منذ ما يزيد على نصف القرن مجموعة من الاتفاقيات والمواثيق المتعلقة بحقوق الإنسان بشكل عام، فعلى المستوى العالمي، كرس ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945 لمبدأ المساواة في الحقوق “نحن شعوب الأمم المتحدة، (…) لنؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان، في (…) المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء”.

في عام 1979 تم اعتماد اتفاقية دولية محددة بشأن حقوق المرأة، ويتعلق الأمر باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو أو سديف)، والتي صادق عليها إلى حدود 2007 حوالي   185 بلدا من بينهم المغرب، وكان ذلك سنة 1993 على هامش المؤتمر الدولي لفيينا. وتعتبر هذه الاتفاقية المرجع الرئيسي للدول الأعضاء فيما يتعلق بحقوق المرأة، والتي تلزمهم بوضع قوانينهم الداخلية وفق مبدأ المساواة بين الجنسين، وإنشاء آليات لمكافحة التمييز ضد المرأة في مختلف المجالات، بما في ذلك العمل.

يبقى السؤال المطروح أمامنا هو: ما مدى ملاءمة القوانين الداخلية للدول الأعضاء بما فيها المغرب للمواثيق الدولية؟ وهل يتم فعلا الالتزام بها على أرض الواقع؟

اختيار للمرأة

للاقتراب أكثر من النساء الأمهات العاملات بالمغرب، قمنا بتوزيع استمارة بشكل عشوائي على عينة منهن يعملن بمجالات مختلفة بالقطاع الخاص، وقد تم التركيز على هذا القطاع بالذات لسببين:

أولهما: ارتفاع نسبة النساء العاملات بهذا القطاع 26.9  % في سنة 2009 مقابل 24.5  % في القطاع العام من نفس السنة.

ثانيا: لما تشكله القوانين المعمول بها في هذا القطاع من معيقات تؤثر سلبا على المرأة الأم بصفة خاصة وعلى محيطها الاجتماعي والاقتصادي بصفة عامة. وقد اشتملت الاستمارة على مجموعة من الأسئلة تصب في مجملها نحو هدف واحد هو التعبير عن مدى إمكانية توفيق المرأة بين العمل داخل البيت وخارجه.

حسب النتائج المحصل عليها والتي تبقى نسبية ولا تعبر على وضع المرأة الأم العاملة بشكل إجمالي وشامل، إلا أنها تقدم صورة ليست بعيدة عن الواقع المعاش لفئة كبيرة من الأمهات العاملات بالمجتمع المغربي. وعن سبب خروج المرأة للعمل؛ حيث اعتبرت بعض النساء ممن شملهن الاستطلاع أن العمل يعد خيارا يساعدهن على كسب مهارات وخبرات متعددة في مجالات مختلفة تمكنهن من إثبات الذات وكسب الاستقلالية المادية، خاصة بالنسبة للأمهات العاملات ذات مستوى تعليمي عالي نسبيا. فيما يعتبر البعض الآخر أن العمل هو ضرورة ووضع مفروض عليهن بالنظر إلى العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها نسبة مهمة من النساء بالمغرب.

وفي هذا السياق، فقد أثبتت الإحصائيات التي قامت بها المندوبية السامية للتخطيط والتي نشرت نتائجها  سنة 2010 بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للمرأة حول “تطور وضع المرأة المغربية مميزاته الديمغرافية والسوسيواقتصادية  لعام 2008، على الأقل فيما يتعلق بالأوضاع الاقتصادية التي تدفع المرأة للخروج إلى سوف العمل والتي هي تحصيل حاصل للعوامل الاجتماعية (المذكورة آنفا)، هناك تكلفة العيش والحالة المزرية التي تعيش فيها أكثر من 9% من النساء المغربيات اللاتي يعشن تحت وطأة الفقر وخاصة المرأة القروية بمعدل 14.5% حسب منشور المندوبية السامية للإحصاء لسنة 2010.

انعكاسات الخيار

لقد أصبح عمل المرأة اليوم، سواء كان اختياريا أو اضطراريا، حقيقة قائمة وواقعا اجتماعيا يفرض نفسه بقوة في المجتمع المغربي، وقد ساهم خروجها للعمل في إلغاء الأدوار النمطية التي كانت المرأة المغربية تؤديها في الماضي كزوجة وأم فقط. فبالإضافة إلى الدور الاجتماعي الذي يلعبه عمل المرأة في الرقي بوضعيتها داخل المجتمع وذلك من خلال مساعدتها على القيام بالأدوار المنوطة إليها بشكل إيجابي، يمكنها من الإسهام في التقدم الاجتماعي وتحقيق التوازن السكاني والبيئي؛ كما يلعب دورا جوهريا في النمو الاقتصادي للبلد عن طريق الرفع من مستواها المهني وكسب الخبرات في مجالات متعددة مما ينعكس إيجابا على الناتج الداخلي العام. بيد أن عمل المرأة الأم خارج بيتها نجمت عليه مساوئ عديدة كانت لها انعكاسات سلبية كثيرة سواء على المرأة نفسها أو على محيطها.

على المستوى الديمغرافي:

المثير للانتباه في الاستطلاع الذي قمنا به، هو أن عدد الأطفال بالنسبة للمستجوبات ما بين سن 35 و 49 سنة لا يتجاوز طفلين على الأكثر ويتراوح سنهم ما بين 2 و20 سنة. هذا ما تؤكده إحصائيات المندوبية السامية لسنة 2008، والتي أظهرت أن هناك انخفاض ملحوظ في عدد الولادات الذي لا يتجاوز العدد 2.33 سنة 2007 مقابل4.7 في سنة 1987.  ويفسر هذا الانخفاض حسب هؤلاء النسوة بغلاء المعيشة والمصاريف اللازمة لتربية الأبناء، مما قد ينتج عنه مستقبلا انخفاض على مستوى النمو الديمغرافي وشيخوخة الهرم السكاني كما هو الحال بالنسبة للدول المتقدمة.

على المستوى الاجتماعي:

بالاستناد إلى نتائج الاستبيان وجوابا على سؤال الانعكاسات التي يخلفها العمل خارج البيت على صحة الأم، فجل الأمهات أكَّّّّّّدن على:

إحساسهن بإرهاق وتعب دائم ناتج بالأساس عن إلزامية قيامهن بمهام عديدة في وقت وجيز.

معظمهن يعانين من أمراض جسدية مثل ارتفاع ضغط الدم وارتفاع الكولسترول في الدم، واضطرابات الجهاز الهضمي، والحساسية والصداع النصفي؛

تأثير سلبي على العادات الغذائية؛

حالة من الاكتئاب والاضطرابات النفسية والمزاج المتقلب؛

عدم الرضا عن الحياة الأسرية ناتج بالأساس عن عدم تمكنهن من القيام بأدوارهن بشكل جيد كأمهات وزوجات. فمنهن من تخرج مند الساعات الأولى من الصباح حتى زوال بهدف توفير دخل لإعالة الأسرة لتعود بعد يوم عصيب من العمل لتجد زوجها وأولادها فبانتظارها.

على المستوى المهني والاقتصادي:

بالنسبة للأم العاملة، فهناك حالة من عدم الاستقرار في العمل والتي تنتج عن انخفاض أدائها الوظيفي بسبب كثرة عدد ساعات الغياب مما يشكل حاجزا دون ترقيتها أو يحول دون تقلدها مناصب المسؤولية وبالتالي وجود عدم تكافؤ الفرص بينها وبين زميلها الرجل في العمل؛ أما بالنسبة لأرباب العمل، فكثرة غياب الأم العاملة نجدها تتمحور بالأساس ولدى معظم النساء في الفترة المتعلقة بالحمل، الإنجاب والرضاعة مما ينتج عنه نوع من الاستياء وعدم رضا بعض المسئولين في العمل، كما تشكل تكلفة مادية إضافية بالنسبة لأرباب العمل، وفي ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة.

وترى معظم الأمهات أن هناك ضرورة ملحة لإيجاد حلول تساعد على تسهيل إدماج المرأة الأم في العمل من خلال:

توفير إمكانية الحصول على دور للحضانة مدعومة من طرف الدولة توفر الظروف الملائمة والصحية لتنشئة الطفل تنشئة سليمة في غياب أمه، قصد مساعدة الآباء والأمهات ذوي الدخل الضعيف الذين لا يجدون من يساعدهم على رعاية أطفالهم في غيابهم. إعطاء الإجازة الأبوية لأحد الأبوين مدفوعة الأجر لفترات طويلة والتي قد تمتد إلى ثلاث سنوات كما هو الشأن بالنسبة لبعض الدول التي أحرزت تقدما في هذا المجال.

تعديل التشريعات المنظمة لعمل الأم تمكن من ملاءمة الإجازات المرضية والموسمية للأطفال لعطل الأبوين الأم التي لديها أطفال ما بين 0 و6 سنوات

تبني توقيت عمل مرن بالنسبة للأم العاملة لتمكينها لرعاية أطفالها ما بين سن 0 حتى 3 سنوات وذلك بالسماح لها بمقاطعة نشاطها لفترة زمنية في اليوم للاعتناء شخصيا بأطفالهم خصوصا من هم قي سن مبكرة، أوقات العمل المرنة.

كل هذه التدابير التي سيكون لها مما لا شك فيه أثرا إيجابيا على المجتمع بكل مكوناته وعلى كافة المستويات سواء الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، خصوصا بعد انخراط المغرب في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.. ومن أجل الوفاء بالتزاماته اتجاه المجتمع الدولي، ووعوده وتطلعاته اتجاه المجتمع المغربي، فإن المغرب مطالب بتعبئة جميع طاقاته من الموارد البشرية التي يشكل فيها العنصر النسوي ثروة مهمة حوالي 50.7  %من مجموع ساكنة المغرب حسب مندوبية الإحصاء لسنة 2010 عبر بتوفير ظروف أمثل لمشاركة فعالة في المجتمع للمرأة المغربية لتمكينها من ممارسة هذا الحق، حتى لو أن ممارسة هذا الحق يعتبر بالنسبة للبعض منهن خيار إلا أنه بالنسبة لفئة كبيرة من النساء أن هذا الحق هو ضرورة أصبحت ملحة.

مراجع بالفرنسية

La femme marocaine en chiffre /Tendance d’évaluation des caractéristiques démographiques etsocioprofessionnelle/Octobre 2008/HCP. (à l’occasion de la journée mondiale de la femme).

Femme et homme en chiffres 2010/HCP

Discours royale du 18/05/2005 sur le lancement de l’initiative nationale pour le développement humain

http://www.indh.gov.ma/fr/discours.asp

Code du travail

http://www.espace-actu.com/wp-content/uploads/2010/11/CodeDeTravail-2004.pdf

rapport sur le budget du genre /projet de la loi de finance pour l’année 2011/ministère de l’économie et de finance / page 14,parag1

CEDEF: comité pour l’élimination de toutes formes de déscrimination à l’égard des femmes/

www.un.orgfrench

La maternité et le travail hors du foyer/ étude entreprise par le political and economic planing du p 362 au p 366

http://www.jstor.org/pss/1523738

Elisabeth BATNER «  Conflit, la femme et la mère » édit Flammarion

Mouvement français pour planning familial / du droit au travail aux droits du travail / www.plannig-familial.org

Vanessa Gauthier « Droit de la femme à l’international »récapitulatif  / www.base.d-p-h.info/fr

مراجع بالعربية

المرأة ومدونة الشغل المغربية… مقاربة سوسيولوجية

http://www.c-we.org/ar/show.art.asp?aid=49240

فضيلة مهري/ ” معوقات مساهمة المرأة العربية في عملية التنمية

الاقتصادية والاجتماعية “

http://www.womengateway.com/arwg/e-+library/Studies/Economicla/mo3waqat.htm

حاجة المرأة غير الموظفة للعمل أهي مادية أم اجتماعية…المنظور الاجتماعي

http://furat.alwehda.gov.sy/_archive.asp?FileName=59534060220100224235304

انتقال عمل المرأة العربية من داخل البيت وخارجه/دراسة لمنظمة الأسكوا- المنظمة العربية للعلوم والتكنولوجيا حول عمل المرأة

دراسة حالة على المغرب: كيف صارت المرأة جزءا من سوق العمل /ميشيل كارلا موريللي/ الجامعة الأمريكية بواشنطن/مركز دراسة الإسلام والديمقراطية مراد

www.csidonline.org 

إشكالية عمل المرأة العربية وأبعاده الاجتماعية والاقتصادية مركز الدراسات والأبحاث /الأمل/ المركز العربي للمصادر والمعلومات حول العنف ضد المرأة 2007

http://www.wata.cc/forums/showthread.php?t=8219

نشر بتاريخ 20/02/2012

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق