مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

علماء التصوف ومنهج الجمع بين علمي الشريعة والحقيقة

عمل السادة الصوفية على الجمع بين العمل الأخلاقي أو الممارسة السلوكية الصوفية والشريعة، في إطار وحدة متكاملة لا يمكن الفصل بينها وتجزئتها، فالفقه عندهم مفهوم شامل يشمل الأحكام التكليفية العملية والأحكام التكليفية القلبية.

فلا تكاد تجد عالما يشتغل بالفقه أو الحديث… إلا وله نصيب من التصوف، ولا تكاد تدخل زاوية من الزوايا في ربوع العالم إلا وفيها جناح خاص للتعليم والتدريس.

ومن الأمور الخطيرة التي تسربت واستفحلت عند أدعياء التصوف هو الفصل بين الشريعة والحقيقة، وادعاؤهم أنهم أهل الباطن وغيرهم أهل الظاهر، ليبرروا عدم انصياعهم لأوامر الشرع أو التملص من التكاليف الشرعية بدعوى أنهم وصلوا مقام القرب الذي لا يحتاج معه المريد إلى أي تكليف، ولا شك أن هذه الأمور من المهلكات وتعتبر من العبث والاستهزاء بشرع الله، وقد حذر الصوفية من مثل هذه الانحرافات، فالصوفي الحق المتبع للسنة، يتحمل المشاق في سبيل إرضاء الله سبحانه وتعالى، وإبقاء حبل الوصال معه، وذلك لن يتأت إلا بمحاربة الكسل والخمول والبطالة وكذا مخالفة الهوى والنفس.

من أجل ذلك مدح  الشاطبي الطريقة الصوفية المتبعة للسنة، واعتبرها مسلكا سليما، وقد ضرب لنا مثالا في تمسك الصوفية بالشرع وعدم تهاونهم بأوامره، وذلك من خلال عدم الركون إلى الرخص، لأن العمل بالرخص فيه إتباع للشهوات النفس وأهوائها كما لا يؤمن فيه من السقوط في حبائل الشيطان ومكره “ولأجل هذا أوصى شيوخ الصوفية تلامذتهم بترك اتباع الرخص جملة وجعلوا من أصولهم الأخذ بعزائم العلم وهو أصل صحيح مليح مما أظهروا من فوائدهم  رحمهم الله”.[1]

ولذلك قالوا: “إذا انحط الفقير عن درج الحقيقة إلى رخص الشريعة فقد فسخ عهده مع الله تعالى ونقضه”.[2]

وبهذا يتميز نظر  الصوفية عن نظر الفقهاء؛ فهم ينظرون إلى مآلات الأفعال من تحصيل الكمال والتقرب إلى مولاهم بأحسن الهيئة وأتم صورة، يقول الشيخ زروق: “نظر الصوفي للمعاملات أخص من نظر الفقيه، إذ الفقيه يعتبر ما يسقط  به الحرج، والصوفي ينظر ما يحصل به الكمال”.[3]

إن هذا المنهج الذي سلكه الصوفية جعلهم لا يخرجون عن الوسطية والاعتدال التي هي من خصائص هذه  الأمة، بل هم واقفون عند حدود الشرع في حركاتهم وسكناتهم، ويحاسبون أنفسهم على النقير والقطمير أكثر من غيرهم ممن لم ينتظم في سلوكهم، ويدافع الشاطبي عن أحوالهم هته بقوله: “فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم وتكلفوا ما لم يكلفوا ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة وحاش لله ما كانوا ليفعلوا ذلك وقد بنوا نحلتهم على إتباع السنة وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة”.[4]

وحجتهم في ذلك أن الرخصة تختلف من شخص إلى آخر وكذلك فإنها تتأثر  بالأحوال وكذا الزمان، والمكلف فقيه نفسه في الأخذ بها أو تركها.

والصوفية بسلوكهم طريق المجاهدات والمكابدات والتضحية بالغالي والنفيس في ذات الحبيب صار الصعب الشاق سهلا، بل يتلذذون به ويجدون فيه حلاوة لا تضاهيها حلاوة، وعلى هذا يتخرج قولهم “سقطت عنا التكاليف” أي كُلفة ومشقة أداء العبادة لا العبادة نفسها كما يتوهم البعض، يقول الإمام الشاطبي متحدثا عن أحوالهم: “فإِلفُ الشيء والاعتياد عليه يحول الصعب الشديد إلى الميسور المحتمَل ودليل ذلك ما يأخذ به أرباب الأحوال أنفسهم من رياضات ومعالجات تصير الشاق وغير المعتاد عند غيرهم إلى مألوف  ومعتاد عندهم وهم ليسوا بدعا في ذلك بل لهم أصل يستندون إليه آلا ترى إلى قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) .[ البقرة، الآية:45.] حيث بين الله عز وجل أن الصلاة كبيرة على المكلف واستثنى الخاشعين الذين كان إمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي كانت قرة عينه الصلاة حتى كان يستريح إليها من تعب الدنيا ويقول: (أرحنا بها يا بلال[5] وقام بها حتى تورمت قدماه.

فإذا كان كذلك فمن خص بورثته في هذا النحو نال من بركة هذه الخاصية”.[6]

والسبب الثاني الذي يجعل الشاق سهلا والصعب ميسورا هو: الوصال من محبوبهم، والطمع في رضاه والخوف من البُعد.

ويبين الشاطبي هذا السبب بقوله: “فإننا ندرك ونشاهد أنه قد يكون للعامل المكلف حامل على العمل حتى يخف عليه ما يثقل على غيره من الناس وحسبنا من ذلك أخبار المحبين الذين صابروا الشدائد وحملوا أعباء المشقات من تلقاء أنفسهم من إتلاف مهجهم إلى ما دون ذلك وطالت عليهم الآماد وهم على أول أعمالهم حرصا عليها واغتناما لها طمعا في رضا المحبوبين واعترفوا بأن الشدائد والمشاق سهلة عليهم بل لذة لهم ونعيم وذلك بالنسبة إلى غيرهم عذاب شديد وألم اليم.

وعلى هذا الأصل يتخرج كثير من الأعمال الثقال التي وردت عن كبار الصوفية بل وعن كبار الصالحين من الصحابة والتابعين”.[7]

اعتنى الصوفية بالعلوم المختلفة، وعملوا على حفظها ودراستها، وتدريسها ونشرها، وكانت للزوايا -وما تزال- آثار عظيمة في الحفاظ على هذه العلوم، حيث احتلت العلوم الشرعية المرتبة الأولى من حيث الاهتمام، كعلم العقيدة وعلوم القرآن وعلوم الحديث، كما اهتموا بجمع الكتب ونودار المخطوطات فأسسوا مكتبات ضخمة واهتموا بتشييد المدارس والمعاهد، ومحل سكنى الطلبة، مع الاهتمام بشؤونهم…

وشيوخ التصوف المتبعين لمنهج السلف -كما تذكر المصادر – لهم قدم راسخة في علوم الشريعة، فمثلا

 الشيخ أبو عبد الله محمد ابن الشيخ  أبي بكر بن محمد ابن سعيد  المجاطي الصنهاجي، (967هـ/ ت1046هـ)،

يعد من بين الشيوخ الثلاثة الذين أحيوا العلم بالمغرب. وفي ذلك يقول القادري: “لولا ثلاثة لانقطع العلم

 من المغرب في القرن الحادي عشر لكثرة الفتن التي ظهرت فيه، وهم: سيدي محمد بن أبي بكر  في ملوية من بلاد فزاز،

 وسيدي محمد بن ناصر في الصحراء، وسيدي عبد القادر الفاسي بفاس”.[8]

وكان – رحمه الله – يُدرِّس مختلف العلوم بحكم تكوينه الشامل إلا أنه برز في التفسير والحديث، وتخصص فيهما، وكانت مجالسه مقتصرة عليهما، وكان يحفظ صحيحي البخاري ومسلم وبقية الكتب الستة وغيرها ويعرف الروايات المختلفة ورجال الأسانيد، مع كثير من الضبط والتحري.[9]

وكانت دروسه الحديثية متميزة جدا، بحيث “لم يأل جهدا في التصحيح والترجيح، والتحسين والتقبيح، مزيفا لحجج أهل البدع والأهواء، مقويا لآراء أهل الحنفية البيضاء، مع الحفظ والضبط والاتقان”.[10]

كما نذكر في هذا الصدد مولاي علي الشريف الذي قسَّم عمره على ثلاثة أقسام: “فقسم تصدى فيه لنشر العلوم، وقسم لإعلاء كلمة الله وإحياء الرسوم، وقسم للخلوة والذكر والسر المكتوم”.[11]

وكان رحمه الله من العلماء الأعلام المشهود لهم بالتقدم والرياسة في العلم، وفنون النقل، “وبهذا يُعلم أنه كان مشهورا في زمانه متقدما في عصره وأوانه مشهودا له بالصلاح والولاية، معروفا برياسة الدنيا رأسا في العلم والدراية ملحوظا بعين الإجلال والتعظيم عند الملوك والكبراء”.[12]

وكان رحمه الله مدرسة متنقلة، فأيُّما مكان حلَّ فيه إلا وله فيه مآثر جليلة، ومفاخر عظيمة، فقد عاش رحمه الله متنقلا في ربوع المغرب إلى تخوم إفريقيا لنشر العلم وبثه في صدور الناس، ذلك ما نستشفه من بعض الرسائل كرسالة الفقيه الخطيب المغربي المبارك أبي الحسن علي بن عبد الله، ونصها: “وبعد حمد الله الواجب تقدمه أول الكلام، والصلاة التابعة على سيدنا محمد عليه السلام، يسلم العبد الفقير إلى رحمة مولاه، علي الشريف نجل الشرفاء الصالحين، والفضلاء العابدين، المشتهرة في عصرنا أخباره، ولاحت للناظرين بغربنا أنواره، وعمت في المدن والقرى أسراره، أبي الحسن مولانا علي الشريف”.[13]

يتضح مما سبق أن منهج شيوخ التصوف مبني على التمسك بالكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة والعمل بهما ظاهرا وباطنا، وترسيخ هذا المنهج في وجدان الناس، وأن أي دعوة لا تقوم على منهج الجمع بين العلمين فهي دعوة باطلة، ولا أساس لها.

[1] الموافقات، الشاطبي، المحقق: عبد الله دراز ومحمد عبد الله وعبد السلام محمد، دار الكتب العلمية، لبنان، ط7، 2005، 2/ 230.

[2] الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، عبد الوهاب الشعراوي، تحقيق وتقديم: طه عبد الباقي سرور والسيد محمد عيد الشافعي، مكتبة المعارف، بيروت، ط1، 2003م، 48/1.

[3] قواعد التصوف، للشيخ زروق، 64.

[4] الموافقات، 4/ 639،

[5] شرح سنن أبي داود للعلامة آبادي، دار الحديث، القاهرة، طبعة 2001م، 309/8.

[6]  الموافقات، 2/ 135.

[7] الموافقات، 1/ 315.

[8] نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، محمد بن الطيب القادري، تحقيق : محمد حجي و أحمد التوفيق، الناشر: مكتبة الطالب – الرباط، المملكة المغربية، الطبعة : الأولى – من سنة 1977م إلى 1986م، 4/ 1640. 

[9] مدرسة الإمام البخاري في المغرب، يوسف الكتاني، دار لسان العرب، لبنان، بدون طبعة، بدون تاريخ، 2/ 488.

[10] البدور الضاوية في مناقب أهل الزاوية الدلائية، لأبي الربيع سليمان الحوات (ت1747هـ)، تحقيق وتقديم: عبد الرحمان كظيمي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها، تحت إشراف الدكتور عباس الجراري، جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الانسانية شعبة اللغة العربية وآدابها، الرباط، المملكة المغربية،1412هـ/1992م، 1/ 162.

[11] الدرر البهية والجواهر النبوية، مولاي إدريس الفضيلي، مراجعة ومقابلة: أحمد بن المهدي العلوي، و مصطفى بن أحمد العلوي، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المملكة المغربية، 1420هـ/1999م، 1/ 117.

[12] المصدر السابق نفسه، 1/ 119.

[13] المصدر السابق نفسه، 1/ 127. والأنوار الحسنية في نسبة من بسجلماسة من الأشراف المحمدية، أحمد بن عبد العزيز العلوي، ص: 41.

Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق