مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات محكمة

شواهد ابن عقيل الحلقة الثالثة

الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه ومن والاه.

  • شواهد المعرب والمبني:

الشاهد الرابع:

فَإِمَّا كِرَامٌ مُوسِرُونَ لَقِيتُهُمْ /// فَحَسْبِيَ مِنْ ذُو عِنْدَهُمْ مَا كَفَانِيَا

أنشده ابنُ عقيل في مبحث الأسماء الستة، وذلك عند قول ابن مالك في الألفية:

مِنْ ذَاكَ ذُو إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا /// وَالْفَمُ حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا

وهو مبحث الأسماء التي إعرابُها بالحروف نيابة عن الحركات، والشاهد فيه »ذُو« التي هي في لغة طيئ بمعنى الاسم الموصول »الذي«، ويكون إعرابها بالواو رفعا ونصبا وجرا، وهي في بيت الشاهد اسم موصول بمعنى »الذي« مبني على السكون في محل جر بالحرف »من«. أما التي أراد ابن مالك في بيت الألفية، فهي التي تُفهم الصحبة، وتكون مضافة إلى ما بعدها.

وقد أعاد ابن عقيل الاستشهاد به في باب الموصول، قال: »والأشهر في ذو هذه -أعني الموصولةَ- أن تكون مبنية، ومنهم من يعربها بالواو رفعا وبالألف نصبا وبالياء جرا، فيقول: جاءني ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام، فتكون مثل ذي بمعنى صاحب«(1)، وأنشد البيت برواية: »ذي«، فتكون حينئذ بمعنى »الذي« في لغة طيئ، لكنها معربة.

ومثله قول الآخر:

فَإِنَّ الْمَاءَ مَاءُ أَبِي وَجَدِّي /// وَبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ

وقد أنشده ابن عقيل في الموضعين من غير عزو إلى قائله، وهو لمنظور بن سحيم الفقعسي(2) كما عند المرزوقي في شرح الحماسة(3)، لكنه برواية: »مِنْ ذِي«، وهي رواية العيني في المقاصد النحوية(4)، أورده كذلك منسوبا إلى منظور بن سحيم الفقعسي.

الشاهد الخامس:

بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ في الْكَرَمْ /// وَمَن يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ

ذكره ابن عقيل عند قول ابن مالك في الألفية:

‌أَبٌ ‌أخٌ ‌حَمٌ ‌كَذَاكَ، وَهَنُ /// وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ

وَفِي أَبٍ وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ /// وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ

على أن فيها لغتين أخريين غير لغة الإعراب بالحروف، فالأولى: النقص، وهي حذف الألف والواو والياء، وإعرابها بحركات على الحرف الأخير، وعليه بيت الشاهد إذ قال: «بِأَبِهِ»، ولم يقل: «بِأَبِيهِ»، وقال: «يُشَابِهْ أَبَهُ»، ولم يقل: «يُشَابِهْ أَبَاهُ». وكذلك الشأن في «أَبٌ» و«حَمٌ»، لكن النقص نادر، وإنما المشهور هو إعرابها بالحروف.

وأما اللغة الثانية، فهي ما عليه الشاهد الآتي، ونعرض لها في حينها.

ولم يذكر ابن عقيل قائل البيت، وهو -كما عند العيني في المقاصد(5)– لرؤبة بن العجاج من رجز له في مدح عدي بن حاتم الطائي، وفيه نظر، فإن عديا صحابي توفي بعد سنة ستين(6)، ورؤبة سنة 145هـ، فالغالب أنه لم يدركه، أو يكون قاله على مجرى المثل.

ويعضد هذا الشك، أن البيت ليس في صلب ديوان رؤبة، وإنما هو مما أُلحق به(7).

الشاهد السادس:

إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا /// قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا

هذا هو شاهد اللغة الثانية، وهي أن تكون بالألف على أي حال وردت رفعا ونصبا وجرا، مٌقَدَّرَةً عليها الحركاتُ جميعا. قال ابن عقيل: «وهذه اللغة أشهر من النقص»(8). وهي لغة بلحارث بن كعب كما ذكر الجوهري(9).

على أنه لم يَعْزُ البيت إلى قائله، وهو مُتَنَازَعٌ بين أبي النجم العجلي(10) ورؤبة بن العجاج. قال العيني في المقاصد: «قائله هو أبو النجم، قاله الجوهري. ويُقال: هو رؤبة بن العجاج، وليس في ديوانه، وأنشد الجوهري:

وَاهًا لِرَيَّا ثُمَّ ‌وَاهًا ‌وَاهًا /// هِيَ الْمُنَى لَوْ أَنّنَا نِلْنَاهَا

يَا لَيتَ عَينَاهَا لَنَا وَفَاهَا /// بِثَمَنِ نُرْضِي بِهِ أَبَاهَا

إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا /// قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا»اهـ(11).

أقول: في كلام العيني نظر، فإن الجوهري لم يذكر بيت الشاهد بعينه، وإنما ذكر ما قبله برواية:

وَاهًا لِرَيَّا ثُمَّ ‌وَاهًا ‌وَاهَا

يَا لَيتَ عَينَيْهَا لَنَا وَفَاهَا

بِثَمَنٍ نُرْضِي بِهِ أَبَاهَا(12)

ولا شاهد فيه حينئذ فيما نحن فيه؛ لأنه أعرب «عَيْنَيْهَا» بالياء على أنه مثنى كما هو المشهور في ذلك، ويبعُد أن يكون الشاعر استعمل اللغتين في بيت واحد. ثم إن البيت مُثبت في ديوان رؤبة(13)، وليس كما نفى العيني.

ثم إن العيني قال بعدها: «وأنشد أبو زيد في نوادره عن المفضل الضبي، قال: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:

أَيَّ قَلُوصِ رَاكِبٍ تَرَاهَا /// شَالُوا عَلَيْهِنَّ فَشُلْ عَلَاهَا

وَاشْدُدْ بِمَثْنَيْ حَقَبٍ حَقْوَاهَا /// نَاجِيَةً وَنَاجِيًا أَبَاهَا

إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا /// قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا»اهـ.

قلت: الذي في نوادر أبي زيد البيتان الأولان فقط دون بيت الشاهد(14). ويمكن أن تكون نسخة العيني تامة، والتي وقعت إلينا مما أشار إليه وقعت ناقصة، فسقط منها البيت.

وفي البيت شاهد آخر، وهو إعراب المثنى بالألف مطلقًا، وهو قوله: غَايَتَاهَا، فإنه وقع مفعولا به للفعل «بَلَغَا» وحقه النصب بالياء لأنه مثنى، لكنه نصبه بالألف على هذه اللغة، ولم يعرض له ابن عقيل.

  • ما يؤخذ مما تقدم:
  • قد يكون في البيت الواحد أكثر من شاهد، وسبيل النحاة في هذا الشأن أن يذكروا كل شاهد في موضعه من الكتاب، وقد تجد منهم مَن إذا عرض للبيت استوفى ما فيه من شواهد في موضع واحد، ومنهج ابن عقيل أن يذكر كلًّا في موضعه كما فعل مع الشاهد الرابع. وقد يغفله كما فعل مع الشاهد السادس.
  • في الشاهد الرابع والسادس، وردت فيهما رواية ثانية تُسقط الاحتجاج بهما على قاعدة تَطَرُّقِ الاحتمال إلى الشاهد، وترى النحاة يوردون ما كان على هذه السبيل على الرواية المشهورة ويجعلونه حجة لهم.
  • يؤخذ من الشاهد السادس أنه لا بأس بالشاهد إذا نُسب إلى شاعرين كلاهما ممن يُحتج به، فذلك لا يخرج به عن قواعد الاحتجاج، إلا أن يُنسب معهما إلى شاعر آخر لا يُحتج به، فحينئذ يُنظر في صحة النسبة عند المتقدمين، ولا تُراعى نسبة المتأخرين.

والله أعلم، والحمد لله رب العلمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك: 1-1/143.

2-منظور بن سحيم الفقعسي الكوفي، إسلامي ذكره المرزباني في معجم الشعراء فيمن اسمه منظور.

3-شرح الحماسة للمرزوقي: 1158، بتحقيق عبد السلام هارون.

المقاصد النحوية للعيني: الشاهد 4-15.

المقاصد النحوية: الشاهد 5-16.

الإصابة في تمييز الصحابة: 6-4/388.

انظره في ملحقات ديوانه بتحقيق وليم بن الورد: 182. وانظر لسنة وفاته وفيات الأعيان لابن خلكان: 7-2/303.

شرح ابن عقيل: 8-1/53.

9-انظر صحاح الجوهري: (مادة: علا).

10-هو في ديوان أبي النجم العجلي بنفس الرواية: 45، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق. واسمه الفضل بن قدامة بن عبيد بن عبيد الله بن عبدة بن الحارث بن إياس بن عوف بن ربيع بن مالك بن ربيعة بن عجل. انظر معجم المرزباني: 310، توفي سنة 130هـ. وترجمة رؤبة عند ابن خلكان: 3/303.

المقاصد النحوية للعيني: الشاهد 11-17.

12-انظرها منسوبة إلى أبي النجم في صحاح الجوهري: (مادة: ووه).

13-ديوان رؤبة: 168، بنفس الرواية، وهو في آخر الديوان فيما نُسب إليه أو إلى أبيه العجاج.

نوادر أبي زيد: 14-259.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق