مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

شاعرية علي بن أبي طالب في الميزان (ح1)

تمهيد:

أثيرت حول شعر الإمام علي رضي الله عنه أسئلة كثيرة تتعلق بسؤال الشاعرية أوَّلًا، ومن ثم نسبة هذا الكم الهائل من الشعر الذي نطلع عليه في ديوانه بطبعاته المختلفة، إذ بين أيدينا اليوم ما ينيف على عشرين طبعة لديوان علي بن أبي طالب منشورة في المكتبات، أغلبها ذات طابع تعليمي تفتقر إلى التحقيق الجيد، وسوف نعرض لبعض هذه الطبعات لاحقا في عرض الموضوع.

وقد جعلت عنوان البحث كما يلي: «شاعرية علي بن أبي طالب في الميزان»، وهذا يحتم علينا بالتأكيد أن نطلع على كفتي الميزان كلتيهما حتى يَحسُن ترجيح واحدة على الأخرى بصدق وموضوعية لذلك نقسم البحث إلى محورين اثنين كل محور يشكل عندي كفة:

المحور الأول: الشك في الشعر المنسوب إلى علي رضي الله عنه وإنكاره:

المحور الثاني: إثبات الشعر المنسوب إلى علي رضي الله عنه وعدم الشك فيه أو إنكاره:

المحور الأول: الشك في الشعر المنسوب إلى علي رضي الله عنه وإنكاره:

ومدخل الشك في شعر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرده إلى أشياء كثيرة منها:

1- كثرة ما نسب إليه من الأشعار:

في الحقيقة إن الفرق بين ما نسب إلى علي من الشعر وما يثبته العلماء له فرق شاسع جدا، ذلك أن فريقا ينسب له البيت أو الأبيات فقط، يقول المازني: «لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا أَن عَلِيَّ بْنَ أَبي طَالِبٍ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ الشِّعْرِ غَيْرَ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ:

تِلْكُمْ قُرَيْشٌ تَمنَّاني لتَقْتُلَني،*** فَلَا وَرَبِّك مَا بَرُّوا وَمَا ظَفِرُوا

فَإِنْ هلكتُ فرهنٌ ذِمَّتي لهُمُ،*** بِذَاتِ رَوْقَيْنِ، لَا يَعْفُو لَهَا أَثَرُ

قَالَ: وَيُقَالُ دَاهِيَةٌ ذَاتُ رَوْقَيْنِ وَذَاتُ وَدْقين»(1).

وشكُّ المازني في جملة شعر علي رضي الله عنه هو ما جعل تلميذه المبرد يضيف إليه شعرا آخر لا شك في نسبته لعلي رضي الله عنه، قال: «ومن شعر علي بن أبي طالب رحمه الله الذي لا اختلاف فيه أنه قاله، وأنه كان يردده، أنهم لما ساموه أن يقر بالكفر ويتوب حتى يسيروا معه إلى الشام، فقال: أبعد صحبة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والرفقة في الدين أرجع كافراً!:

يا شاهد الله علي فاشهد *** أني على دين النبي أحمد

من شك في الله فإني مهتدي

ويروى:

أني توليت وليَّ أحمد»(2).

في حين أن الفريق الآخر ينسب إليه ديوانا شعريا كاملا، وقد وجدت في الموسوعة الشعرية أن قصائده تزيد على أربعمائة قصيدة وأن مجموع أبياته فيها 1673 بيتا. وهذا شيء عجيب بكل تأكيد، ويدعو حتما إلى الشك؛ إذ إن المسافة بين الشك والإثبات قد تكون في قصيدة واحدة أو قصيدتين فكيف تكون في ديوان شعري بأكمله متعدد الأغراض والأوزان والقوافي، هذا محال المحال، يقول الزركلي: «أما ما يرويه أصحاب الأقاصيص من شعره وما جمعوه وسموه «ديوان علي بن أبي طالب» فمعظمه أو كله مدسوس عليه»(3).

2- معظم ما نسب إليه من الأشعار ينسب لشعراء آخرين:

إن الناظر في ديوان علي رضي الله عنه يجد أن معظم ما نُسِبَ إليه من الشعر ينسب في الوقت نفسه إلى شعراء آخرين، يقول خفاجي في مقدمة تحقيقه لديوان علي: «وقد يكون أكثر ما ينسب لعلي من الشعر منتحلا، لأن الإمام كرم الله وجهه لم يفرغ للشعر ولم يعش من أجله، ولكي يكون شاعرا. وليس بمعقول أن يكف لبيد عن الشعر ويخوض فيه مثل الإمام علي كرم الله وجهه، إلى هذا الحد الذي يصوره لنا الديوان المنسوب إليه. هذا وأكثر ما ينسب للإمام تصح نسبته لغيره، وإن كان جل شعره في الزهد والحكمة والموعظة»(4).

ونسوق فيما يلي نماذج من ذلك للتمثيل فقط وإلا فإن التحقيقات في ديوانه تظهر أن معظم شعره يتنازعه شعراء آخرون، وسأفصل الحديث في هذه التحقيقات في بحث مفصل إن شاء الله تعالى:

الشافعي: تنسب لعلي رضي الله عنه الأبيات التي قالها الشافعي في فوائد السفر وهي:

تغرب عن الأوطان في طلب العلى*** وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرج هم، واكتساب معيشة*** وعلم، وآداب، وصحبة ماجد(5)

وهي في ديوان علي بتحقيق المصطاوي أربعة أبيات، مضيفا إليها بيتين آخرين هما:

فإن قيل: في الأسفار ذل ومحنة*** وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد

فموت الفتى خير له من مقامه*** بدار هوان بين واش وحاسد(6)

وكذلك القصيدة التي مطلعها:

صن النفس واحملها على ما يزينها*** تعش سالما والقول فيك جميلُ(7)

وهي عند الشافعي في خمسة أبيات، وفي ديوان علي رضي الله عنه في سبعة. كما تنسب إلى محمد بن حازم الباهلي كما في (المجموع اللفيف) ص: 54، وقد نسبها الصفدي في (الوافي بالوفيات) 19/326 إلى كمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمر بن ناصر الأنصاري.

أبو الأسود الدؤلي: ينسب إلى علي رضي الله عنه بيتان لأبي الأسود وهما:

وما طلب المعيشة بالتمني*** ولكن ألق دلوك في الدِّلاء

تجئك بملئها يوماً ويوماً*** تجئْك بِحمْأة وقليلِ ماء

وهذا الشعر صريح النسبة إلى أبي الأسود قاله لابنه أبي حرب كما في الأغاني 12/240، ومعجم الأدباء 4/1470، وتاريخ دمشق لابن عساكر 25/206، والوافي بالوفيات 16/306.

أبو العتاهية: تنسب إلى علي الأبيات التي قالها في مرضه الذي مات فيه ومطلعها:

إلهي لا تعذبني فإني*** مقر بالذي قد كان مني

وهي لأبي العتاهية كما في ديوانه ص: 425، وفي الأغاني 4/115، ومعاهد التنصيص 2/297، وشرح مقامات الحريري للشريشي 3/483.

وهذا غيض من فيض وإلا فالأمثلة كثيرة.

بالإضافة إلى وجود شعراء اتفقت أسماؤهم مع اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو ما سنتحدث عنه في الموضع التالي:

3- بعض شعره من نظم شعراء اتفقت أسماؤهم مع اسمه رضي الله عنه:

نُسِبَ بعض الشعر إلى الإمام علي رضي الله عنه وهو قد يكون في الأصل لشعراء اتفقت أسماؤهم مع اسم الإمام ومنهم:

أبو الحسن علي بن أبي طالب القيرواني: وهو من رجال القرن الخامس الهجري، من أصل علوي، كان فقيهاً، متكلماً، عابرا(8)، يقول الأستاذ حسن حسن زاده آملي في نقده: «وكثير من أشعار «علي بن أبي طالب القيرواني» تمت نسبته للإمام؛ لوجود تشابه بينهما في الاسم»(9).

وتنسب له القصيدة الأولى في ديوان علي والتي مطلعها:

الناس من جهة التمثال أكفاء*** أبوهم آدم، والأم حواء

وقد نسبها إليه ابن عربي في (الفتوحات المكية): حيث يقول: «فكل بر ظهر من أحد إلى أحد فهو صلة رحم لذا يقبلها الله من كل أحد فضلا من الله ونعمة غير أنهم بينهم مفاضلة في القرب، قال علي بن أبي طالب القيرواني في ذلك:

الناس في جهة التمثال أكفاء*** أبوهم آدم، والأم حواءُ

فإن يكن لهمُ من أصلهم نسب*** يفاخرونَ به فالطينُ والماءُ

ما الفضلُ إلا لأَهلِ العلمِ إنهُمُ*** على الهدى لمن استهدى أدِلاَّءُ

وقدر كل امرئ ما كان يحسنُهُ*** والجاهلون لأهلِ العلم أعداءُ»(10).

ونشير هنا إلى أن الجرجاني نسبها في (أسرار البلاغة) (11) إلى محمد بن الربيع المَوْصلي.

علي بن أبي طالب الأعمى: وهو من شعراء أواخر القرن الثاني الهجري، لم يصلنا سوى اسمه ونسبته ولقبه، كما في كتاب (شعراء عباسيون منسيون) (12)، ولذلك لا يمكننا أن نحكم بنسبة الشعر إليه لأنه لم يصلنا شيء من شعره بل نرجح ذلك فقط لتشابه اسميهما.

هذا وقد يكون التشابه في الاسم كليا أو جزئيا إذ ينسب البيتان في ديوانه (ص: 142- 143):

لَا تَظْلِمَنَّ إِذَا مَا كُنْتَ مُقْتَدِرًا*** فَالظُّلْمُ مَرْتَعُهُ يُفْضِي إِلَى النَّدَمِ

تَنَامُ عَيْنُكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ*** يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللهِ لَمْ تَنَمِ

وتنسب لأبي الحسن علي بن علي السلمي كما في (الدر الفريد) (11/164)، وقد أضاف أبياتا أخرى غير موجودة في الديوان، ويبدو أنها نسبت لعلي رضي الله عنه من باب تشابه الأسماء والله أعلم.

4- بعض الشعر المنسوب إليه تمثل به الإمام ولم يقله:

بعض ما أنشده علي رضي الله عنه متمثلا فقط وليس من شعره مثل قول الأربلي صاحب (الحماسة الفخرية): «وكان علي ينشد بعد موت فاطمة متمثلا» اعتمادا على أن الأبيات من قول شقران كما جاء في (المنازل والديار) لابن منقذ (ص:286)، وقال النويري في (نهاية الأرب) 5/166: «وقيل: لما دفن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها تمثل على قبرها بهذين البيتين». وقال ابن حمدون في (التذكرة الحمدونية) (4/237): «تمثّل عليّ كرّم الله وجهه عند قبر فاطمة عليها السلام:

لكلّ اجتماع من خليلين فرقة*** وكلّ الذي دون الممات قليلُ

وإنّ افتقادي واحدا بعد واحد*** دليل على أن لا يدوم خليلُ

تروى لشقران السلاماني وأوّلها:

ذكرت أبا أروى فبتّ كأنني*** بردّ الهموم الماضياتِ كَفِيلُ»

ونقل ابن عبد ربه في (العقد الفريد) (3/198) وكذلك في (طبائع النساء) (ص: 200) كلام المدائني وهو أيضا في (التعازي والمراثي) (ص: 207) و(الكامل) للمبرد (4/26).

وقال ابن دريد وقد صرح بنسبتها لشقران: «وأنشد الأصمعي لشقران يرثي أخاه» وذكر ابن عبد البر في (بهجة المجالس) (ص: 52) أيضا أنه تمثل بها.

ويبدو أن استبدال علي رضي الله عنه لقول الشاعر: “وإن افتقادي واحدا بعد واحد” عند تمثله بالبيت :

وَإِنَّ افْتِقَادِي فَاطِماً بَعْدَ أَحْمَد*** دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَدُومَ خَلِيلُ

على هذا الشكل جعل البيتين ألصق به من غيره.

قصيدة (احذر زوال الفضل) ص: 126:

تنسب هذه الأبيات إلى أبي العتاهية في (الأغاني) 4/57، وقد نسب البيت الأول منها إليهِ في (أنوار الربيع) وكذلك في (الإيضاح في علوم البلاغة) 1/178 وزِيدَ البيت الثاني وكذلك في (اللطائف والظرائف) ص: 13، ويظهر من قصة الأبيات التي وردت في (المحاسن والأضداد) ص: 161، أن عليا استشهد بالأبيات ولم يقلها من شعره، ثم نقِلت عنه على أنها من شعره والله أعلم.

وهذا أيضا موضع يطول الحديث فيه.

5- اختلاف الشعر المنسوب إليه من حيث الخصائص الفنية:

من يطلع على الديوان يجد أن الأشعار فيه مختلفة من حيث الخصائص الفنية ونقف هنا على ثلاث نقاط أساسية وهي:

أ- الاختلاف في النَّفَس أو الأسلوب: وهذا دليل واضح على أن واضع هذا الشعر ليس واحدا.

ب- الركاكة في المفردات: من المعلوم أن عليا رضي الله عنه كان فصيحا بليغا ووجود الركاكة في بعض القصائد في الديوان المنسوب إليه دليل على أنها من صنع غيره وليست له كيف لا وقد نسب إليه في بعض الروايات الإشارة إلى وضع علم النحو العربي.

ج- المعاني في الديوان: معاني الديوان أغلبها في الزهد والحكمة والموعظة، لكن قد تتخللها أحيانا بعض المعاني الأخرى مثل:

معاني الفخر والاعتداد بالنفس: وينسب إليه رضي الله عنه أنه قال لما قتل عمرو بن عبد ود (ديوانه ص: 140):

ضربته بالسيف وسط الهامه*** بضربة صارمة هَدَّامَه

فبكتت من جسمه عظامه*** وبينت من أنفه إِرْغَامَه

أنا علي صاحب الصمصامه*** وصاحب الحوض لدى القِيَامَه

أخو رسول الله ذي العلامه*** قد قال إذ عممني عِمَامَه

أنت أخي ومعدن الكرامه*** ومن له من بعدي الإِمَامَه

فأبيات هذه القصيدة من المستبعد أن يقولها الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإنني أرجح أن تكون مما زيد في شعره.

توجيه اللوم للخلفاء: ومنها ورود أبيات محال أن يقولها علي رضي الله عنه لأنها لا تتناسب مع أخلاقه، منها قوله لأبي بكر رضي الله عنه:

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم*** فكيف بهذا والمشيرونَ غيبُ؟

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم*** فغيرك أولى بالنبي وأقرَبُ(13)

6- في شعر علي رضي الله عنه ورجزه:

أتساءل هنا عن عدد الأشعار التي قالها الإمام هل تصل إلى الحد الذي يمكن أن يطلق عليه أنه شاعر؟ ومن الواضح أنه لا يطلق على شخص اسم شاعر بمجرد أنه أنشد عدة أبيات من الشعر.

ومن المعلوم أن علي بن أبي طالب كان يقول الرجز، ويجب القول: إن الأراجيز التي تم نقلها عن الإمام صحيحة حيث إن سنة أبطال العرب في ميدان الحرب كانت كذلك(14).

وشك المازني في جملة شعر علي رضي الله عنه هو ما جعل تلميذه المبرد يضيف إليه شعرا آخر لا شك في نسبته إلى علي رضي الله عنه، قال ومن شعر علي بن أبي طالب –رحمه الله- الذي لا اختلاف فيه أنه قاله، وأنه كان يردده، أنهم لما ساموه أن يقر بالكفر ويتوب حتى يسيروا معه إلى الشام، فقال: أبعد صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفقة في الدين أرجع كافرا؟

يا شاهد الله علي فاشهد

أني على دين النبي أحمد

من شك في الله فإني مهتدي

ويروى:                              أني توليت وليَّ أحمد(15)

قال البغدادي في الخزانة: «وَاعْلَم أَن العلمَاء قد اخْتلفُوا فِي الشّعْر المَنْسُوب إِلَى عَليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ المَازِني: إِنَّه لم يَصح أَنه عَلَيْهِ السَّلَام تكلم بشيء من الشّعْر غير هذَيْن البَيْتَيْنِ. وَصَوَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيّ وهما:

تلكم قُرَيْش تمناني لتقتلني*** فَلَا وَرَبك مَا بروا وَلَا ظفروا

فَإِن هَلَكت فرهنٌ ذِمَّتِي لَهُم*** بِذَات ودقين لَا يعْفُو لَهَا أثر

كَذَا قَالَ صَاحب القَامُوس. وَفسّر ذَات ودقين بالداهية قَالَ: كَأَنَّهَا ذَات وَجْهَيْن. وودقين بِفَتْح الوَاو وَسُكُون الدَّال وَفتح القَاف. وَيرد على المَازِني والزمخشري مَا نَقَلْنَاهُ آنِفا عَن ثَعْلَب من كَون الروَاة لم يَخْتَلِفُوا فِي الرجز الَّذِي مِنْهُ البَيْت الشَّاهِد أَنه لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام، وَيُؤَيِّدهُ أَنه مذكورٌ فِي جَمِيع كتب السّير والمغازي»(16).

قلت: كونه لم يجد إلا هذا الرجز شاهدا على كون علي رضي الله عنه قد قال فوق هذين البيتين مقوٍّ لرأي من شك في نسبة سائر هذا الشعر المنسوب له رضي الله عنه، وقد كان المازني مع علمه بالنحو متسعا في الرواية، كذا وصفه السيرافي في «أخبار النحويين البصريين» (ص: 60)، وابن خلكان في «الوفيات» (1/285).

والرجز كان يجري على لسان كل فرد منهم شاعرا كان أم لا، ولم يكن خاصا في ميدان الحرب والقتال.

7- كلام علي رضي الله عنه المنثور والذي نظمه الرواة:

يبدو أن ما نسب إلى علي من الشعر كان في الأصل منثورا جمعه الرواة ونظموه شعرا، وقد أشار إلى ذلك الأستاذ حسن حسن زاده آملي في نقده حيث يقول: «وأنا أرى أن أكثر أشعار الديوان المنسوب إلى الإمام عليه السلام هي من نظم وتأليف الآخرين[…]، إن كثيرا من أشعار الديوان تعبر عن الروايات المروية عنه عليه السلام، مما نظمها الآخرون في قوالب شعرية. ولما كان مضمون هذه الأبيات معبرا عن كلمات الإمام فقد نسبت الأبيات إليه، من هذا الباب، مثل أبيات «يا حار همدان من يمت يرني»، التي نظمها الإمام  لحارث الهمداني. وقد نقل أصل الخبر الشيخ المفيد في المجلس الأول من أماليه ثم أعقبه بقوله: «قال جميل بن صالح وأنشدني أبو هاشم السيد الحميري.. إلخ». ومن تلك الأشعار الواردة في الديوان بكثرة نصائحُه عليه السلام، ووصاياه لابنيه الحسن والحسين عليهما السلام. فإن أسلوب هذه الاستعارة من حيث البلاغة والفصاحة يختلف كثيرا عن مستوى كلمات الإمام الأخرى كخطبه ورسائله وحكمه في النهج وغيره، وتبدو ضعيفة إزاءها»(17).

وهذا ما يسمى بالعقد، وهو «ضد الحل، لأن العقد نظم المنثور، و”الحل” نثر المنظوم، ومن شرائط العقد أن يؤخذ المنثور بجملة لفظه أو بمعظمه، فيزيد الناظم فيه وينقص، ليدخل في وزن الشعر، ومتى أخذ معنى المنثور دون لفظه، كان ذلك نوعًا من أنواع السرقات، ولا يسمى “عقدًا” إلا إذا أخذ الناظم المنثور برمته، وإن غير منه طريقا من الطرق التي قدمناها، كان المنتقى منه أكثر من المغير، بحيث يعرف من البقية صورة الجمع، كما فعل أبو تمام في كلام عزى به الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الأشعثَ بن قيس في ولده، وهو: إن صبرت صبر الأحرار، وإلا سلوت سلوّ البهائم، فعقده أبو تمام شعرًا، فقال:

وقال علي في التعازي لأشعثٍ … وخاف عليه بعض تلك المآثم

أتصبر للبلوى عزاءً وحِسبة … فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم»(18).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- لسان العرب 10/373.

2- الكامل 3/140.

3- الأعلام 4/296.

4- ديوان الإمام علي تحقيق الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي، ص: 20.

5- انظر ديوان الشافعي ص: 61.

6- ديوان الإمام علي بتحقيق المصطاوي ص: 59.

7- انظر ديوان الإمام علي بتحقيق المصطاوي ص: 127، وديوان الشافعي ص: 116.

8- انظر: تراجم المؤلفين التونسيين 3/273.

9- ديوان الإمام علي دراسة في حقيقته ووثائقه وشروحه وترجماته مقال للشيخ مهدي مهريزي، ترجمة كاظم خلف، منشور بموقع نصوص معاصرة مركز البحوث المعاصرة ببيروت.

10- الفتوحات المكية 6/344.

11- أسرار البلاغة ص: 264- 265.

12- شعراء عباسيون منسيون 5/143.

13- ديوان الإمام علي بتحقيق المصطاوي ص: 59.

14- ديوان الإمام علي دراسة في حقيقته ووثائقه وشروحه وترجماته مقال للشيخ مهدي مهريزي، ترجمة كاظم خلف، منشور بموقع نصوص معاصرة مركز البحوث المعاصرة ببيروت.

15- الكامل 3/40.

16- خزانة الأدب 6/69- 70.

17- الإنسان الكامل في نهج البلاغة ص: 27.

18- خزانة الأدب وغاية الأرب 4/421.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق