مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

رسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني: إيرادات وأجوبة (5)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

وبعد فهذه أوراق في محاولة الذب عن هذا العلق النفيس «متن الرسالة» من خلال أجوبة عن إيرادات عليه تغض من قيمته الفقهية، وتزري بمكانته الاجتهادية؛ استنادا إلى تمهيد أسست على متين بنيانه إيرادات قادحة، سنوردها  بعده واحدة واحدة محاولين تثويرها والإجابة عنها:

وقد أنيخت مطايا النظر في رحاب الإيراد الرابع: وبيانه أن متن الرسالة تلخيص اعتراه غير قليل من عدم التقنين الفقهي، والترتيب لمراتب الأحكام في محل الكلام، كما هي في عامة كتب المذهب، ومن أمثلة ذلك «باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن»([1]) حيث لم يتعرض لشروط الصلاة ولا لفرائضها وسننها، وإنما عرض لها بناء على صفة أدائها دون بيان مراتب أحكامها، وهذا مخل كثيرا بالصناعة الفقهية؛ لأن غايتها ضبط الأحكام وتمييزها، وربطها بأصولها، ولا يعكر على هذا ما جاء في «باب جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائب»؛ لأنه مجمل غير جامع ولا موعب.

وجوابه أن التقنين مرحلة لاحقة: قال الحجوي رحمه الله في شأن الشيخ:«وهو وطبقته آخر المتقدمين وأول المتأخرين، فكان تاريخ هذه الطبقة فاصلا بين التاريخين للفقه»([2])؛ ولهذا كان أسلوبها في التقنين الفقهي وسطا بين الأسلوبين: أسلوب المتقدمين العملي الإجمالي، وأسلوب المتأخرين النظري التفصيلي، ولا زالت الأنظار والأقلام في تهذيب وتنقيح إلى أن بلغت المختصرات الغاية في التقنين كما نراه في مختصر ابن الحاجب وابن عرفة وخليل رحمهم الله؛ اهتبالا بالحدود والرسوم، وتمييزا للشرائط والأركان، والواجبات والسنن، والمحظورات والمكروهات..

وعليه فلا ينهض حجة الاحتجاج باللاحق على السابق، وحسبه أنه أبو عذره، ومقتضب حلوه ومره؛ إذ كان المختصر الثاني لمسائل المذهب بعد التفريع لابن الجلاب، وما سبقهما من المختصرات كمختصرات أبي عبد الله محمد بن عبد الحكم(214هـ) لكتب الإمام أشهب، فنمط مختلف، وطراز مخالف؛ إذ نسج على منوال المتقدمين، وما برح منهج السالفين.

وينبيك عن تأثر الشيخ بمنهج المتقدمين أنه ضمن رسالته مبادئ أمور الديانة من أصول الاعتقاد، وختمها بما يزكي النفوس من أصول الأخلاق والآداب؛ إذ الأحكام وحدة متكاملة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإسلام والإيمان والإحسان: +هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم) ([3]) وهو أصل عظيم في بابه كالنص على ضرورة رعاية هذه الأبوبة في التعليم والتصنيف؛ لأن الأعمال قلبية اعتقادية وهي الإيمان، وظاهرة على الجوارح وهي الإسلام، ومقامات للتهذيب والترقي بمقتضى المراقبة وهي الإحسان، فلا بد من رعايتها والمزج بينها تربية وتعليما؛ سيرا على صنيع المتقدمين وعلى رأسهم إمام المذهب في موطئه، فقد ضمنه كتبا في الاعتقاد ككتاب القدر، وكتاب جهنم، وكتابي أسماء النبي وصفته، وكتاب العين، وكتاب البيعة، وكتبا في الآداب ككتاب حسن الخلق، والاستئذان، والكلام، ودعوة المظلوم وسواها مما يشير إلى تمام الترابط بين الأبوبة الثلاثة، وهو منتحى شيخ الإسلام أبي حامد في كتابه «إحياء علوم الدين»؛ تبكيتا لمنهج الخلف، واحتفاء بمسلك السلف، فالشيخ كما ترى فاتحة المتأخرين، وخاتمة المتقدمين، وهي مرحلة ينتحيها ما ينتحي الفترات الانتقالية من أسلوب إلى غيره، ومن منهج إلى سواه، ولا ينوء بها إلا منجد راز مناهج الأُول، وعجم مهايعهم في التربية والتعليم، والتأليف والتصنيف، إيرادا للأدلة ومفاتشتها، وانتزاعا لمآخذ الأحكام وعللها، وتحريرا للمسائل وتوصيفها، فلم ما لاح له من الشعث فيها، ورام الخرق في جزئيات المنهج فرتقه بفرط ذكائه، وفيض علمه، وواسع اطلاعه، وذلك المدره الذي لا يستصعب الفطام عن المألوف، واللوذعي الذي يستسهل افتراع المجهول، والترقي في مدارج المعقول، والمصقع الذي يمهد للخلف  طرازا جديدا في مسالك التصنيف لم تألفه السلف

أولئك آبائي فجئني بمثلهم***إذا جمعتنا يا جرير المجامع

([1]) ص 44 من متن الرسالة وبهامشها إيضاح المعاني على رسالة القيرواني للشيخ أحمد مصطفى الطهطاوي.

([2]) الفكر السامي:2/115.

([3]) صحيح البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة.

 

د. عبد الهادي السلي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق