مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

رسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني: إيرادات وأجوبة (6)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
وبعد فهذه أوراق في محاولة الذب عن هذا العلق النفيس «متن الرسالة» من خلال أجوبة عن إيرادات عليه تغض من قيمته الفقهية، وتزري بمكانته الاجتهادية؛ استنادا إلى تمهيد أسست على متين بنيانه إيرادات قادحة، سنوردها بعده واحدة واحدة محاولين تثويرها والإجابة عنها:
وقد أنيخت مطايا النظر في رحاب الإيراد الخامس، وجملته: ادعاء أننا لا نلفي في الرسالة إلا تلخيصا لمسائل قد حررت أصولها، وبينت مآخذها، ونقحت مسالكها في أصول المذهب وأمهاتها
وهذه غفلة عن أطوار الفقه ومراحله؛ فإن الرسالة وصاحبها قد ظهرا في طور بلغ فيه الفقه أوجه تقريرا لأدلته، وتمهيدا لمآخذه، وتحريرا لمسائله، وتنقيحا لعلله، وتصنيفا لأمهاته عبر قرون ثلاثة: الأول والثاني والثالث، تتعاوره العقول بإمعان النظر، وتتداوله الأقلام بإتقان التأليف في اقتراء مكيث، وتتبع مهيل( ) فلم يبق لأهل المائة الرابعة وما بعدها إلا التخريج عن روايات الإمام وأقوال الأصحاب، أو النظر فيهما إطلاقا وتقييدا، تعميما وتخصيصا، شرحا وتأويلا، تأصيلا وتعليلا، جمعا وتهذيبا، تنظيما وتقريبا، أو مراجحة وتغليبا: فإمام القوم ورأسهم من كان من أهل التخريج والاختيار والترجيح، وهو المجتهد المنتسب، وعز من يدعي الاجتهاد المطلق؛ تفخيما لما سلف من أئمة المذاهب، وتعظيما لهم ولأصولهم، وإلا فإن الحال صارخة بالوقوع كالقاضي إسماعيل والشيخ صاحبنا، والباقلاني والمازري وسواهم ممن حصل آلة الاجتهاد، ولم يدعه تواضعا وإعظاما للأشياخ، ويؤيد ذلك ـ أعني عناية أهل المائة الرابعة وما بعدها بروايات الإمام وأقوال الأصحاب حفظا وفهما، شرحا واختيارا، تأويلا وتخريجا ـ ما جاء في ترجمة أبي سعيد المعروف بابن أخي هشام الربعي( )، أنه «لما ورد درّاس بن إسماعيل أبو ميمونة القيروان، وعجب الناس من حفظه، بلغ أبا سعيد تقصيره بعلماء القيروان، وإضافته قلة الحفظ إليهم، فقال لأصحابه: اعملوا على أن تجمعوا بيني وبينه؛ لئلا يقول: دخلت القيروان ولم أر بها عالما، فما زالوا به حتى أتوا به إلى أبي سعيد في مسجده، فسلم عليه:
فألقى أبو ميمونة عليه نحوا من أربعين مسألة من «المستخرجة» و«الواضحة»، فأجابه عنها أبو سعيد.
ثم ألقى عليه أبو سعيد عشر مسائل من «ديوان محمد بن سحنون» فأخطأ فيها أبو ميمونة كلها.
فعطف عليه أبو سعيد وقال له: «لا تغفل عن الدراسة، فإني أرى لك فهما، فإن واظبت كنت شيئاً»، فلما قام أبو ميمونة يخرج، لم يعرف الباب من الحيرة..» ( )
وفي الناس حينئذ الجلة من الفقهاء، والنبغة من الأعلام: أبو الأزهر ابن معتب، وأبو القاسم ابن شبلون، وابن التبان، والقابسي، وأبو الفضل الممسي وأبو محمد الأجدابي وأبو جعفر أحمد بن نصر الفقيه، وسعيد بن إبراهيم، وأبو الحسن الدباغ، وأبو إسحاق السبائي، وأبو العباس الإبياني، وأبو محمد ‌ابن ‌أبي ‌زيد صاحبنا، وسواهم من أهل العلم والفضل من حاضرة القيروان، ممن حازوا رتبة الاجتهاد، وتشرفوا بخدمة المذهب ورواياته وأقواله؛ هضما وتواضعا، فلا مناص من تقيل آثارهم، والنسج على منوالهم رحمهم الله.
فهذه ظروف الرسالة وبيئتها كما ترى، وما ورد عليها يرد على هؤلاء المشيخة الأعلام، على أنهم أهل اختيار وترجيح وتخريج: ينظرون في الأقوال والروايات نظر شرح واعتبار، ومراجحة و تخريج واختيار؛ إذ كانت عندهم بمنزلة النصوص الشرعية تحتمل ما تحتمله من الإطلاق والتقييد، والعموم والخصوص وسواها من عوارض الألفاظ، على أنهم ليسوا بمعزل عن النظر في نصوص الشرع والاعتبار بها، وترجيح بعض الأقوال والروايات على بعض من خلالها، ومن هـهنا ظهرت مصطلحات الراجح والأشهر والمشهور والصحيح والشاذ في كتب المتأخرين( )..، فهذا ديدن المجتهد المنتسب، الذي يتقيد بأصول إمامه، ويصدر من خلال كلياته، ولا غضاضة في ذلك فإن مذهب الإمام مالك على استقلال أصوله مستمد من مذهب سعيد بن المسيب وسواه من الفقهاء السبعة، ومذهب سعيد مقتبس من مذهب زيد بن ثابت وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وقد قال ابن المديني: «كان مالك يذهب إلى قول سليمان بن يسار، وسليمان يذهب إلى قول عمر بن الخطاب»( )، فلا يزال الاستمداد ساريا، واللاحق يأخذ من السابق..، وهو ما تراه لائحا في اختيارت الشيخ في رسالته في وقفة لا حقة إن شاء الله تبارك جده، وتعالى قدره، لا حراك إلا بقوته، ولا قوة إلا بمعونته وتوفيقه، وهو العليم الحكيم.

د. عبد الهادي السلي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق