مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةشذور

رسالة البيهقي في فضائل الأشعري

اهتمت المصادر التاريخية الإسلامية بذكر مناقب وفضائل بعض أهل علم الكلام الأشعري عرفانا بما بذلوه في سبيل الدفاع عن العقائد الإيمانية، مما هو مدون في آثارهم سواء أكانت محررة في مجامع مؤلفة كالطبقات والمنقبيات وغيرها، أو مدونات لمناظرات علمية بينهم وبين غيرهم ضمن المؤلفات التي أرخت لأوجه الحجاج بين العلماء.

وقد أورد الإمام الحافظ محدث الشام ابن عساكر الدمشقي (تـ.571هـ)[1]  في بعض مؤلفاته واحدة من أهم هذه المنقبيات في حق إمام المذهب “أبي الحسن بن إسماعيل الأشعري”، على لسان الحافظ البيهقي النيسابوري( تـ. 458هـ) [2] أحد رواة العلم ومحققيه.

ونظرا لأهميتها في بسط السيرة العلمية للإمام أبي الحسن الأشعري والدفاع عما قام به في سبيل نصرة الدين، بعد الذي تعرض له المذهب الأشعري من ضيق وعنت في تلكم الفترة الحالكة من التاريخ الإسلامي -أيام حكم الممالك بمصر-، مما ذكره ولخصه ابن عساكر بقوله: «وإنما كان انتشار ما ذكره أبو بكر البيهقي –رحمه الله- من المحنة واستعار ما أشار بإطفائه في رسالته من الفتن، مما تقدم به من سب حزب الشيخ أبي الحسن الأشعري في دولة السلطان طغرلبك، ووزارة أبي نصر منصور بن محمد الكندري. وكان السلطان حنفياً سنياً، وكان وزيره معتزلياً رافضياً، فلما أمر السلطان بلعن المبتدع على المنابر في الجمع، قرن الكندري – للتسلي والتشفي – اسم الأشعرية بأسماء أرباب البدع، وامتحن الأئمة الأماثل، وقصد الصدور الأفاضل، وعزل أبا عثمان الصابوني عن الخطابة بنيسابور، وفوضها إلى بعض الحنفية فأم الجمهور» [3].

ثم بين لنا كيف آلت الأمور بعد ذلك بقوله: «فلم يكن إلا يسيرا حتى تقشعت تلك السحابة، وتبدد بهلك الوزير شمل تلك العصابة، ومات ذلك السلطان وولي ابنه آلب أرسلان، واستوزر الوزير الكامل، والصدر العالم العادل؛ أبا علي الحسن بن علي بن إسحاق، فأعز أهل السنة وقمع أهل النفاق، وأمر بإسقاط ذكرهم من السب، وإفراد من عداهم باللعن والثلب، واسترجع من خرج منهم إلى وطنه، واستقدمه مكرّما بعد بعده وظعنه، وبنى لهم المساجد والمدارس، وعقد لهم الحلق والمجالس، وبنى لهم الجامع (المنيعي) في أيام ولد ذلك السلطان، وكان ذلك تداركا لما سلف في حقهم من الامتحان، فاستقام في وزارته الدين بعد اعوجاجه، وصفا عيش أهل السنة بعد تكدره وامتزاجه، واستقر الأمر بيمن نقيبته على ذلك إلى هذا الوقت.. » [4].

وهذه الرسالة ستعرفنا على أصل هذه المنقبة من سيرة أبي الحسن الأشعري؛ وهي رسالة أرسلها الإمام البيهقي إلى عميد الملك الكندري (415-457هـ) [5] وزير السلطان طغرلبك [6]، سلطان الدولة السلجوقية، يقرظ فيها أبا الحسن الأشعري ويستنصر مذهبه السني في الاعتقاد، قصد بها التوسط لديه في رفع الأذى عن (الأشعرية) من ظلم من قهر بهم، فأجابه نظام الملك، وأبطل ما كان من سب للأشعرية. وقد ذكرها ابن تيمية في “درء تعارض العقل والنقل” بقوله: «كما في رسالة أبي بكر البيهقي التي كتبها إلى بعض ولاة الأمور لما كان وقع بخراسان من لعنة أهل البدع ما وقع، وقصد بعض الناس إدخال الأشعري فيهم.. ومضمون الرسالة إزالة ما وقع من الفتنة وإطابة قلوب أهل السنة..»[7]،

وجُلُّها في “طبقات الشافعية”[8]،

وقِسْم حسن منها في “فهرسة اللبلي”[9]،

وقد أسهب ابن عساكر في تفصيل هذا الأمر وبيان طريقة أبي الحسن في الانتشار ودحض حجج مذهب الاعتزال بنفسه في مؤلفه[10].

ولأهمية هذه الرسالة وددت إفرادها بالنشر في هذا المقال تعميما للفائدة واستزادة للباحثين في باب العقائد وتاريخ أعلامها[11].

[نص الرسالة]

قال ابن عساكر:

[أخبرنا الشيخ أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري الحافظ ببغداد (نا) شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين البيهقي (نا) والدي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي قال:

سلام الله ورحمته وبركاته على الشيخ العميد،

وإني أحمد إليه الله الذي لا إله إلا هو، وحدة لا شريك له، وأصلى على رسوله محمد وعلى آله.

 أما بعد،

فإن الله جل ثناؤه بفضله وجوده يؤتي من يشاء من عباده ملك ما يريده من بلاده، ثم يهدي من يشاء منهم إلى صراطه، ويوفقه للسعي في مرضاته، ويجعل له فيما يتولاه وزير صدق يوفى إليه بالخير ويحض عليه، ومعين حق يشير إليه بالبر ويعين عليه، ليفوز الأمير والوزير معا بفضل الله فوزا عظيما، وينالا من نعمته حظا جسيما.

وكان الأمير -أدام الله دولته- ممن آتاه الله الملك والحكمة، والشيخ العميد -أدام الله سيادته- ممن جعله الله له وزير صدق؛ إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، كما أخبر  سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم عن كل أمير أراد الله به خيرا*، فعادت بجميل نظر الأمير -أدام الله أيامه- وحسن رعايته وسياسته بلاد خراسان إلى الصلاح بعد الفساد، وطرقها إلى الأمن بعد الخوف، حتى انتشر ذكره بالجميل في الآفاق، وأشرقت الأرض بنور عدله كل الإشراق، ولذلك قال سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: (السلطان ظل الله ورمحه في الأرض)**، وقال فيما روي عنه صلى الله عليه وسلم: (يوم من أيام إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة)***، وقال عبد الله بن المبارك رضي الله عنه:

 … لولا الأئمة لم تأمن لنا سبل … وكان أضعفنا نهبا لأقوانا …

زاده الله علوا وتأييدا، وزاد من يؤازره بالخير ويحثه عليه توفيقا وتسديدا.

ثم إنه -أعز الله نصره- صرف همته العالية إلى نصرة دين الله، وقمع أعداء الله، بعد ما تقرر للكافة حسن اعتقاده بتقرير خطباء أهل مملكته على لعن من استوجب اللعن من أهل البدعة ببدعته، وأيس أهل الزيغ عن زيغه عن الحق وميله عن القصد، فألقوا في سمعه ما فيه مساءة أهل السنة والجماعة كافة، ومصيبتهم عامة من الحنفية والمالكية والشافعية الذين لا يذهبون في التعطيل مذاهب المعتزلة، ولا يسلكون في التشبيه طرق المجسمة في مشارق الأرض ومغاربها، ليتسلوا بالأسوة معهم في هذه المساءة عما يسوءهم من اللعن والقمع في هذه الدولة المنصورة، – ثبتها الله-. ونحن نرجو عثوره عن قريب على ما قصدوا، ووقوفه على ما أرادوا، فيستدرك -بتوفيق الله عز وجل- ما بدر منه فيما ألقي إليه، ويأمر بتعزير من زور عليه، وقبح صورة الأئمة بين يديه.

وكأنه خفي عليه -أدام الله عزه- حال شيخنا أبي الحسن الأشعري -رحمة الله عليه ورضوانه-، وما يرجع إليه من شرف الأصل، وكبر المحل في العلم والفضل، وكثرة الأصحاب من الحنفية والمالكية والشافعية الذين رغبوا في علم الأصول، وأحبوا معرفة دلائل العقول.

والشيخ العميد -أدام الله توفيقه- أولى أوليائه، وأحراهم بتعريفه حاله وإعلامه فضله، لما يرجع إليه من الهداية والدراية والشهامة والكفاية، مع صحة العقيدة وحسن الطريقة.

وفضائل الشيخ أبي الحسن الأشعري ومناقبه أكثر من أن يمكن ذكرها في هذه الرسالة، لما في الإطالة من خشية الملالة، لكنى أذكر -بمشيئة الله تعالى- من شرفه بآبائه وأجداده، وفضله بعلمه وحسن اعتقاده، وكبر محله بكثرة أصحابه، ما يحمله على الذب عنه وعن أتباعه.

فليعلم الشيخ العميد -أدام الله سيادته- أن أبا الحسن الأشعري -رحمه الله- من أولاد أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فإنه أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى. وأبو موسى هو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري، ينسب إلى الجماهر بن الأشعر، والأشعر من أولاد سبأ الذين كانوا باليمن، فلما بعث الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم-، هاجر أبو موسى الأشعري مع أخويه في بضع وخمسين من قومه إلى أرض الحبشة، وأقاموا مع جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه، حتى قدموا جميعا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبر.

ثم ذكر من فضل أبي موسى بعض ما قدمته بأسانيده إلى أن قال:

ورزق من الأولاد والأحفاد مع الدراية والرواية والرعاية ما يكثر نشره، وأساميهم في التواريخ مثبتة، ومعرفتهم عند أهل العلم بالرواية مشهورة، إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري -رحمه الله- فلم يحدث في دين الله حدثا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين، فنصرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا في الأصول وجاء به الشرع صحيح في العقول، خلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه تقوية ما لم يدل عليه من أهل السنة والجماعة، ونصره أقاويل من مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين، ومن نحا نحوهما من الحجاز وغيرها من سائر البلاد، وكأحمد ابن حنبل وغيره من أهل الحديث، والليث بن سعد وغيره، وأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، إمامي أهل الآثار وحفاظ السنن التي عليها مدار الشرع، -رضي الله عنهم أجمعين-.

وذلك دأب من تصدى من الأئمة في هذه الأمة، وصار رأسا في العلم من أهل السنة في قديم الدهر وحديثه، وبذلك وعد سيدنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أمته فيما روى عنه أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»****، وهم هؤلاء الأئمة الذين قاموا في كل عصر من أعصار أمته بنصرة شريعته، ومن قام بها إلى يوم القيامة، وحين نزل قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}[المائدة/54]، أشار المصطفى -صلى الله عليه وسلم- إلى أبي موسى وقال: (قوم هذا). فوعد الله -عز جاره وجل ثناؤه – شيئا معلقا بشيء، وخص النبي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- به قوم (أبي موسى)، فكان خبره حقا، ووعد الله صدقا. وحين خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بين أمته، وقبضه الله عز وجل إلى رحمته، ارتد ناس من العرب، فجاهدهم أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ منهم أبو موسى وقومه، حتى عاد أهل الردة إلى الإسلام كما وعد رب الأنام.

وحين كثرت المبتدعة في هذه الأمة، وتركوا ظاهر الكتاب والسنة، وأنكروا ما ورد به من صفات الله عز وجل؛ نحو الحياة والقدرة والعلم والمشيئة والسمع والبصر والكلام، وجحدوا ما دلا عليه من المعراج وعذاب القبر والميزان، وأن الجنة والنار مخلوقتان، وأن أهل الإيمان يخرجون من النيران، وما لنبينا -صلى الله عليه وسلم- من الحوض والشفاعة، وما لأهل الجنة من الرؤية، وأن الخلفاء الأربعة كانوا محقين فيما قاموا به من الولاية، وزعموا أن شيئا من ذلك لا يستقيم على العقل، ولا يصح في الرأي، أخرج الله عز وجل من نسل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه إماما قام بنصرة دين الله، وجاهد بلسانه وبيانه من صد عن سبيل الله، وزاد في التبيين لأهل اليقين أن ما جاء به الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة مستقيم على العقول الصحيحة والآراء تصديقا لقوله، وتحقيقا لتخصيص رسوله -صلى الله عليه وسلم- قوم أبي موسى بقوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}[المائدة/54] .

هذا، والكلام في علم الأصول وحدث العالم ميراث أبي الحسن الأشعري عن أجداده وأعمامه الذين قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لم يثبت عند أهل العلم بالحديث أن وفدا من الوفود وفدوا  على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألوه عن علم الأصول وحدث العالم، إلا وفد الأشعريين من أهل اليمن.

 ثم ذكر حديث عمران بن الحصين حين أتاه نفر من بني تميم، وقد ذكرته في الجزء الأول بإسناده.

ثم قال: فمن تأمل هذه الأحاديث، وعرف مذهب شيخنا أبي الحسن -رضي الله عنه- في علم الأصول، وعلم تبحره فيه، أبصر صنع الله -عزت قدرته- في تقديم هذا الأصل الشريف لما ذخر لعباده من هذا الفرع المنيف الذي أحيا به السنة وأمات به البدعة وجعله خلف حق لسلف صدق، وبالله التوفيق.

هذا، وعلماء هذه الأمة من أهل السنة والجماعة في الاشتغال بالعلم مع الاتفاق في أصول الدين على أضرب:

فمنهم من قصر همته على التفقه في الدين بدلائله وحججه من التفسير والحديث والإجماع والقياس، دون التبحر في دلائل الأصول.

ومنهم من قصر همته على التبحر في دلائل الأصول دون التبحر في دلائل الفقه.

ومنهم من جعل همته فيهما جميعا؛ كما فعل الأشعريون من أهل اليمن؛ حيث قالوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أتيناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟». وفي ذلك تصديق ما روي عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: «اختلاف أمتي رحمة»*****.

كما سمعت من الشيخ الإمام أبي الفتح ناصر بن الحسن العمري، قال: سمعت الشيخ الإمام أبا بكر القفال المرزوي -رحمه الله- يقول: معناه؛ اختلاف هممهم رحمة. يعني؛ فهمة واحد تكون في الفقه، وهمة آخر تكون في الكلام، كما تختلف همم أصحاب الحرف في حرفهم، ليقوم كل واحد منهم بما فيه مصالح العباد والبلاد، ثم كل من جعل همته في معرفة دلائل الفقه وحججه، لم ينكر في نفسه ما ذهب إليه أهل الأصول منهم، بل ذهب في اعتقاد المذهب مذهبهم بأقل ما دله على صحته من الحجج، إلا أنه رأى أن اشتغاله بذلك أنفع وأولى. ومن صرف همته منهم إلى معرفة دلائل الأصول وحججه، ذهب في الفروع مذهب أحد الأئمة الذين سميناهم من فقهاء الأمصار، إلا أنه رأى أن اشتغاله بذلك عند ظهور البدع أنفع وأحرى.

فعلماء السنة –إذن- مجتمعون – والأشعريون منهم- لجماعتهم في علم الأصول موافقون، إلا أن الله -جل ثناؤه- جعل استقامة أحوالهم باستقامة ولاتهم، وسلامة أغراضهم بذب ولاتهم عنهم، وبذلك أخبر من جعل الله تعالى الحق على لسانه وقلبه، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وذلك فيما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، (نا) أبو عمرو بن السماك ، (نا) حنبل بن إسحاق، (نا) أبو نعيم، (نا) مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال عمر رضي الله عنه عند موته: «اعلموا أن الناس لن يزالوا بخير ما استقامت لهم ولاتهم وهداتهم»******. وقال أبو حازم: ما أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، (نا) حاجب بن أحمد، (نا) محمد بن حماد، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، قال: سمعت أبا حازم يقول: «لا يزال الناس بخير ما لم تقع هذه الأهواء في السلطان، هم الذين يذبون عن الناس، فإذا وقعت فيهم فمن يذب عنهم؟». وأخبرنا بهاتين الحكايتين أبو القاسم الشحامي، (نا) أبو بكر البيهقي مثل ما ههنا.

ثم رجعنا إلى رواية أبي بكر بن حبيب (فوجدنا فيها): نسأل الله عز وجل عصمة الأمير، وإطالة بقائه، وإدامة نعمائه، وزيادة توفيقه لإحياء السنة بتقريب أهلها من مجلسه، وقمع البدعة بتبعيد أهلها من حضرته، ليكثر سرور أهل السنة والجماعة من الفريقين جميعا بمكانه، وينتشر صالح دعواتهم له في مشارق الأرض ومغاربها بإحسانه، ويرغب إلى الله عز وجل ويتضرع إلى ما في إمتاع المسلمين ببقاء الشيخ العميد وإدامة نعمته وزيادة توفيقه وعصمته. فعلى حسن اعتقاده وصحة دينه وقوة يقينه وكمال عقله وكبر محله، اعتماد الكافة في استدراك ما وقع من هذه الواقعة؛ التي هي لمعالم الدين خافضة، ولآثار البدع رافعة، ومصيبتها -إن دامت والعياذ بالله- في كل مصر من أمصار المسلمين داخلة، وقلوب أهل السنة والجماعة بها واجفة، وما ذلك على الله بعزيز أن يوفق الشيخ العميد -أدام الله تسديده- للاجتهاد في إزالة هذه الفتنة، والسعي في إطفاء هذه الثائرة، موقنا بما يتبعه في دنياه من الثناء الجميل، وفي عقباه من الأجر الجزيل، قاضيا حق هذه الدولة العالية، التي جعل الله تدبيرها إليه، وزمامها بيديه، فبقاء الملك بالعدل، وصلاحه بصلاح الدين، وحلاوته بما يتبعه من الثناء الجميل، والله يوفقه ويسدده، وعن المكاره يقيه ويحفظه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.] [12].

فهذه رسالة لبيان ما تعرض له المذهب الأشعري من ضيق وتشدد، وتكشف لنا جوانب من تاريخه، وتعرض لنا الفتن التي لحقته من طرف بعض أعدائه، حتى لعن هو وأصحابه على المنابر مع أصحاب البدع والزندقة، وهي من الأمور التي افتتن بها العالم الإسلامي أيما افتتان، وتصور بكثير من التجلي ما حدث بين الفرق الكلامية من صراع.

الهوامش:

[1] ابن عساكر: أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي (499هـ – 571 هـ) الإمام والعلامة الحافظ الكبير محدث الشام. ولد في المحرم سنة 499هـ، كان أبوه تقيا ورعًا، محبًا للعلم ومجالسة العلماء ومصاحبتهم، وكانت أمه من بيت علم وفضل. نشأ ابن عساكر في دمشق ببيت علم، وكانت أسرته الصغيرة هي أول من تولى تعليمه وتهذيبه، فسمع الحديث من أبيه وأخيه وهو في السادسة، ثم تتلمذ على عدد ضخم من شيوخ دمشق وعلمائها. بدأ  ابن عساكر رحلاته سنة 520هـ  إلى بغداد، ثم اتجه منها إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج وزار مسجد النبي بالمدينة المنورة، ولم تطل إقامته في المدينتين المقدستين. وفي رحلاته التي استغرقت خمس سنوات قابل في أثنائها عددًا كبيرًا من أئمة العلم، وقرأ عليهم عشرات الكتب، ثم عاد الحافظ ابن عساكر إلى دمشق سنة 525هـ  واستقر بها فترة عاود بعدها رحلته مرة أخرى سنة 529هـ إلى إيران وخراسان وأصبهان وهمذان وأبيورد وبيهق والري ونيسابور وسرخس وطوس ومرو، سمع في أثنائها عددًا كبيرًا من الكتب على كبار الحفاظ والمحدثين في بلاد المشرق، وقد طبقت شهرته الآفاق، وقصده طلاب العلم من كل مكان، وانصرف إلى التأليف والتصنيف وأهم مؤلفاته: تاريخ دمشق و«الإشراف على معرفة الأطراف – خ» في الحديث، ثلاث مجلدات، و«تبيين كذب المفتري في ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري – وغيرها.

والمعتمد في نقل هذه الرسالة من كتابه: “تبيين كذب المفتري في ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري”، تحقيق: أحمد حجازي السقا، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى/1995، ص: 105 وما بعدها.

ثم كتاب: “رسائل في المذهب الأشعري”، محمد فتحي النادي، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى/2010، ص ص: 33 -41.

[2] الإمــام البيـهــقي: عاش الإمام البيهقي ما بين سنتي 384هـ و458هـ، وهي مرحلة من أشد المراحل اضطرابا وأكثرها فتنا في تاريخ الأمة الإسلامية بسبب ضعف الخلافة العباسية وظهور دويلات مستقلة. وبالرغم من ذلك فإن الحركة العلمية لم تتوقف فقد شهدت نشاطا علميا وازدهارا فكريا فائقين، يذكر يوسف رضوان الكود في مقدمة تحقيقه لكتاب “مختصر الاعتقاد” للإمام البيهقي حول مولد الإمام البيهقي ونشأته فيقول: (ولد – رحمه الله تعالى- في خسروجرد -قرية من قرى بيهق بنيسابور- سنة 384هـ ، ونشأ في بيهق التي كانت تموج بالحركة العلمية الواسعة، مما أدى بالإمام البيهقي أن يلتقي بنخبة علماء عصـره، في سن مبكرة، ويكتب عنهم الحديث. فسمع وهو ابن خمس عشر سنة من الشيوخ الذين بلغوا المائة شيخ، ولعل هذه  السن المبكرة التي ابتدأ البيهقي الطواف على الشيوخ استقلالا هي المرحلة العلمية التي أشار إليها هو في أثناء حديثه عن نفسه فقال: (وإني منذ نشأت، وابتدأت في طلب العلم أكتب أخبار سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين، وأجمع آثار الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، وأسمعها ممن حملها، وأتعرف أحوال روايتها من حفظها، وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها، ومرفوعها من موقوفها، وموصولها من مرسلها، ثم أنظر في كتب هؤلاء الأئمة الذين قاموا بعلم الشريعة، وبنى كل واحد منهم مذهبه على مبلغ علمه من الكتاب والسنة، فأرى كل واحد منه رضي الله عنهم جميعهم قصد الحق فيما تكلف واجتهد في أداء ما كلف). رحل الإمام البيهقي عن هذه الدنيا سنة 458 هـ وله من العمر74 سنة، ومن مؤلفاته: – إثبات عذاب القبر – الأسماء والصفات – شعب الإيمان وغرها.. ) انظر: مقدمة التحقيق- كتاب “مختصر الاعتقاد للإمام البيهقي” تأليف الإمام عبد الوهاب الشعراني، دراسة وتحقيق: يوسف رضوان، ص 17-18.

[3] ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ص: 105- وفي غيره مما سبق ذكره وبين هذه الرواية وغيرها اختلافات كثيرة.

[4] نفسه.

[3] وقد أودعها ابن عساكر في تبيين كذب المفتري ص100-108، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة 1404هـ.

[5] محمد بن منصور، أبو نصر الكندري، وزير طغرلبك، وكان يلقب عميد الملك، منسوب إلى «كندر طريثيث» قرية من قراها، وقد ينسب الكندري إلى قرية يقال لها «كندر» قريبا من قزوين، ومنها: أبو غانم، وأبو الحسن، ابنا عيسى بن الحسن الكندري سمعا أبا عبد الرحمن السلمي، وكتبا تصانيفه، ووقفا كتبا كثيرة. انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي، (طبعة الكترونية، 2:16-92).

 [6] طغرلبك: هو السلطان محمد بن ميكائيل، السلطان الكبير ركن الدين، أبو طالب، مؤسس الدولة السلجوقية، وعاش سبعين عاما، وكان بيده خوارزم ونيسابور وبغداد والري وأصبهان- الكتب»- سير أعلام النبلا- الطبقة الرابعة والعشرون- الجزء الثامن عشر ( ص: 107). وفي سنة 429هـ استولى طغرلبك على مدينة مرو، وخُطِب لطغرلبك على منابرها وتسمَّى ملك الملوك، وفي سنة 432هـ استولى طغرلبك على نيسابور وجرجان وطبرستان وكرمان وبلاد الديلم، وواصل طغرلبك فتوحاته حتى اصطدم بدولة بني بويه الشيعية المتحكمة في الخلافة العباسية فاستولى سنة 434هـ على خوارزم ثم اصطلح مع البويهيين على دخن.

[7] درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية-الطبعة: الثانية، 1411 هـ – 1991 م، ج/7، ص:99.

[8] طبقات الشافعية، لابن السبكي، تحقيق د: محمود الطناحي، ود: عبد الفتاح الحلو، دار هجر، الطبعة الثانية 1413هـ، ج2/272-275.

[9] فهرسة اللبلي لأحمد بن يوسف، تحقيق: ياسين يوسف، وعواد عبد ربه، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1408هـ/1988م، ص: 102-107.

[10] ذكر المقريزي في خططه ما آلت إليه الأوضاع بمصر وبلاد المغرب بعد عهد الخلفاء الراشدين ليمكننا ذلك من معرفة سبب هذه المآسي والصراعات بين الفرق، يقول في ذلك: (وقوى مع ذلك أمر الخلفاء الفاطميين بأفريقية وبلاد المغرب، وجهروا بمذهب الإسماعيلية وبثوا دعاتهم بأرض مصر، فاستجاب لهم خلق كثير من أهلها، ثم ملكوها سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وبعثوا بعساكرهم إلى الشام فانتشرت مذاهب الرافضة في عامّة بلاد المغرب ومصر والشام وديار بكر والكوفة والبصرة وبغداد، وجميع العراق، وبلاد خراسان، وما وراء النهر مع بلاد الحجاز واليمن والبحرين، وكانت بينهم وبين أهل السنة من الفتن والحروب والمقاتل ما لا يمكن حصره لكثرته، واشتهرت مذاهب الفرق من القدرية والجهمية والمعتزلة والكرّامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية، حتى ملأت الأرض، وما منهم إلّا من نظر في الفلسفة وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم تبق مصر من الأمصار ولا قطر من الأقطار، إلا وفيه طوائف كثيرة ممن ذكرنا..)، ثم تعرض لذكر انتشار مذهب أبي الحسن الأشعري في الشام والعراق ومصر فقال: (فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعريّ في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس المارانيّ على هذا المذهب، قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوريّ، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدّوا البنان على مذهب الأشعريّ، وحملوا في أيام دولتهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك..).

انظر: “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” المعروفة بخطط المقريزي، تقي الدين المقريزي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى/1418هـ ، ج (4/ 193).

[11] قال الإمام الحافظ ابن عساكر: “قرأت في كتاب أبي يعقوب يوسف بن علي بن محمد المؤدب الذي قرأه على أبي الفتوح بن عباس عن عبيد الله بن أحمد بن محمد الرجراجي قال نا أبو عبد الله محمد بن موسى بن عمار الكلاعي المايرقي الفقيه قال: أعظم ما كانت المحنة يعني المعتزلة زمن المأمون والمعتصم فتورع من مجادلتهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه فموهوا بذلك على الملوك وقالوا لهم إنهم يعنون أهل السنة يفرون من المناظرة لما يعلمونه من ضعفهم عن نصرة الباطل وأنهم لا حجة بأيدهم وشنعوا بذلك عليهم حتى امتحن في زمانهم أحمد ابن حنبل وغيره فأخذ الناس حينئذ بالقول بخلق القرآن حتى ما كان تقبل شهادة شاهد ولا يستقضي قاض ولا يفتي مفت لا يقول بخلق القرآن وكان في ذلك الوقت من المتكلمين جماعة كعبد العزيز المكي والحارث المحاسبي وعبد الله بن كلاب وجماعة غيرهم وكانوا أولي زهد وتقشف لم يروا احد منهم أن يطأ لأهل البدع بساطا ولا أن يداخلهم فكانوا يردون عليهم ويؤلفون الكتب في إدحاض حججهم إلى أن نشأ بعدهم وعاصر بعضهم بالبصرة أيام إسماعيل القاضي ببغداد أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري رضي الله عنه وصنف في هذا العلم لأهل السنة التصانيف وألف لهم التواليف حتى أدحض حجج المعتزلة وكسر شوكتهم وكان يقصدهم بنفسه يناظرهم فكلم في ذلك وقيل له كيف تخالط أهل البدع وتقصدهم بنفسك وقد أمرت بهجرهم فقال هم أولوا رياسة معهم الوالي والقاضي ولرياستهم لا ينزلون إلي فإذا كانوا هم لا ينزلون إلى ولا أسير أنا إليهم فكيف يظهر ويعلمون أن لأهل السنة ناصرا بالحجة وكان أكثر مناظرته مع الجبائي المعتزلي وله معه في الظهور عليه مجلس كثيرة فلما كثرت تواليفه ونصر مذهب السنة وبسطه تعلق بها أهل السنة من المالكية والشافعية وبعض الحنفية فأهل السنة بالمغرب والمشرق بلسانه يتكلمون وبحجته يحتجون..”. انظره في: تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري، تحقيق: أحمد حجازي السقا، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى/1995، ص: 118-119.

[12]  تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري، لابن عساكر، ص: 105-112.

* يشير البيهقي إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود في باب: (اتخاذ الوزير) ح: 2934 من طريق عائشة قالت: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه- وقد صححه الأباني في “صحيح سنن أبي داود”-ح 2932.

** أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” (8/162) و”شعب الإيمان” (15/425) من طريق أنس، وقد ضعفه الألباني في “السلسلة الضعيفة والموضوعة”- ح: 2504.

*** أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” (8/162) و”شعب الإيمان” (15/430) – وقد ضعفه الأباني في “السلسلة الضعيفة والموضوعة”- ح: 989.

**** أخرجه أبو داود باب: (ما يذكر في قرن المائة)-ح: 3740- وقد صححه الألباني في “صحيح سنن أبي داود”-ح 4291.

***** وفيه اختلاف، قال الألباني في “السلسلة الضعيفة والموضوعة”: لا أصل له، وقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا- (1/134).

****** أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” (8/162) و”شعب الإيمان” (15/491).

Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق