مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمعالم

ديـنـامـية عـلـمـاء الـقـرويـيـن – مهـمات الـسـفـارة –

            “أصل السفارة[1] الصلح بين الناس، فقد ذكر علماء العربية أن السفير: الرسول والمصلح  بيّن القوم، وفي أوقات الأزمات تظهر الحاجة إلى إرسال العلماء كسفراء، لأنهم أقدر من غيرهم على معالجة الأمور بروية وحكمة”[2]، ولا ينتخب لهذه المهمة إلا من كان “صحيح الفطرة والمزاج، ذا بيان وعبارة بصيرا بمخارج الكلام ووجوهه مؤديا لألفاظ الملك ومعانيها، صدوق اللهجة لا يميل إِلى طمع حافظا لما حمل”[3]، ومن تم لم يكتف الملوك والسلاطين بإرسال الرسائل، بل لقد اعتبروا الرسل أو السفراء ضرورة يقتضيها الحال والمقام، “قال بعض الأدباء من الحكماء:

ليس الكتاب ببالغ لك مبلغـــا        حتى يكون مع الكتاب رسول

ما في كتابك غير ما حملـته         لكن رسولك كيف شاء يقـول

   فإذا جمعتهما ولم تفردهـمـا         بلغ الـنجـاح وأدرك المأمـول”[4]

          لم يكن دور علماء القرويين منحصرا في التدريس وتلقين العلوم الشرعية وغيرها، بل إنهم كهيئة علمية اعتبروا سفراء أسندت إليهم مهمة التحاور مع أطراف مختلفة، وفي ظروف خاصة، فهم – كما يقول الدكتور عبد الهادي التازي- “مهيؤون بطبعهم أكثر من أي طبقة أخرى لمهمات السفارة، فإن طوال فترات طلبهم من أستاذ إلى أستاذ يكسبهم انضباطا مفرطا أمام من يتقدمهم خبرة ومركزا، وإن ممارستهم اليومية لآداب المعاملة والمخاطبات، وحفظهم لأخبار الماضين، جعل منهم عنصرا مرغوبا في الاستئناس بحديثه ثم إن ما جبلوا عليه من حب إصلاح ذات البين بين الناس كان عاملا قويا في تكليفهم بتلك المهمات”[5]، بالإضافة إلى أن “صراحتهم وحرصهم على عدم إخفاء الحقائق تجعل منهم قوما جديرين باعتماد أقوالهم، على عكس الآخرين الذين يجنحون للمخاتلة والتملق والتصنع، (…)، وقد عرف التاريخ المغربي عددا مهما من العلماء الذين قاموا بهذه المهمة الشريفة، كانوا مثلا يحتذى في علمهم وكفايتهم وموهبتهم، نذكر منهم الشيخ أبو الحسن الصغير الزرويلي (ت 719هـ) سفير سليمان حفيد يعقوب إلى الأندلس، وابن وردار (ت 758هـ) سفير أبي الحسن إلى المشرق، والأستاذ ابن أبي يحيى التازي(ت758هـ) الأستاذ بمدرسة الصهريج وسفير أبي الحسن إلى غرناطة، والشيخ السطي(ت 750هـ) سفيره لخطبة تونس، … وابن الخطيب (ت 776هـ) السفير لدى أبي عدنان، وابن بطوطة (779هـ) السفير المتنقل…”[6].

          “والطريف في حياة هؤلاء السفراء أنهم يتحلون بخفة دم، ودماثة خلق، ومتانة علم، ومعرفة باللغات، واستعداد فطري للاندماج والتفتح، أثار إعجاب الذين كتبوا، وكنا نقرأ سيرهم وكأنها مثلٌ ناطق مما تحدث به ابن الفراء عند أول القرن الخامس في كتابه (رسل الملوك ومن يصح للرسالة والسفارة) وكان في تقدير سفرائنا الأوائل أن أحكام الفقه تعفي السفير من عدد من القيود، بل إنها أي-الأحكام- تقتضي منه أن يحافظ على بعض الرسوم مما من شأنه أن يرهب الذين اعتمد عندهم ذلك السفير بحيث إنهم كانوا يحافظون على حسن الرواء والمنظر ويحرصون على التجميل بكل ما أمكن، لأن العامة ترمق الزي أكثر مما ترمق الكفاية، وهكذا فإن بعضهم كان يلبس الحرير، و يتختم بنفائس الأحجار، ويتطيب بأحلى العطور، ويخضب شعره، وكان فيهم من يحسن لعبة الشطرنج، ويعرف لغات أخرى”[7].

          إن قدرة علماء القرويين على الحوار ومعرفتهم بنفسيات الناس وطباعهم وعوائدهم جعلت لهم قدرة على التخلص من الكثير من المواقف، إذ قد يتعرض العالم السفير “لمآزق يكون عليه فيها أن يجد لنفسه مخلصا، وإلا استهدفت مهمته للإخفاق، لكنه إذا كان يتوفر على مزيد من الإطلاع والمعرفة في سائر الميادين أمكنه أن يستفيد من ذلك لتحويل الإخفاق إلى نجاح، والهزيمة إلى نصر”[8].

           وقد حققت السفارات بالإضافة للمهمات الدبلوماسية المنوطة بهم، مهمة علمية إذ كانت فرصة لنقل بعض العلوم والمعارف إليها والتعريف بتقاليد الإسلام والمسلمين أبانت فعلا عن حركية فعالة للعلماء، وعن ذكائهم و حذاقتهم.

           فاختيار السفراء من الهيئة العلمية إذن راجع لعدة أسباب:

          – صلاحيتهم أكثر من أي طبقة أخرى للقيام بهذه المهمة، فطلبهم العلم من شيخ إلى آخر يكسبهم انضباطا مفرطا أمام من يتقدمهم خبرة ومركزا.

          – حرصهم في العادة على إصلاح ذات البين.

          – تمرس العلماء على المواقف التي يجب الإقدام عليها والبث فيها فيما يخص الاتفاقات والمعاهدات ولذلك تكون بوادرهم غير مهددة بانتقاد الشعب، لأن العالم الفقيه مؤتمن على ما يقوم به.


[1]– السفير: “الرسول والمصلح بين القوم والجمع سفراء، وقد سفر بينهم يسفر سفرا وسفارة أصلح، وفي حديث علي أنه قال لعثمان: إن الناس قد استسفروني بينك وبينهم، أي جعلوني سفيرا، وهو الرسول المصلح بين القوم. يقال: سفرت بين القوم إذا سعيت بينهم في الإصلاح”، لسان العرب (مادة سفر).

[2]– العلاقات العلمية بين الأندلس ومدينة فاس منذ بداية القرن الثالث الهجري حتى سقوط غرناطة للدكتورة إيمان بنت دخيل الله العصيمي، رسالة لنيل الماحستير في تاريخ الحضارة، 1430هـ/ 2009م، جامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الاسلامية، ص 63.

[3]– رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة، القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بابن الفراء( 458هـ)، تحقيق: د صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ – 1972م، 1/50.

[4] – رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة، القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن محمد بن خلف المعروف بابن الفراء (458هـ)، تحقيق د. صلاح الدين المنجد، دار الكتاب الجديد بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ، 1972م،1/31.

[5] – جامع القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري والفكري للعلامة عبد الهادي التازي، دار الكتاب اللبناني، بيروت2/447.

[6] – جامع القرويين للدكت ور عبد الهادي التازي2/448.

[7] – جامع القرويين للعلامة عبد الهادي التازي2/447.

[8] – جامع القرويين عبد الهادي التازي2/448.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق