مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةشذور

درر قرآنية (10): خصال عشر في أعمال الباطن في تلاوة الكتاب: -3- حُضُورُ الْقَلْبِ وَتَرْكُ حديث النفس

إن مما يتعين على مريد التلاوة للكتاب بعد التحقق بتعظيم منزله ، أن يوطن نفسه على تعظيم  كلامه -وهو من سني صفاته وعظام أثره- فلا ينبغي أن يُرى منه التشاغل، وهو يتلو مبانيَ الكتاب ونصوصَه، عن مشاهدة حقائقه ومعاينة فصوصه، بل عليه أن يلج حضرة التلاوة بقلب شهيد، وسمع عتيد، وبصر حديد، ولن يَيْسُر له ذلك إلا أن يجاهد في مدافعة شوائب الخواطر، وفضول الأفكار، وعوارض أحاديث النفس؛ أمَا إنه لو صبر وصابر، وأدمن المرابطة في هذا الثغر وثابر، لَـهُدي من آي الكتاب إلى مواقعة روضات دمثات، وميادين فيحاء، وعرائس حسان، تملك عليه أقطار إحساسه، وتغترق منه سبحات فكره، وتملأ عليه خلجات نفسه، فلا يلبثُ أن يجد بَردها تحققا وتعلقا، وأثرَها: أُنسا وتأنُّقا، وإنه إذاً لعلى المرتسم الملحوب لمنهاج السالكين ومدارج السائرين في منازل تلاوة كتاب الله المبين..

تلك أثارة من مثارات هذه الدرة الثالثة ، وبداءة شجنة من نفائس شجونها، أضعها بين يديك -أخي القاري الكريم- لتعرج بذريعة التخلق بها إلى مقام في التلاوة رفيع، وتَخْلُص منها إلى ذوق في الوصل بديع، روحه خلوص الحضور وتمام التجرد، وأثره التمثل المتبتل لبينات الكتاب وبصائره..

 قال رحمه الله:

“قيل في تفسير: {يـيحيى خذ الكتـب بقوة} [مريم: 12] أي: بجد واجتهاد، وأخذه بالجد: أن  يكون متجرداً له عند قراءته،  منصرفَ الهمة إليه عن غيره.

وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن، تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أوَ شيء أحبُّ إلي من القرآن أحدثُ به نفسي؟

وكان بعض السلف إذا قرأ آية لَمْ يَكُنْ قَلْبُهُ فِيهَا، أَعَادَهَا ثَانِيَةً.

وَهَذِهِ الصِّفَةُ تَتَوَلَّدُ عَمَّا قَبْلَهَا مِنَ التَّعْظِيمِ؛ فَإِنَّ المعظم للكلام الذي يتلوه، يستبشر به ويستأنس ولا يغفُل عنه؛ ففي الْقُرْآنِ مَا يَسْتَأْنِسُ بِهِ الْقَلْبُ إِنْ كَانَ التَّالِي أَهْلًا لَهُ، فَكَيْفَ يَطْلُبُ الْأُنْسَ بِالْفِكْرِ في غيره وهو في متنزَّه ومتفرَّج! والذي يتفرج في المتنزَّهات لا يتفكر في غيرها؛ فقد قيل: إن في القرآن ميادينَ وبساتينَ ومقاصيَر، وعرائسَ ودبابيجَ ورياضاً وخانات؛ فالميمات[1] ميادين القرآن،  والراءات [2]بساتين القرآن، والحاءات[3] مقاصيره، والمسبّحات عرائس القرآن[4]، والحاميمات دبابيج القرآن[5]، والمفصل رياضه[6]، والخانات [7]ما سوى ذلك، فإذا دخل القارئُ الميادين، وقطف من البساتين، ودخل المقاصيرَ، وشهد العرائسَ، ولبس الديابيج، وتنزه في الرياض، وسكن غرف الخانات، استغرقه ذلك وشغله عما سواه، فلم يعزب قلبُه، ولم يتفرق فكرُه.”

إحياء علوم الدين :2/295- 296 ( دار المنهاج )


[1] ـ وهي ما افتتح بـ ( ألم ) و( ألمص) و ( ألمر)  [ ينظر في هذه الألقاب جمال القراء وكمال الإقراء: 1/35 ]

[2] ـ  ما افتتح بـ ( ألر) من سور الكتاب الكريم

[3] ـ  وهي الحامدات من سور القرءان، وهي خمس. والمقاصير جمع مقصورة، وهي العلية في الدار، أو جمع قصر على غير قياس [ إتحاف السادة المتقين: 5/86]

[4] ـ المسبحات – بكسر الباء – : السورالسبع في القرءان التي تفتتح بتسبيح الله عز وجل، وتبدأ بالإسراء، وتنتهي بالأعلى [ برهان الزركشي: 1/165]، والعرائس جمع عروس..

[5] ـ   ويقال:  الحواميم وآل حم: السور القرءانية التي تبدأ بـ ( حم )، والأثر بذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، والدبابيج – بباءين موحدتين –  أو الديابيج – بياء أولى – : جمع ديباج، مولد، وهو ثوب سداه ولحمته إبرسيم [ إتحاف السادة المتقين: 5/86]

[6] ـ   المفصل: ما ولي المثاني من قصار السور، سمي مفصلا لكثرة الفصول التي بين السور ببسم الله الرحمن الرحيم، وقيل لقلة المنسوخ فيه, ووجه سياقته ناظر إلى تنوع أحكامه ومضامينه، كما تتنوع ألوان نتاج الرياض وثماره. ومبتدِؤه – على راجح القول – سورة ق إلى نهاية القرءان الكريم. [ البرهان : 1/  245 – 246]

[7] – جمع خان وهي نزل المسافرين ( الفنادق)، وههنا مراد بها منازل السائرين في ارتياد بصائر الآي، والوقوف عند بينات دلالاتها.

اظهر المزيد

د.توفيق العبقري

  • مشرف على البحث العلمي بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق