مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

حكميات عطائية: “تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال”

“تنوعت أجناس الأعمال لتنوع واردات الأحوال” أو لنقل: “بتنوع واردات الأحوال تتنوع أجناس الأعمال”

    تعتبر الأحوال أصولا لتلك الفروع وهي الأعمال، “كما أن الأسماء أصول فروع الأحوال، وأن الصفات أصول للأسماء، والأسماء فروع لها، وأن آثار الأسماء تظهر على القلوب وآثار الصفات تتجلى على الأسرار. تحصل بهذا أن القلوب تظهر آثارها على الأعمال الظاهرة، والأسرار تظهر أنوارها على النفس الطاهرة… فمبتغى وغاية الفيض القلبي الأعمال القالبية، ومنتهى تجليات الأسرار الأخلاق السَّنية والحالات السُّنية، فكل فرع من الأعمال بما شاكله من الأحوال…ومن ذلك تنوعت أجناس الأعمال[1]

    فتنوع الشيء تكثيره وتلونه، ولأجل هذا المعنى اختلفت أحوال الصوفية بين قبض وبسط، ورغبة وحرص، ومحبة وشوق، ومعرفة وشهود…، إلى غيرها من الأحوال وما ينشأ عنها من الأعمال، فتعدد بذلك تسميات أهل التصوف، فمنهم العباد، ومنهم الزهاد، ومنهم الورعون، ومنهم المريدون، ومنهم العارفون… [2]

    قال الشيخ زروق في قواعده، قاعدة: النسك الأخذ بكل مسلك من الفضائل من غير مراعاة لغير ذلك، فإن رام التحقيق في ذلك: أي النُّسك فهو العابد، وإن مال للأخذ بالأحوط فهو الورع، وإن آثر جانب الترك طالبا للسلامة فهو الزاهد، وإن أرسل نفسه في مراد الحق فهو العارف، وإن أخذ بالتخلق والتعلق فهو المريد[3]ولا يلزم من اختلاف المسالك اختلاف المقصد، بل قد يكون متحدا مع اختلاف مسالكه، كالعبادة والزهادة والمعرفة… فكلها متداخلة، ولابد للعارف من عبادة وإلا فلا عبرة بمعرفته إذ لم يعبد معروفه، ولابد له من زهادة وإلا فلا حقيقة عنده إذ لم يعرض عما سواه، ولا بد للعابد منهما، إذ لا عبادة إلا بمعرفة أي: في الجملة، ولا فراغ للعبادة إلا بزهد. والزاهد كذلك؛ إذ لا زهد إلا بمعرفة أي في الجملة، ولا زهد إلا بعبادة وإلا عاد بطالة، فمن غلب عليه العمل فعابد، أو الترك فزاهد، أو النظر لتصريف الحق فعارف والكل صوفية[4]

    ويتحصل من كون أعمال القلوب أصولا لأعمال الجوارح عدم المبالاة بفوات الفروع من غير سبب من العبد، فهنا تفضيل لأعمال القلوب، وتنبيه على مزيتها لغفلة أكثر الناس عن ذلك وقصرهم النظر على أعمال الجوارح، حتى إن كثيرا ممن يتعاطون العلم؛ يتمهرون فيما يتعلق بأعمال الجوارح ويزهدون في أعمال القلوب، فلا يعرفون حقائقها فضلا عما يتعلق بها، مع أن الأمر بهما معا من رب واحد على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وفيها أيضا تعليم لكيفية التوصل إلى أعمال الجوارح، وبيان لما يسهلها، فإن من قصد إصلاح ظاهره وتمرين جوارحه على الطاعات مع تلويث باطنه وغفلة قلبه، تعذر عليه الوصول إلى ذلك، ومن سعى في إصلاح باطنه أولا، وتطهير قلبه، سهُل عليه انقياد جوارحه للأعمال[5]

    وفي هذا إشارة إلى منهج التخلية ثم التحلية، في مقابل التحلية ثم بعد ذلك التخلية، فهل ما يزال ذاك المنهج أي: التخلية ثم التحلية، يقوم بدوره في تعمير الباطن كما الظاهر لنيل السعادة الأبدية في عصرنا الحالي كما الماضي، أم العكس هو الصحيح؟، هذا العصر الذي يشهد أزمة روحية تسيطر عليها الحياة المادية الجوفاء حتى أصبح هم الفرد وشغله الشاغل هو إرضاء نفسه وشهواتها التي لا تنحصر، في وضع كهذا هل يمكن أن يبقى هذا المنهج فعّالا؟ وما الحل لرأب هذا الصدع؟ هل الفرد في استعداد لأن يتخلى بالكلية عما اعتادته نفسه ـ”والنفس كالطفل إن تهمله شب على ** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم“ـ وأن يُقبل على تحليتها بالكلية كذلك؛ الأمر صعب إذا ما صرنا إلى تطبيقه، وحتى لو تحقق فسيتحقق بعد طول زمان.

    إذن وجب قلب هذا المنهج ليصير منهجا للتحلية ثم التخلية، فإذا استشعر المرء وذاق حلاوة الإيمان وجدد النية والعزم، واعتبارا للفطرة التي أودعها فيه مولاه جل وعز ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ [سورة الروم، الآية:30]، وأن النفس تحن إلى أصلها، فهو بلا شك سيتحلى، وسيسهل عليه إذ ذاك أن يتخلى.

    وبالتالي “فإذا ورد على القلب العلم بفضائل قيام الليل أو الصدقة أو الصيام مثلا، تنشأت عن ذلك حالٌ، هي اشتياق القلب إلى ذلك، وتوجُّهُهُ إليه، وإيثاره على غيره، وينشأ عن تلك الحال ذلك العمل المخصوص[6]

الهوامش

[1] شفاء السقم وفتح خزائن الكلم في معاني الحكم، للشيخ باراس ص:145 يتصرف.

[2]  إيقاظ الهمم في شرح الحكم لابن عجيبة، ص:46

 [3]  قواعد التصوف لأحمد زروق، دار البيروتي، ط1/2004م. القاعدة: 70، ص:103

 [4]  قواعد التصوف لأحمد زروق القاعدة 10، ص:25.

[5]  شرح الحكم لابن زكري، تحقيق: طارق العلمي، ص:130، مرقون.

[6]  شرح الحكم لابن زكري، ص:131، مرقون

Science

ذ. محمد المنصوري

باحث بسلك الدكتوراه

مركز دراسات الدكتوراه: النظر الفقهي والقضايا الإنسانية.

مختبر: تحليل الخطاب وأنساق المعارف. جامعة القاضي عياض، كلية الآداب و العلوم الإنسانية -مراكش-

 ماستر الاجتهاد التنزيلي في المذهب المالكي، جامعة أبي شعيب الدكالي كلية الآداب و العلوم الإنسانية -الجديدة-

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بالرابطة المحمدية للعلماء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق