مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

توجيه متشابه الكتاب عند علماء الغرب الإسلامي: وجه ختم آية الرعد بالوعيد وختم آية الحج بالنكير

بسم الله الرحمن الرحيم

وجه ختم آية الرعد بالوعيد وختم آية الحج بالنكير عند قوله تعالى:”فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ”[الرعد: 32]، وقوله في سورة الحج: “فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ” [الحج: 44]،

الامتناع عن الانصياع إلى الحق خلق ذميم، ووصف يجافيه الطبع السليم، وقد جاء الشرع عاضدا لما تمجه الفطر السوية، فأنكر ذاك أيما نكير، وشنع على منتحليه غاية التشنيع، وتجلية لهذا المركب الوخيم،  وتحذيرا من  المسالك المفضية إليه، نلفي الكتاب يرصد بعض البواعث التي تحمل صاحبها على رد النصح، وتدفعه إلى الامتناع عن الإذعان و الاستجابة لنداء الحق، فأخبر أن منها ما يكون باعثه اتباع الهوى،  “فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ” [القصص:50]،

ومنها ما يكون صادرا عن الحسد الحامل على العناد والمكابرة،فقال: “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا” [الإسراء:61-62]، -والحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وهو الذي حمل أهل الكتاب على عدم  الاستجابة لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فمعظم المفسرين على أن قوله تعالى: “أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ” [النساء:54]، في حسد اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما خصه به من فضله ورسالته[1]-.

ومنها ما يكون عن جحود و مكابرة، مع تيقن صدق المناصحة، كما أخبر تعالى عن فرعون وبطانته”وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا” [النمل:14]..

وموانع الصدود مبثوثة في الكتاب، ليس قصدنا استيفاؤها في هذا المقام، بقصد ما أردنا التنبيه على أكبرها جرما وأشدها خطرا على من قام به وصفها، مع ربطها بتوجيه متشابه الكتاب.

رد الحق ومناهضة النصح هو تجل من تجليات الاختيار في الإنسان، فله أن يذعن لما دعي إليه، فيستجيب لنداء الحق، كما له حرية الرفض و الممناعة، ثم هو مشكور في الأولى ملوم في الثانية، إلا أن هناك مرتبة في الثانية هي أشد وأنكى، وهي أن يضم إلى رد الحق و عدم قبوله السخرية بناصحه، و التمادي في الاستهزاء به، فيجمع بين كبيرتين، ويستحق المؤاخذة بالجريرتين، إذ ما من شيء آلم لقلب الناصح من أن يقابل نصحه بالسخرية والاستهزاء، ولا يفعل ذلك إلا عتاة الطغاة، مستغلين توافر الحاضرين للتنقيص من الناصح و التلذذ بالتهكم به، فيتفطر قلبه كمدا، ويتوجع فؤاده ألما، حتى يفضـي به الموقف إلى الإشراف على الموت، وهذا المعنى مضمن في دلالة “هزأ”  قال في التاج: ” وهَزَأَ الرجلُ إِبِلَه هَزْءاً قَتَلَها بالبَرْدِ، وقال ابن الأَعرابي: “وهَزَأَ الرجلُ ماتَ.” [2] “وقال الزبيدي: “هَزَأَ زيدٌ : ماتَ مكانه، أَي: فجأَةً “[3]، وهو كذلك، فالاستهزاء بالمرء وإن كان لا يجهز عليه بالكلية، إلا أنه يترك جراحا عميقة بنفسه، لا يشفيها إلا الانتصار لمظلمته، والأخذ بحقه من ظالمه، إلا يفعل تبقى المرارة يتجرع سمومها علقما يسري في كيانه، وهو مستشيط غضبا من حاضري مجلس الاستهزاء، ناقم أشد النقمة على من تولى كبره، ولذلك نهى الله المؤمنين أن يكونوا مع من يستهزءون بآياته، و عدَّ تواجدهم معهم رضى بما يصنعون،  “وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا” [الأنعام:140] ، فإما أن يغير المنكر ويزال، وإما أن يزول عن مجلسه الإنسان،  كما نهى عن موالاة المستهزئين بدينه، وجعله هجرانهم علامة التقوى والإيمان، “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ” [المائدة:57]

وباستحضار دلالة الاستهزاء وما يترتب عليها من آثار في نفس المستهزَأ به، تجعله يتشوف بعدها للانتقام، شفاء لما ألم بصدره، وإذهابا لغيظ قلبه، يمكن توجيه ختم آيتين قرآنيتين، تعدان من متشابه الكتاب، الأولى في سورة الرعد “فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ”[الرعد: 32]، و الثانية في سورة الحج: “فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ” [الحج: 44]، ومعلوم أن التوعد بالعقاب أشد من الإنكار، وإن كان الوعيد مفهوما منه ضمنا لا تصـريحا، وللوقوف عن سر المغايرة بين الفاصلتين، نجد أن مساق الآية الأولى مسبوق بالإخبار عن استهزاء المكذبين لرسلهم، “وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ” [الرعد: 32]،  وقد علمنا من معهود الكتاب أن التوعد ديدنه في كل مستهزئ بشعائر الله  “وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ “[التوبة:65-66]،  وأنه يبكت المعذبين يوم القيامة ويذكرهم بما استحقوا العقوبة، فيقول: “ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا” [الكهف:106]، وشواهده في الكتاب عديدة، فناسب آية سورة الرعد أن تجري على وزان نسق آيات الاستهزاء،  ولم يرد في آية سورة الحج ما يستدعي التوعد، فجاءت خلوا من الوعيد الصريح، وذيلت فقط بالإنكار، الذي يكون على تصرف مشين، قد يعاقب صاحبه، وقد تتداركه الألطاف فيرعوي، فيستحق المثوبة والغفران.

في توجيه هذا الفرق يقول الشيخ أحمد الغرناطي:

“الآية السادسة من سورة الرعد:  – قوله تعالى: “فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ” [الرعد: 32]، وفي سورة الحج: “فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ” [الحج: 44] للسائل أن يسأل عن وجه تعقيب الأولى بقوله: “فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ” والثانية بقوله: “فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ” مع تساوي الآيتين في مقصود الوعيد لمكذبي الرسل، عليهم السلام؟

والجواب، والله أعلم: أن العقاب أشد موقعاً من النكيير لأن الإنكار يقع على ما لا عقاب فيه بالفعل، وعلى ما فيه العقاب بالفعل، وأما مسمى العقاب فإنما يراد به في الغالب أخذ بعذاب مناسب لحال المجرم إثر معصيته وعُقيْب جريمته، وقد تقدم في آية الرعد قوله تعالى: “وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ” (الرعد: 32)، والاستهزاء أمر مرتكب زائد على التكذيب من التهاون، والاستخفاف بجريمة مرتكبة أشنع جريمة، فناسبها الإفصاح بالعقاب.

أما آية الحج فإن الوعيد فيها للمذكورين بالتكذيب ولم يذكر منهم استهزاء، قال تعالى: “وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ  وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ  وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى”، [الحج: 42 – 44]، فلم يخبر عن هؤلاء بغير التكذيب وليس كالاستهزاء، فقد يؤمن المكذب ويصلح حاله، أما المستهزئ فلا يصلح، وقد كفى الله نبيه إياهم، قال تعالى: “إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ” [الحجر: 95] فناسب النظم تعقيب كل آية بما يناسب مرتكب من تقدم فيها، ولم يكن عكس الوارد ليناسب، والله أعلم.”[4]

 

[1] قال ابن كثير: “يعني بذلك: حسدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل” 2/336.

 

[2] لسان العرب، 1/183. وينظر التاج 1/256. مادة: “هـ-ز-أ”

[3] تاج العروس مادة، “هـ-ز-أ” 1/256.

[4] ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل، في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، 2/568-569.

Science

د.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق