مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكتراث

تقريب نظم ابن عاشر شذرات من شرح العلامة الشيخ أبي عبد الله محمد بن قاسم جسوس على توحيد ابن عاشر(1)

قال العلامة الشيخ أبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس شارحا قول الناظم:

مُقَدِّمَةٌ لِكِتَابِ الاعتقاد                 مُعِينَةٌ لِقَارِئِهَا عَلَى الْمُرَادْ

وَحُكْمُنَا العَقْلِي قَضِيَّةٌ بِلاَ              وَقْفٍ عَلَى عَادَةٍ أَوْ وَضْعٍ جَلاَ

أَقْسَامُ مُقْتَضَاهُ بِالْحَصْرِ تُمَازْ          وَهْيَ الْوُجُوبُ الاِسْتِحَالَةُ الْجَوَازْ

فَوَاجِبٌ لاَ يَقْبَلُ النَّفْيَ بِحَالْ            وَمَا أَبَى الثُّبُوتَ عَقْلاً الْمُحَالْ

وَجَائِزًا مَا قَابَلَ الأَمْرَيْنِ سِمْ            لِلضَّرُورِي وَالنَّظَرِي كُلٌّ قُسِمْ

لما فرغ من بيان مقصوده في هذا النظم وهو مجموع ثلاثة علوم: الاعتقادات السمعية والعقلية، والعبادات البدنية، والآداب القلبية، شرع في بيانها وبدأ بعلم العقائد؛ لأن الإيمان شرط في صحة سائر المعاملات، فهي كالأساس الذي ينبني عليه غيره كما يأتي في قوله: وهي الشهادتان شرط الباقيات؛ إذ لا عبادة إلا بعد معرفة المعبود، فكيف تعبد من لا تعرفه بأسمائه وصفاته. انتهـى. فكانت معرفته أوجب من معرفة غيره؛ لذلك قال في المراصد:

وبعدُ فالعلم أجلُّ ما طَلب   *  ذو العقل والأوكد منه ما وجب

والأول الأوجب علم المعتقد *  إذ هو عين دائما فليعتمد

وهو أصل والأصول تسبق  *  فروعها فهو حقا أسبق

ولما كانت العقائد أول الواجبات، وكان مدارها على الحكم العقلي بأقسامه الثلاث: الواجب والمستحيل والجائز، ولا يخاطب بواجب ولا غيره إلا المكلف، تعرض الناظم لبيان ذلك أولا، وجعل ذلك كله مقدمة لكتاب الاعتقاد؛ إشارة إلى أن جميع ما ذكره في هذه المقدمة من المبادئ التي يُطلب تقديمُها على المقصود بالذات، ولذلك قدم في الصغرى الكلام على أقسام الحكم العقلي وعلى حكم معرفة هذا العلم شرعا قبل الكلام على العقائد، وقال في شرحها: “واعلم أن معرفة هذه الأقسام الثلاثة وتكرير تأنيس القلب بأمثلتها حتى لا يحتاج الفكر في استحضار معانيها إلى كلفة أصلا، مما هو ضروري على كل عاقل يريد أن يفوز بمعرفة الله تعالى وبمعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، بل قال إمام الحرمين وجماعة أن معرفة هذه الأقسام الثلاثة هي نفس العقل، فمن لم يعرف معانيها فليس بعاقل، وبالله التوفيق” انتهـى.

قال سيدي عبد الرحمان الفاسي: المراد بمعرفة هذه الأقسام معرفتها من حيث جزئياتها كثبوت الحركة أو السكون للجِرم ونفيها، وثبوت أحدهما بالخصوص من حيث حدودها وتعريفها، والمراد معرفةُ ما هو ضروري لا ما هو نظري، ولا معرفة الضروريات كلها؛ لأن الأعمى عاقل. وعمم المصنف ومراده الضرورية؛ لأنها أصل النظر، وأما النظرية فتتوقف على النظر، وقد أخطأ فيه كثير من العقلاء. انتهـى.

فالمراد أن العقل عنده بعض العلوم الضرورية، وانظر ما يأتي قبل قوله: “أول واجب” فقد ذكرنا الخلاف في العقل ما هو.

فقول الناظم: مقدمة؛ خبر لمبتدأ محذوف، أي هذه مقدمة، وهي بكسر الدال بمعنى متقدِّمة من “قَدَّمَ” اللازم، بمعنى تقدم، وبفتحها من “قَدَّمَ” المتعدي، بمعنى أن الغير قدمها، والكسر أحسن؛ لأنه يُشعر بأن التقديم لها ذاتي لا جَعلي كما يُشعر به الفتح، ولذلك اقتصر عليه السعد في مختصره قائلا: وهي مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منه، قال: “ويقال مقدمة العلم لما يتوقف عليه الشروع في مسائله، يعني كالمبادئ العشرة، ومقدمة الكتاب لطائفة من كلامه؛ قُدمت أمام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه”. يعني كما فعل الناظم هنا. قال: “والفرق بينهما مما خفي على كثير من الناس”.

وقول الناظم: “لكتاب الاعتقاد”؛ أي وأما مقدمة علم الفقه فستأتي في قوله: “مقدمة من الأصول”.

وقوله: “معينة على المراد”؛ صفة لمقدمة؛ أي معينة على فهم المراد من أقسام الاعتقاد.

د. إدريس غازي

• خريج دار الحديث الحسنية ـ الرباط.
• دكتوراه في الدراسات الإسلامية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ـ فاس، في موضوع: "أصل ما جرى به العمل ونماذجه من فقه الأموال عند علماء المغرب".
• دبلوم الدراسات العليا من دار الحديث الحسنية، الرباط، في موضوع: "المنهجية الأصولية والاستدلال الحجاجي في المذهب المالكي".
من أعماله:
ـ الشاطبي بين الوعي بضيق البرهان واستشراف آفاق الحجاج.
ـ في الحاجة إلى تجديد المعرفة الأصولية.

الدكتور عبد الله معصر

• رئيس مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك بالرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق