مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

المنهج التربوي الصوفي عند العلامة اليوسي من خلال رسائله: “رسالة التربية الصوفية أنموذجا”.

يعد الحسن اليوسي من رواد الحركة الصوفية بالمغرب، إذ كانت خصوصيته التي جعلها طريقا ومنهجا يهتدي به في حياته العلمية والعملية على حد سواء، فهو ذو شخصية تراثية ارتبط اسمها بالزوايا المغربية في بداية تأسيس الدولة العلوية، ذات علاقات متشعبة مع حكام وعلماء عصرها، خلف لنا ثروة أدبية وازنة خاصة في مجال الترسل، ولعل ما قامت به الدكتورة فاطمة خليل لأجل جمع وتحقيق رسائل أبي الحسن اليوسي نابع من وعيها التام بهذا الموروث الأدبي والفكري الذي ضمنه هذا العلامة رسائله،ورغبة واضحة منها في الحفاظ على الإرث الذي أسهم بدون شك في رسم خصوصية الهوية الأدبية المغربية، هذه الهوية التي طبعها التصوف؛ علما وممارسة سنية، ارتكزت على مبادئ شرعية متأصلة وملتزمة بعماد الدين وأصوله.

ومن ثمة يتغيى هذا المقال تبين الوسائل المعتمدة والمناهج المتبعة عند الصوفية  ومن خلالها المنهج التربوي عند الحسن اليوسي بأبعاده المختلفة، حيث وضح فيها العلامة الإمام اليوسي رحمه الله منهج التربية الصوفية بشكل ممنهج وواضح غايته من ذلك إماطة الأذى عن سالك طريق القوم، حتى لا تلتبس عليه الأمور، وقد رام فيها تحديد ما هو أساسي وما هو محوري في السلوك الصوفي، مع مراعاة التفاوت في المقامات والأحوال، فكان بذلك مجددا من حيث التزامه بالوضوح والسلاسة في وضع حدود المنهج التربوي الصوفي، ومن ثمة كانت رسالة التربية الصوفية ـ وهي الرسالة العاشرة حسب ما ورد في ترتيب الدكتورة المحققة جامعة مانعة لما يؤسس له التصوف؛ ممارسة دينية لها مرتكزاتها العقدية والسلوكية بخصوصيتها التربوية التي تتوافق وثوابت الهوية الدينية المغربية.

بناء على ما سبق سيتم بيان كل ذلك وفق خطوتين تسعفان في الإفصاح عن المراد وهما كالآتي:

-التعريف بالإمام اليوسي رحمه الله ومساره الصوفي.

-المنهج التربوي الصوفي عند الإمام اليوسي  من خلال رسالته.

أولا: الإمام اليوسي[1] رحمه الله ومساره الصوفي

1نسبه ومسقط رأسه:

عرف اليوسي نفسه في كتابه المحاضرات  بقوله: ” أنا الحسن بن مسعود بن محمد، بن علي بن يوسف بن أحمد بن ابراهيم  بن محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف وهو أبو القبيلة بن داود بن يدراسن، بن بنتتو، فهذا ما بعد النسب، إلى أن دخل بلد “فركسلة” في قرية منه تسمى حارة ”  أقلال[2] وهي معروفة الآن”[3].

وأما كنيته بأبي علي فهي كنية الحسن، وقد كناه بها شيخه سيدي محمد بن ناصر الدرعي حين قدومه عليه طالبا للعلم سنة 1060هـ مادحا إياه بقصيدة جاء في مطلعها:

خليلي مرا بي على الدور والنهر **** لعلي من ليلي أمر على خير

فكان من أثرها انبساط الشيخ إلى اليوسي التلميذ فكتب  إليه:

                أبا علي جزيت الخير والنعما **** ونلت كل المنى من رنا قسما

ذكر اليوسي رحمه الله اسم البلدة التي ينتمي إليها في القولة السابقة؛ وهي بلدة “فركلة” في الصحراء، وهذا ما ذهب إليه  محمد حجي في موسوعته حين بحث في أصول قبيلة آل يوسي التي تنحدر في رأيه من تافيلالت صحراء المغرب فيقول: “وقد استقر منهم منها في ناحية صفرو وفاس، وإليهم ينتمي العلم الحسن اليوسي”.             كان مسقط رأس اليوسي بهذه الربوع، كما نشأ في أسرة متدينة، فأبوه رجل دين رغم أميته، فيقول الابن في والده: “فاعلم أن أبي  مع كونه رجلا أميا كان رجلا متدينا مخالطا لأهل الخير، محبا للصالحين، زوارا لهم، وكان أعطي الرؤية الصالحة ، فيرى الرؤيا ويعبرها لنفسه فتجيء كفلق الصبح”.

كما  كانت لوالده مكانة مرموقة في قبيلته، أما  والدته فقد توفيت وهو لا يزال صبيا، مما أصابه بصدمة نفسية شديدة، لكنه بعد أن أخذ مشرب القوم فسرها تفسيرا عقديا، وضرب مثلا في ذلك بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقال: قالوا إن الحكمة في ذلك أن لا يبقى عليه حق لمخلوق، قلت وفي اليتم انقطاع العلائق وصحة التجرد للخالق”[4].

2- تعليمه وبداية توجهه الصوفي:

رحل اليوسي رحمه الله في طلب العلم وهو لا يزال فتيا، حيث لم يتجاوز السادسة أو السابعة من عمره، توجه إلى التخوم الصحراوية، وهناك التقى مع العديد من الشيوخ وتتلمذ على أيديهم وتلقى عنهم المعارف.

كانت هذه رحلته العلمية الأولى زمن الصبا، وقد كانت نابعة عن مجموعة من القناعات الشخصية، أما فيما بعد فقد كانت هذه الرحلات إجبارية؛ إذ كان يتلقى بين الفينة والأخرى أوامر سلطانية بالترحال، فتعدد بذلك  شيوخ الإمام اليوسي ومن ثمة تعددت مشاربه الشيء الذي انعكس على تكوينه العلمي عامة وهويته الصوفية بشكل خاص، ولعل أبرز ما يمكن الحديث عنه في هذا المقام هو التماسه العلم  في رحاب الزوايا، وطلبه لطريق القوم، فالتحق بالزاوية الناصرية بتمكروت سنة 1060هـ، ثم بعد ذلك ارتحل إلى الزاوية الدلائية، التي كانت المحطة الأخيرة التي سيتلقى بها الإمام اليوسي عصارة العلوم، وقد التحق بها وهو في عنفوان شبابه، وفي ظلالها عاش التجربة الصوفية بشقيها: شق التلمذة، وشق المشيخة، كما عرف الاستقلال الاجتماعي، حيث تربع على كرسي التدريس، فأسهم في تكوين جيل من العلماء.

حصل اليوسي رحمه الله بفضل اجتهاده وكده على مجموعة من الإجازات العلمية من كبار شيوخ المرحلة؛ إجازة المرابط الدلائي وإجازة الشيخ عبد القادر الفاسي وغيرهما من كبار رجالات التصوف، مما جعله يحصل على شهادات قيمة من طرف  العديد من علماء العصور التالية؛ وقد عده صاحب السلوة من مجددي القرن الحادي عشر.

3- الحضور الصوفي في شخصية  الإمام اليوسى.

سطرت الزاوية الناصرية والزاوية الدلائية خطوطا وقسمات بارزة في شخصيته الصوفية، حيث شكل التصوف القاسم المشترك في أغلب مؤلفاته التي عكست اندماج العالم الفقيه في أدبيات القوم وتقاليدهم، دون أن يفلت من يده زمام الاعتدال الضابط كسمة من خصائص التصوف السني[5]، ويرى الدكتور عباس الجراري أن ” التصوف يشكل العنصر الذي يتمحور حوله تكوين اليوسي، وهي حقيقة ترجع إلى عوامل بيئية داخلية وخارجية واستعدادات فطرية مكتسبة”[6]. وتلك حال عمت المجتمع المغربي في أوانه، حيث يجب أن نستحضر تلك الازدواجية الفكرية التي طبعت المرحلة العلمية المغربية آنذاك، فتراوح تكوين الإمام اليوسي رحمه لله بين تكوين فقهي وصوفي وأدبي، وقد تنوعت كتاباته رحمه الله بين علوم شتى منها العقيدة والفقه والتصوف، كما تجاذبته لغة الفقه وأصول الدين وكذلك لغة التصوف التي وجدت القابلية في نفوس الغالبية من العامة والخاصة.

4- الزاوية اليوسية ووفاة الإمام اليوسي:

لما تكامل البناء الصوفي في شخصية اليوسي، توجه إلى “خلفون” حيث أسس زاويته البسيطة وانقطع إلى العبادة فيها في السنين الأخيرة من حياته، فخصه ابن ناصر الدرعي  بسندها  وجعله خلفا له في الطريقة، التي هي امتداد للطريقة الشاذلية المبنية على أصول الشرع المستقيم الثابتة بالكتاب والسنة وتحقيق الإنابة والالتجاء إلى الله تعالى في كل حال، والتفويض والتسليم، وقد خصها اليوسي رحمه الله بكتابات مستفيضة في جل كتبه ورسائله وبخاصة كتابه” نيل الأماني في شرح التهاني” الذي ألفه في شرح قصيدته الدالية، وذكر أن الطريقة الشاذلية متصلة السند بسلسلتين” سلسلة العلماء وسلسلة الأقطاب”[7].

وفي يوم الاثنين الثالث والعشرين  من ذي الحجة متم عام 1102هـ/1692م أسلم الإمام اليوسي  الروح إلى بارئها بعد حياة حافلة بالمحامد، ومما يعد من مناقبه أن قوما ذهبوا لزاويته، فبينما  هم في الطريق رأى رجل منهم أن الشمس قد غربت، فقصها إلى أصحابه، فقالوا له:” لعل الشيخ قبض الليلة”، فلما بلغوه وجدوه قد توفي الليلة”[8].

كانت هذه بعض ملامح حياة العلامة اليوسي في كثير من الإيجاز والاختصار، وإلا فهو الشخصية التي قد تتسع لها المؤلفات والموسوعات العدة لتجوهرها الصوفي، وفعاليتها العلمية التي تفاعلت مع قيمها السلوكية لتفرز عن هوية غاية في السمو والرقي الروحي، فقد كان رحمه الله معلمة علمية متفردة في زمانها .

ويمدحه أحمد العطار المراكشي الأندلسي بقصيدة مطلعها:

صددت والصد منك غــير معهـود **** وبالوصال قصــرت كل ممدود

فما اجترامي وما أمسيـت مشتكــيا **** بنقض عهد ولا خلاف موعود

حتى نظمت عقودا من جلال حكت**** شمائــل الحـسن ابن مســعود

فتى له قدم صدق في الفضل راسخة **** ومنزل من العـفا غير مجــحود[9]

 

ثانيا: المنهج التربوي الصوفي عند الإمام اليوسي من خلال:” رسالة في التربية الصوفية“.

يقوم تصوف اليوسي على مبادئ سنية صافية لا تشوبها شائبة، ويتلخص في تصحيح العقيدة، وإقامة التكاليف الشرعية مع الاجتهاد في جعلها تتسم بالصدق والجدية والبعد عن الرياء، ثم بعد هذا تأتي المعرفة من خلال التربية الصوفية بمختلف رياضاتها ومجاهداتها للنفس حتى ترتقي من نفس أمارة بالسوء إلى نفس مطمئنة ثم راضية فمرضية، وذاك كله بما يوافق الكتاب والسنة النبوية الشريفة، وقد لخص الإمام اليوسي رحمه الله طريق القوم بقوله: “…العمل لله بما يرضى من حيث يرضى”[10]، حيث يتصل التصوف بالقلب والروح، ويطبع بالصدق والعمق؛ صدق النية والعمق في الطلب بقصد النفوذ للجوهر.

إن جل رسائل الحسن اليوسي  ذات أبعاد صوفية ظاهرة، سهلة سلسة وواضحة لمن أراد أن ينهل من علوم هذا العارف الذي تنوعت مداركه وتعددت مشاربه فغدا موسوعة لكل عصر، وقدوة لمن أراد أن يتعرف على التصوف المغربي، غير أن استقراء الرسالة العاشرة من رسائل الإمام اليوسي رحمه الله في التربية الصوفية ؛ يبرز أنها  عبارة عن جواب  على كتاب بعث به بعض الطلبة يسألونه عن دور الشيخ وسلوك المريد وغير ذلك من المواضيع التي أجاب عنها الإمام اليوسي رحمه الله من خلال هذه الرسالة، حيث جمعت معظم  ما يدور حوله التصوف؛ ممارسة دينية لها مرتكزاتها العقدية والسلوكية.

إن تمحيص الرسالة يبين أن التقسيم كان يحوم حول محاور كبرى تتفرع منها أخرى لا تختلف معها في السياق، وإنما تتكامل لتفرز عن نسق من الممارسات يصب بعضها في بعض، وهي كالآتي:

  • الشيخ ومعه المحاور الآتية:
  • حكم الشيخ المربي في علاقة مع مراتب مجاهدة النفس.
  • الزيارة وحكمها.
  • صحبة شيخ آخر بعد موت الشيخ الأول .
  • النظر إلى وجه الشيخ.
  • الأذكار
  • الأوراد ووقتها
  • الاجتماع للذكر
  • حكم السبحة عند الصوفية

1ـ الشيخ

تحدث الحسن اليوسي عن الشيخ في هذه الرسالة في مواضيع مختلفة فكان أول ما استهل به كلامه قوله:” أما حكم الشيخ ؛ اعلم أن كل مكلف جهل مسألة في دينه، فلا بد أن  يطلبها ويسأل عنها. وكل من علمه إياها فهو شيخه فيها إما مباشرة أو بواسطة وهذا واجب، وأما الشيخ المذكور في طريق التصوف فهذا لابد منه في حق المريد السالك إن لم يكتف بأخ صالح – وقد اختلف المتأخرون في الاكتفاء عنه بالكتب فقيل.نعم إن كان ذكيا، وإن كان غبيا فلابد له من شيخ وهو أكمل على كل حال”[11].

يتحدث الحسن اليوسي من خلال ما سبق على أهمية الشيخ في طريق التصوف، حيث جعل منه ضرورة في حق المريد السالك، والمريد عند المتصوفة بين جذب وسلوك ، وهما “كالأشجار، شجرة الجذب لها عروق وفروع، وكذلك شجرة السلوك لها عروق وفروع، وكل عرق وفرع منهما له ثمار… وإن تفاوت أهل السلوك مع أهل الجذب، إلا أن أهل السلوك عبادتهم من وراء حجاب، وأهل الجذب ما بينهم وبين الله حجاب منه إليهم ومنهم إليه”[12].

والشيخ هو من سمت همته، وتاقت نفسه إلى الحقيقة الغيبية والمعرفة الإلهية والكرع من الفيوضات الربانية… وإلى العلم اللدني الوهبي… والانتقال من عالم الظلمة إلى عالم النور وهذا يحتاج إلى عملية تنوير الباطن، وتلك من مهمة الشيوخ الحقيقيين في التربية الروحية”[13].

جعل الإمام اليوسي رحمه الله صحبة الشيخ ضرورة في طريق القوم، فلا يستغنى عنه بكتاب  أو أخ صالح إلا من كان ذكيا ولكن صحبته أكمل، ثم يسترسل الفقيه الصوفي ليربط بين الشيخ وبين أنواع المجاهدات التي ينهجها السالك فيقول:” وقيل: يختلف ذلك باختلاف المجاهدات، ففي مجاهدة التقوى لا تجب ولكن وجودها  أحسن، وفي مجاهدة الاستقامة كذلك، وفيها أوكد، وفي مجاهدة الكشف؛ أعني طريق تجريد النفس عن رذائلها ورعوناتها لتتمكن فيها الحقيقة؛ واجب”.[14]

وهنا يصنف لنا الإمام اليوسي رحمه الله المجاهدات إلى ثلاث:

مجاهدة التقوى وصحبة الشيخ فيها غير واجبة ولكنها مستحسنة.

مجاهدة الاستقامة وصحبة الشيخ فيها مطلوبة ومؤكدة.

مجاهدة الكشف والصحبة فيها واجبة، لأن الغرض منها هو تطهير النفس وتزكيتها لانتشالها من أوحال الأمر بالسوء إلى الدخول في رضوان الله تعالى بعد مراحل تربوية تؤهلها لاكتساب ذلك، لذا جعل اليوسي مصاحبة الشيخ في هذا المسار التربوي أمر ا واجبا والذي من غاياته التعرف إلى الله عز وجل المعرفة اللائقة بجلاله وجماله، المعرفة الحقة  التي من مستلزماتها دوام المجاهدة، وفي هذا يقول ابن عربي رحمه الله في الفتوحات المكية:” ولما رأت عقول أهل الإيمان أن الله تعالى قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفته بأدلتها النظرية، علمت أن ثم علما آخر بالله  لا تصل  إليه من طريق الفكر، فاستعملت الرياضات والخلوات والمجاهدات وقطع العلائق والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل وتقديس القلب عن شوائب الأفكار”[15]. فالمجاهدة مدة تربية روحية سلكها السابقون ولا بد أن يسلكها كل من يتغيى تمثل الحقائق الربانية والتعرف إلى الله عز وجل والفوز بفيوض العلوم الإلهية.

أما في زيارة الشيخ  فيقول الإمام اليوسي رحمه الله:” وأما زيارة الشيخ فليست من ذاتها  واجبة وإنما المراد منها ملاقاة الشيخ ومشاهدته للاستفادة منه، وكان من حق المريد إذا صحب الشيخ ألا يفارقه طرفة عين، لأنه يستفيد من قوله وفعله، ويستمد من مشاهدته ، فلا ينبغي له أن يفارقه لو أمكن ليلا ونهارا، حتى يكمل ويأذن له في الفراق، كما أن الرضيع لا يفارق أمه حتى ينفطم، ولكن ضرورات المعاش تلجئ المريد إلى الفراق، فمتى أمكن الاجتماع فلا يفلته طلبا للمعاش الروحاني الذي يبقى له “[16].

يرى الحسن اليوسي ضرورة ملازمة الشيخ إن أمكن ذلك ولم يتعارض مع ضرورات الحياة، لأن التصوف السني مبني على  مجاهدة النفس مع عدم ترك أسباب العيش الكريم؛ أي القاضي بابتغاء الدنيا لأجل تسخيرها فيما أراد الله عز وجل  مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[17]، وقد ضرب لنا اليوسي  مثلا تقريبيا في ذلك بالرضاعة من حيث تعلق الرضيع وملازمته لأمه حتى حال الفطام، و يبقى على المريد أن يلتمس زيارة شيخه لأجل الحصول على التوجيه، أو لمشاهدته لما في ذلك من الخير الكثير عند الصوفية، وفي ملازمة الشيخ يقول الإمام الشعراني رحمه الله: “ومن شأنه إن كان له شيخ أن يلازمه  ….

فربما صيرته نظرة[18] من النظرات ذهبا إبريزا أغنته عن المجاهدة”[19].

أما فيما يخص صحبة شيخ آخر بعد موت الأول  فيقول الإمام اليوسي رحمه الله:” وأما صحبة المريد شيخا آخر بعد موت الأول فهو على أصل الجواز كما يتخذ   للرضيع ضئر إن ماتت أمه”[20].

إن اللافت للنظر أن العلامة اليوسي رحمه الله كلما أراد أن يبث في أمر يتعلق بالروابط بين المريد والشيخ جعل يشبه بالمرأة ورضيعها، ولعل في ذلك تلويح لما في  العلاقة من الالتصاق وكذلك انتفاع الرضيع بأمه التي لا غنى له عنها، فكذلك المريد في التجربة  الصوفية لا  غنى له عن  شيخ مأذون في التربية الروحية، يأخذ بيده في سلوكه ويجتاز معه الصعوبات والمخاوف، ولذا يقول الإمام الشعراني:”ومن الواجب عليه إذا مات شيخه أن يتخذ شيخا يربيه زيادة على ما رباه الشيخ الأول، فإن الطريق لا قرار لها”[21] .

2الأوراد والأذكار:

يقول الإمام اليوسي في شرح معانيهما  والتدليل على مشروعيتهما:” وأما الورد له وقت معلوم إلى آخر المسألة، فذلك أمر موكول إلى الشيخ الذي يعطيه وعلى المريد تقليده”[22].

فالورد إذن هو تلك  الأذكار المعينة الصفة والعدد التي يلتزم بها المريد  بعد أن يوجهه الشيخ إليها وهي تكون سرا وفردية، وليس ببعيد عن هذا  تعريف عبد القادر عيسى  حين قال:” الورد بالكسر كما في المصباح: الوظيفة من قراءة ونحو ذلك والجمع أوراد، ويطلقه الصوفية على أذكار يأمر الشيخ تلميذه بذكرها بعد صلاة الصبح ومساء بعد صلاة المغرب”[23].

وقد  ورد الذكر في القرآن الكريم بصيغ مختلفة منها: التسبيح والتهليل والتكبير والصلاة على النبي صلى الله  عليه وسلم، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإكثار من الذكر في أحاديث كثيرة لما له من الثمار الجليلة، منها قوله  عليه الصلاة والسلام حين سأله رجل قائلا:” يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال: لا يزال لسانك رطبا بذكر الله”[24]،  لذلك تشبت الصوفية بالذكر وجعلوه الوسيلة المثلى لتزكية النفس وتطهيرها وفي ذلك يقول سيدي ابن عطاء الله السكندري:” الذكر هو التخلص من الغفلة  والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أو فعل من أفعاله، أو غير ذلك مما يتقرب به إلى الله تعالى”[25].

وقد اتخذ الصوفية لأجل الذكر مجالس عامة يذكرون الله فيها جهرا وجماعة، فالعبادة في الجماعة تزيد في الفضل على العبادة على حال الانفراد، ففي الجماعة تلتقي القلوب، ويكون التعاون والتجاوب ويستقي القوي من الضعيف، والمظلم من المنور، والكثيف من اللطيف، والجاهل من العالم، إذ فيها جنة المعارف، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا وما رياض الجنة يارسول الله ؟ قال: حلق الذكر”[26].

والحديث عن الذكر  من مستلزماته  الحديث عن السبحة ويقول فيها الإمام اليوسي رحمه الله:” ,اما السبحة فهي عمدة الفقير وآلته وشغله”، على أن السبحة أداة للعد تحركها الأنامل، وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم التسبيح مع الاستعانة بالنوى والحصى والعقد.

جمعت رسالة اليوسي فقه المعاملات الصوفية فيما يخص علاقة المريد بالشيخ ، وآداب الذكر والزيارة، وكذا ما يجب في حق المريد من اكتساب العلوم والاطلاع على ما يفيده بحسب الحال والمقام، وقد أوجز وأنجز في بيان مجموعة من أساسيات الممارسة السلوكية بأسلوب واضح ودقيق نظرا لما اقتضاه سياق الرسالة التي هي كما وضحنا كانت جوابا لكتاب وجهه إليه مجموعة من الطلبة، مستندا في ذلك إلى العقل ومعارفه المكتسبة إن عن طريق المطالعة أو عن طريق الممارسة دون الحاجة إلى الاستدلال بالنصوص، وهو في ذلك ينم عن تمكنه وعمق درايته، لذلك طبعت الرسالة بأسلوب تقريري واضح وسلس يسهم في رفع اللبس عن المراد  والإفادة المباشرة والمختصرة، فكان بذلك الإمام اليوسي رائدا في بيان حقيقة التصوف وأسسه التربوية الملتزمة بالكتاب والسنة، وأبعاده المقصدية التي تتلخص في معرفة الحق عز وجل ونوال رضاه ، مواجها واقع عصره بالتوجيه والتصحيح.

الهوامش:


[1]  مصادر ترجمته: صفوة من انتشر، صص.344-350. نشر المثاني، ج.3، صص.25-49. إلتقاط الدرر، 258-260. الإستقصا، ج.7، ص.108. الفكر السامي ، ج.2، صص.337-338. موسوعة أعلام المغرب، ج.5، صص.1801-1818.معلمة المغرب، ج.22، صص.7692-7695.

[2]  تعني باللسان البربري حارة الشرفاء.

[3]  المحاضرات في اللغة والأدب، اليوسي، تحقيق وشرح محمد حجي وأحمد شرقاوي إقبال، ط.1982، بيروت.

[4]  مشرب العام والخاص من كلمة الإخلاص، الحسن اليوسي، تحقيق حميد  حماني، ط.2000، ص.78.

[5] ينظر الخطاب الصوفي في الأدب المغربي على عهد السلطان مولاي اسماعيل، أحمد الطريبق، ط.2008، مطبعة سيلكي إخوان، ص.199.

[6]  عبقرية اليوسي، عباس الجراري، ط.1، 1981م، دار الثقافة، ص. 48.

[7]  ينظر قانون العام في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم، الإمام اليوسي، تحقيق وشرح وتعليق حميد حماني، ط.1988م، ص.81.

[8]   موسوعة أعلام المغرب، تنسيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، ج.5، ص.1801.

 [9]  موسوعة أعلام المغرب، ج.5، ص.1805.

[10]  رسائل أبي الحسن اليوسي، جمع وتحقيق ودراسة فاطمة خليل قبلي، دار الثقافة، صص.81.

[11]  رسائل اليوسي، ص.409.

[12]  نصيحة المريد في طريق أهل السلوك والتجريد، علي الجمل، تحقيق عاصم ابراهيم، ص.17.

[13]  الحقيقة القلبية  والصوفية ودورها في إصلاح الفرد و المجتمع وحل مشاكل الإنسانية بروح التسامح والمسالمة في السلوك الصوفي، احمد لسان الحق،  ، ص.36.

[14]  رسائل اليوسي، ص.410.

[15]  الحقيقة القلبية، ص.90.

[16]  رسائل اليوسي، ص.409.

[17]  سورة القصص، الآية: 77.

[18][18]

[19]  الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، عبد  الوهاب الشعراني، تحقيق عبد الباقي سرور- محمد عيد الشافعي،ط.1988م، مكتبة المعارف، بيروت، لبنان،  ص.43.

[20]  رسائل اليوسي، ص.410.

[21]   الأنوار القدسية، ص.44.

[22]  رسائل اليوسي، ص.411.

[23]  حقائق عن التصوف، عبد القادر عيسى، دار العرفان، سوريا، ص.153.

[24]  السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الجنائز، باب طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، رقم: 6526.

[25]  حقائق عن التصوف، ص.97.

[26]  سنن الترمذي، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد، رقم: 3510

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق