مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

الدعوة إلى تزكية النفوس وتطهيرها من أفات القلوب..(1)

  1. دعوة القرآن الكريم إلى تزكية النفوس وطهارتها

       إن من يجرد النظر بإمعان وتدبر في المعاني الدلالية للآيات القرآنية يجد أنّ الله سبحانه وتعالى أمر عباده بتزكية نفوسهم وتخليتها من أدران الشرك والمعاصي، وتحليتها وتزكيتها بالصفات الحميدة، إذ القيام بهذه المهمّة لهو عنوان الفلاح ومفتاح السعادة في الدارين، ولهو الطريق نحو تحصيل مراتب القرب والمحبة والفوز بالجنة والظفر بنعيمها الخالد.

       ومن بين هذه الآيات المباركات التي تصب في هذا المضمار،  قوله جلت قدرته: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 40 – 41]، وقوله: تعالى: (وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) (فاطر: 18)، وقوله تعلى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [سورة الشمس، الآية: 10]. قال الحسن البصري في تفسير هذه الآية، (أي قد أفلح من زكى نفسه وأصلحها وقد خاب من أهلكها وأظلها)[1]، وقوله تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) [سورة المزمل، الآية: 7]، قال مجاهد في تفسير هذه الآية: (أي أخلص إليه إخلاصاً)[2]. وقوله جلت قدرته: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) [سورة الأعلى: الآية: 14]. وقوله تعالى مخاطباً عباده المتقين الذين تطهرت نفوسهم وأقبلوا على الله بقلوب مؤمنة طاهرة: (وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى) [سورة طه، الآية: 75، 76].

       ومنها ما ورد في دعوة إبراهيم وإسماعيل للأمة المسلمة: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ) [سورة البقرة، الآية: 129]. ومنها قوله عز وجل: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [سورة البقرة، الآية:151].

       كما أن رسالات الأنبياء والرُّسل فيها دعوة صريحة مباشرة إلى تزكية القلوب وتطهيرها من الرعونات القلبية المهلكة ومن الصفات الذميمة. وخير دليل على ذلك قول موسى عليه السلام لفرعون: (هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) [سورة النازعات، الآية: 18، 19]. وقال جلت قدرته: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [سورة آل عمران، الآية: 164]. وقوله تقدست أسماؤه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [سورة الجمعة، الآية: 2].

      وعليه فإن تزكية القلوب وطهارتها لا يتحقق إلاّ بالتزكية ومجاهدة النّفس حتى تتخلص من آفاتها، ومن ذلك قوله تعالى مخاطباً عباده المخلصين: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [سورة العنكبوت الآية: 69] يقول الإمام الجنيد في تفسير هذه الآية: (والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة لنهدينهم سبل الإخلاص، ولا يتمكن من جاهد عدوه في الظاهر إلاّ من جاهد هذه الأعداء باطناً، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه) [3]. وقال ابن عباس الهوى إله معبود، وقرأ قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [سورة، الجاثية، الآية: 22]. ويقول ابن كثير في تفسير الآية: (يعني تركوا متابعة الهدى وأقبلوا على متابعة الهوى يعبدون الهوى كما يعبد الرّجل إلهه) [4].

وقال هشام بن عبد الملك، ويقال أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ غَيْرَهُ:

[الطويل]

                              إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهَوَى قَادَكَ الْهَوَى        إِلَى بَعْــــــضِ مَا فِيــــــــهِ عَلَيْكَ مَــــــــــــقَالُ[4]

ومنها ما قال أَبُو الفَتْحِ البُسْتيّ منشداً:

[البسيط]

يَا خَادِمَ الجِسْــمِ كَمْ تَسْــــــــعَى لخِدْمَتِهِ
أَتَطْـــــــلُبُ الرِّبْحَ مِـــمَّا فِيـــــــــهِ خُـــــــــسْرَانُ
أَقبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَــائِلَهَا فَأَنْتَ بِالنَّفْــــــسِ لاَ بِالجِــــسْمِ إِنْسَـــــــــــانُ
أَحْسِن إِلــــى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبُهُـــــــــمُ فَطَالَمَــــا اسْتَعْـــــــــبَدَ الإِنْسَـــانَ إِحْـــــسَانُ
مَنْ يَزْرَعِ الشَّرَّ يحْــــصُدْ في عَــوَاقِبِهِ نَدَامَـــــــــــةً وَلِحَصْــــــــدِ الــــــــــــزَّرْعِ إِبَّــــــــــانُ[6]

         وقد نبّه القرآن الكريم الرّسول صلّى الله عليه وسلم أن يلتفت إلى ابن مكثوم، وأن يهتم بأمره بعد أن تخلى عنه صلّى الله عليه وسلم نظراً لما قام به، فيقول الله تبارك وتعالى مخاطباً نبيه الكريم: (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) [سورة، عبس، الآية: 2] يقول الامام الطبري في تفسير هذه الآية: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلّى الله عليه وسلّم وما يدريك يا محمد لعل هذا الأعمى الذي عبست في وجهه يزكى، أي يتطهر من ذنوبه)[7].

      ونخلص إلى أنَّ القرآن الكريم قد وضع الأسس العامة لعلم تزكية النفوس وبين لنا سبل السلام التي تقوي الإيمان في القلوب وتنور العقول وتتجه نحو المسار الصحيح، وهو الغاية التي خلق الإنسان من أجلها، وهو طهارة القلوب وصفاء سرائرها، وعلى خلاف ذلك فإنَّ البعد عن تزكية القلب يؤدي إلى سيطرة النفس الأمارة بالسوء على القلب والجوارح، وبالتالي  تتكاثر المعاصي والذنوب، ويفقد الإنسان بوصلته النورانية، ويتحقق فيه قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [سورة المطففين، الآية:11]، قال الراغب الأصفهاني في شرح (ران)، أي: (الصدأ يعلو الشيء الجليل)[8] ، وقيل: (وَالرَّيْنُ الصَّدَأُ الَّذِي يَعْلُو حَدِيدَ السَّيْفِ وَالْمِرْآةِ..) [9].

       وقد وظف القرآن الكريم جملة من المصطلحات التي ترجع إلى معاني التربية الصوفية بحيث استعملها علماء التربية الصوفية في مؤلفاتهم، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما ذكره الدكتور محمد المصطفى عزام في كتابه الخطاب الصوفي بين التأوُّل والتأويل: (التزكية، الذكر، السّر، القلب، الصدق، الإخلاص، الرياء، النفس المطمئنة التوبة…[10] وقوله كذلك: (أن لغة التصوف مستقاة من “القرآن الكريم” والمأثور الإسلامي – غير أن تعريفات التصوف ومصطلحه تتعدد وتختلف إلى درجة التعارض، وما ذلك إلا لتنوع التجارب الذاتية تنوعاً يساوق الخصوصية الفردية للإنسان عامة، وإبداعية المتلقي المنفعل بما يتلقى والمتفاعل معه خاصة، وقد قال القوم: “لون الماء لون الإناء…) [11].

       وبالتّالي فصلاح الإنسان مرتبط بصلاح نفسه وصفائها، حتى تعرج هذه النفس عبر مدارج الرقي العرفاني وسلم السمو الأخلاقي من النفس الأمارة بالسوء إلى النفس اللوامة، ومن تم إلى النفس المطمئنة الراضية المرضية. فتحصل على الفلاح الدنيوي والأخروي.

المراجع:

——————-

  1. تفسير الحسن البصري، جمع وتوثيق ودراسة الدكتور محمد عبد الرحيم الناشر دار الحديث القاهرة، تاريخ النشر، 1992م ج 2، ص: 446.
  2. تفسير مجاهد، تقديم وتحقيق عبد الرحمان الطاهر بن محمد السورتي المنشورات العلمية بيروت (ط/ت) ج: 2، ص: 700.
  3. التفسير الكبير، لفخر الدين الرازي، الطبعة الأولى: 1401هـ/1981م، الناشر دار الفكر للنشر والتوزيع، بيرو لبنان، ج:1، ص: 268-269.
  4. عيون الأخبار، لابن قتيبة الدنيوري، الناشر وزارة الثقافة والإرشاد المؤسسة المصرية العامة، (ط/ت)، ج 1ص: 37.
  5. اعتلال القلوب لمحمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري، تحقيق: حمدي الدمرداش، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، الطبعة: الثانية، 1421 هـ – 2000م. باب ذم الهوى وأتباعه ج: 1، ص: 47.
  6. موارد الظمآن لدروس الزمان، خطب وحكم وأحكام وقواعد ومواعظ وآداب وأخلاق حسان، لعبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن السلمان، الطبعة: الثلاثون، 1424هـ. موعظة بليغة في الحث على الإقبال على النفس والاعتناء بها ج: 4، ص: 442.
  7. جامع البيان عن تأويل القرآن، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ج: 30، ص: 52.
  8. المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، الناشر: دار القلم، الدار الشامية – دمشق بيروت، الطبعة: الأولى – 1412 هـ، كتاب الراء روغ، ص: 373.
  9. التحرير والتنوير، تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد لمحمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، الناشر : الدار التونسية للنشر – تونسسنة النشر: 1984 هـ. سورة المطففين، الآيات 14 إلى 17] ج: 30، ص: 199.
  10. الخطاب الصوفي بين التأول والتأويل للدكتور مصطفى عزام، الناشر، مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 2010 ص: 148.

   11. نفسه، ص: 123.

Science

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق