مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

الانتصار للشعر والشعراء في كتاب: نَضْرة الإغْرِيض في نُصْرة القَرِيض للمُظفَّر بنِ الفَضل العَلوي (ت. 656ه) ( الحلقة الأولى)

مقدمة:

للشِّعرِ في اللّغة العَربية قيمةٌ كَبيرةٌ لا تَحتاجُ إلى تَعليل، وقد مَرّ الشعرُ العَربيُّ بمَراحلَ كثيرةٍ امتدَّت عدّةَ قُرون، ابتداءً من العصرِ الجاهليّ مروراً بعَصرِ صَدر الإسلام ثُمّ العَصر الأمويّ، فالعَبّاسي، وما تَلا ذلكَ من عُصورٍ كان للشعرِ فيها شأنٌ، وإن لَم يكنْ كالعُصورِ التي سَبَقَته، ثمّ عَصر النّهضة التي تطوَّرَ فيها الشعرُ العربيّ شكلاً ومضموناً، وانتهاءً إلى العَصر الحَديثِ، الذي واكبَ التّحوُّلَ الاجتماعيّ والسياسيّ والفَنّيّ في الوَطَن العرَبيّ.

 ويُمكنُ أن يُعَرَّفَ الشعرُ بأنّه فنٌّ من الفُنونِ الأدبيّة القَوليّةِ، يمتازُ بالوزنِ والقافيةِ والصّورةِ والتَّخييلِ والذّوقِ في صنعةِ الكلامِ واختيارِ أنماطِ النَّظمِ والتّرتيب، فهو كلامٌ  مَوزونٌ مُقَفّى، يَحملُ معنىً ويَنسلكُ في غرضٍ من الأغراضِ، يُعبر الشاعرُ من خلاله عن أفكاره وعواطفه ومشاعِرِه وخَواطرٍه؛ وذلكَ من خلالِ أدواتٍ يَتوسّلُ بها الشاعرُ لإيصالِ مَعانيه إلى المتلقّي، وللشعر عند العرب مكانةٌ رَفيعةٌ إذ يُعدّ من أقدم أشكال الفُنون الأدبية التي عرَفَها الإنسان في طُرُقِ تعبيرِه عن ذاته وعن الكَون، فهو يحمل إرثَ الشعراءِ الأدبيَّ وتاريخَهم الطويلَ وثقافَتَهم الممتدةَ من العصر الجاهلي حتى عصرنا الحالي.

يقعُ هذا البحثُ في سياقِ الشعرِ والعلمِ بالشعرِ، وقد انتقَيْنا كِتابَ “نَضْرَة الإغْريض في نُصْرَة القَريض” أنموذجاً للبَحث، لنستخرجَ منه ملامحَ العنايَةِ بالشعرِ والانتصارِ له، وقد مَهَّدْنا بتَوطئة حول المؤَلِّف والمؤَلَّ، ثُمّ شَرعنا في استخراجِ المادّةِ المُحدَّدَة.

“نَضْرة الإغْرِيض في نُصْرة القَرِيض” الكِتاب والكاتبُ: لمظفر بن الفضل( ت.565 هـ)

فأمّا الكاتبُ فهو المظفرُ بنُ الفضل بنِ يحيى بنِ عَبدِ الله العَلوي، الحُسيني الموصلي أبو علي ابن حاجِبِ الدّار فاضل، وُلد بالموصِل سنة 584ه، ونَشأ بها، [1]، وهو أديبٌ عِراقي، ألفَ للوزير محمد بن العلقمي كتابَ “نَضْرَة الإغريض في نُصْرة القريض” [2] وقَدِمَ بَغدادَ، وقرأ بها الأدبَ وتَعلمَ وأمضى شطرا كبيرا من حياته فيها، إلى أن تُوُفّيَ حَوالي سنة 656 هـ، ومن آثاره: كتاب “نَضرَة الإغريض في نُصرة القَريض ” ، و”صَرْف المعرَّة عَن شَيخِ المعَرَّة”[3]

وذكرت محققة الكتاب الدكتورة نهى عارف الحسن  في مقدمة الكتاب أننا لا نملك الكثير عن نشأته الأولى، ولا نجد في كتب التاريخ أو كتب التراجم أخبارا ذات شأن عن أحداث حياته وتفاصيل سيرته، غير أننا  نعرف من كتابه هذا أن الشيخ أبا محمد بن أبي البركات ابن البَقال المقرئ كان من أساتذته وأنه روى عنه، كما يبدو أن أباه أسهم في تعليمه فقد روى عنه، وكان عم والدة أبيه محمد بن محمد بن عبد الله العلوي الحسيني عالما بالأنساب، يلقب بشيخ الشرف.

وأبرزُ ما عَرفْنا من أحداث حَياته صلتُه بابن العَلقمي الذي كان وزيرَ بلاط المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس، وقد كان ابن العلقمي يصطنع العلماء ويقرب الأدباء، ويجيز الشعراء على أماديحهم، وكان المظفر أحد هؤلاء المقربين إليه، ومن هذه الصلة كان كتاب نضرة الإغريق، فقد حضه ابن العلقمي في مجلس من مجالسه على أن يؤلف له كتابا يبين فيه حدود الشعر وفضله فألف له هذا الكتاب.[4]

عن الكتاب:

ألف المظفر بن الفضل هذا المؤلف لتبيان انتصار الشعر والشعراء وذلك من خلال جملة من القضايا لتي تطرقَ إليها الكتابُ، وقد صرح المؤلفُ بذلك في المقدمة حيث قال: «وقد وسمنا هذا الكتاب بنَضرة الإغريض في نُصرة القَريض، إذ أصلناه على الانتصار للشعر والشعراء، ونصلناه لمناضلة المناظر والنظراء، ونرجو من الله تعالى أن نورد في فصوله، ونرهف من نصوله، ما يكون للغلة ناقعا، وللعلة نافعا، وللحاسر من الأدب مقنعا، وللناظر في معانيه مقنعا».[5]

وقد ألفه المظفر للوزير ابن العلقمي وزير المستعصم كما يصرح في مقدمته أنه حَضَّه في مَجلس من مَجالسه على تأليفِ كتابٍ يُبَيِّنُ فيه حُدودَ الشّعر وفَضلَه، فصَنَع هذا الكتابَ، يَقول: «وقد جرى حَديثُ الشِّعرِ وصِفاتِه، وتَوَلُّج أبْوابِه وقدح صِفاتِه، وما يَجوزُ فيه ويَمتنعُ منه، وذِكْرُ الفَضيلَةِ التي مُدِحَ بها والرَّذيلَةِ التي ذُمَّ بِسَبِبها، والبَحثُ عَن مَنافعِه ومَضارِّه، ونَقائِه وأوضارِه، وهل تَعاطيه أصْلَحُ، أم تَركُه أوفَرُ وأرجَحُ، فكلٌّ مِن الحاضرينَ أتى بأغربِ ما سَمِعه، وأعجَبِ ما ابتدَعَه، وأطرفِ ما فَهِمَه، وألطفِ ما عَلمَه، فكانَ مع الإعذار فيه أخا تَعذيرٍ، وبَعدَ الإسهابِ رَذِيَّ رُزوحٍ وتَقْصيرٍ. فأمَرَ مَولانا، وأمرُه مُطاعٌ، وخلافُه لا يُستطاعُ، أن أُثبِتَ له في ذلكَ أوراقاً، وأستمطرَ من سُحُب خَواطرِ المتقَدّمينَ أرْواقا، ولا أُحْوِجَ فيه إلى الاسْتِرشادِ بغيرِه، ولا إلى الاستضاءةِ بسِواه، فبادرتُ إلى اتباعِ مُرادِه، وانتجاعِ مَرادِه، ولو شاءَ لكانَ زَنده إذا اسْتَقدحَه وَرَى، والصَّيدُ “كلُّ الصّيدِ في جَوْفِ الفَرا”.

وقد أجَبتُ عَن ذلكَ في خَمسةِ فُصول، عاريةٍ مِن الهَذَر والفُضول، مائلاً إلى الاختصارِ، وقائلاً بالاقتِصارِ، فإنّ الاستيعابَ لِما وَردَ فيه، وصُنِّفَ في مَعانيه، يَحتاجُ إلى تَأليفِ كُتبٍ عِدّةٍ، وفَراغٍ لَه في طَويلٍ من المُدّة، والوقتُ عَن ذلكَ يَضيقُ، والعَلائقُ عنه تَصُدُّ وتَعوقُ». [6]

أهَمُّ قَضايا الكتاب (آلا ت الشعر وألقابه وصفاته):

صَدَّرَ المؤلِّفُ لهذا الغَرَضِ – غَرَضِ “الانتصارِ للشّعرِ والشُّعَراء” -، بالحَديثِ عن اشتقاق كلمةِ “الشّعر”، وعلَّة تَسميتِه بالقَريض، وذَكَرَ أن اشتقاقَه من القَرْضِ وهو القَطْعُ لأنه يُقْرَضُ مِن الكَلامِ قَرضاً، أي يُقْطَعُ منه قَطعاً كما يُقرَضُ الشيءُ بالمقراضِ، ومَثّلَ لذلكَ بقَولِه تعالى: «وإذا غَرَبَت تَقْرِضُهُم ذاتَ الشِّمالِ»؛ أي تَجُوزُهُم وتَدَعُهُم على أحدِ الجانِبَينِ، وعَرَّفَ الشعرَ بأنه عبارةٌ عن ألفاظٍ مَنضودةٍ تَدلُّ عَلى مَعانٍ مَقصودَة. [7]

ثم أخَذَ في شَرحِ كلمةِ “قَصيد” فذكرَ أنّها مُشتقّةٌ من القِصْدَةِ، وهي القِطْعَةُ من الشّيءِ إذا تَكَسَّرَ كأنها قطعةٌ من الكلام، واستدلَّ على ذلكَ ببيت للمُسَيَّب بنِ عَلَس:

فَلأُهْدِيَنَّ مِنَ الرِّياحِ قَصيدَةً /// مِنّي مُغَلْغَلَة إلى القَعْقاعِ

تَرِدُ المِياهَ فَلا تَزالُ غَريبَة /// في القَوْمِ بَيْنَ تَمَثُّلٍ وَسَماعِ

ثم انتقلَ المؤلفُ يُفاضلُ بينَ الشّعرِ والنّثرِ عارِضاً آراءَ مَن سَبَقَه من النُّقّاد، فقالَ: «فإذا قيسَ به النثرُ كانَ أبرعَ منه مَطالِعَ، وأنْصَعَ مَقاطعَ، وأجْرى عِناناً، وأفْصَحَ لِساناً، وأشْرَدَ مَثَلاً، وأعْضَدَ مُنصُلاً، وأسَدَّ سِهاماً، وأشَدَّ خِصاماً، وأنْوَرَ نَجماً، وأزهرَ نَجماً، وأبْقى مَياسِمَ، وأنْقى مَباسِمَ، وأذْكى مَناسمَ، وأزْكى مَعالمَ، وأرْشقَ في الأسماعِ، وأعْلقَ بالطِّباع. [8]

ثُمّ استعرضَ آلاتِ الشعرِ التي بها يَقومُ بُنيانُه، وذَكَرَ ألقابَه وصِفاتِه، فمِن آلاتِه ومُصطلحاتِه: النحوُ والبلاغةُ والفَصاحةُ، والحقيقةُ والمَجازُ، والصَّنعةُ والمَصنوعُ، وإقامةُ الوزنِ، والقَوافي، والألقابُ وهي الإشارةُ والكنايةُ، والمُوازنَةُ، والتّجنيسُ والطِّباقُ، والتّصديرُ (وهو رَدُّ أعجازِ الكَلامِ على صُدورِه)، والالتفاتُ، والاستطرادُ، والتقسيمُ، والتّسهيمُ، والتّرصيعُ، والتّرديدُ، والمُقابَلةُ، والاستثناءُ والإيغالُ، والاستعارةُ، والتّشبيهُ، والحَشوُ السَّديدُ في المَعْنى المُفيد، والمُتابعةُ، والمَخْلَصُ، والتَّضمينُ وتَجاهُلُ العارف، والمُماتَنَةُ، والسرقةُ، والنَّقدُ.

وأولى هذه الآلاتِ:

 “النّحو” فهو مِن شَرائطِ المتكلِّم سَواء كانَ ناظماً أو ناثراً، أو خَطيبا أو شاعراً، ولا يُمكنُ أن يَستغنيَ عَنه إلّا الأخرسُ الذي لا يُفصحُ بحرف واحدٍ؛ وكانَ بعضُ البُلَغاء يَقولُ: إنّي لَأجُد للّحنِ في فَمي سُهوكَةً (أي ريحاً كريهةً) كَسُهوكَةِ اللّحم. وقالَ صلّى الله عليه وسلّم: “رَحِمَ الله امْرَءاً أصْلَحَ مِن لِسانِه”، وهذا حَثٌّ عَلى تَقويمِ اللِّسانِ… ومَعنى النَّحوِ انْتِحاءُ سَمْتِ كَلامِ العَربِ في تَصَرُّفِه  مِن إعرابٍ وتَثنيةٍ وجَمعٍ وتَكسيرٍ وتَحقير وإضافَةٍ ونَسَب. وهو في الأصلِ مَصدرٌ شائعٌ مِن قَولكَ: نَحوتُ نحواً، أي قَصدتُ قَصداً، ثُمّ خُصَّ به انتحاءُ هذا النّوعِ مِن العِلمِ فصارَ كالمقصورِ عليه دونَ غيرِه…

وثاني تلك الآلات: البلاغة:

قال المُظفَّر: وأمّا البلاغةُ فهي الفَصاحةُ، يُقالُ بَلُغَ الرّجلُ بضمِّ اللام، فهو بَليغٌ، وقد أوردَ بَعضَ تعريفاتِ البلاغَة منها قولُ المُفضّل الضَّبّيّ: «سألتُ أعرابيا عن البلاغَة، فقالَ: الإيجازُ في غيرِ عَجزٍ، والإطنابُ في غيرِ خَطَل»، وقيلَ للعَتّابي: «ما البلاغةُ؟ فقالَ: مَن أفهَمَك حاجتَه مِن غيرِ إعاقةٍ، ولا حُبسةٍ ولا استعانةٍ»… وقيلَ: البليغُ الذي يبلغُ ما يُريدُ، أطالَ أم قَصَّرَ، وقالَ بعضُهم: البلاغةُ تَصحيحُ الأقسامِ، واختيارُ الكلامِ…

ثُمّ خَلَصَ المؤلِّفُ إلى ذِكرِ رَأيه فقالَ: «وأقولُ أنا إنّ تركيبَ (ب.ل.غ) معناه إدراكُ ما يُحاولُه الإنسانُ عن قُوّة، وتَمكُّن مِن قُدرة، فَمِن ذلكَ بَلَغْتَ الأمرَ والغَرَضَ إذا وَقَفْتَ عَلى غايَتْه، وأشْرفْتَ على نهايَتِه، ولِولا قُوَّتُك عَليه لما وَصَلْتَ إليه، ومن ذلكَ البَلاغةُ فإنكَ إذا وَقفْتَ على غاياتِ الكلامِ ونهاياتِ المعاني، دَلَّ ذلكَ عَلى قُدرَتِكَ في الأدبِ وتَمَكُّنِكَ مِن لُغةِ العَرَب، فإنْ أوْجَزْتَ أو أسْهَبتَ كُنتَ فيه بَليغاً وكانَ ما أتَيْتَ به بَلاغةً. [9]

  ثم أتى بأنموذجٍ في أعْلى دَرجاتِ البَلاغةِ وأرفعِها في الكلام المنثور، وهو قَولُه تَعالى: «وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ويَا سَماءُ أقْلِعِي، وَغِيضَ الماءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِيَن».  ومن البَلاغة في الكَلامِ المنظومِ قولُ امرئ القَيس:[10]

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ

فإنه وَقَفَ واستوقَفَ، وَبَكى واستَبْكى، وتَغزَّل بذكْرى الحَبيبِ والمنزلِ في نصفِ بَيت، وقال طرفة:[11]

وَلَسْتُ بَحلَّالِ  التِّلَاعِ مَخافَةً /// وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القوْمُ أَرْفِدِ

المعنى أكثرُ من اللّفظِ، يَقولُ: لَستُ أحُلُّ بالمواضِعِ الخَفِيّةِ مَخافةَ القِرى، ولكن أَحُلُّ بالمواضِعِ الظّاهرةِ التي لا تَخفى عَلى الضَّيفِ الطّارقِ، فَأوردَ كلاماً يدُلُّ عَلى نَفيِه عَن نَفسِه نُزولَ التِّلاعِ خَوفاً فَقط، فَلَمّا ذَكَرَ في النِّصفِ الثّاني الرِّفدَ دَلَّ عَلى أنّ المخافةَ في القِرى، ولَم يُقابِلِ اللَّفظَ بما يُقابلُه، بَل اكْتَفى بمَعرفةِ السّامعِ وبما دَلّ الكَلامُ عَليه، وهذِه بَلاغةٌ عَظيمةٌ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الهوامش:

[1]معجم المؤلفين، 12: 300

[2]الأعلام 7: 257

[3]معجم المؤلفين 12: 300

[4]مقدمة الكتاب

[5]نضرة الإغريض: 5

[6] نفسه، ص: 3-4-5

[7] نفسه، ص: 10

[8] نفسه، ص:10

[9] نفسه، ص: 19

[10]  ديوان امرؤ القيس، اعتنى به  عبد الرحمن المصطاوي 21:1

[11] ديوان طرفة بن العبد، تح: مهدي محمد ناصر الدين ص: 24

 أشرفَ عليه وراجَعَه: د.عبد الرحمن بودرع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق