مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

إسهامُ العلاّمة عبد الله بن الصّدّيق الغُماري1 في تقويم اللسان كتاب (كيف تشكر النعمة)2 أنموذجاً

ولد عبد الله بن الصديق الغماري (1328- 1413هـ / 1910- 1993م) في بيت من بيوت العلم والصلاح بشمال المغرب هو بيت الأسرة الصديقية بمدينة طنجة، وبدأ يتلقى العلم، منذ صباه، على يد جملة من العلماء من أبرزهم والده الشيخ محمد بن الصديق الغماري وأخوه العلامة الشهير أحمد بن الصديق الغماري(3).

وبعد مرحلة دراسية بمسقط رأسه ارتحل إلى فاس وأخذ عن نخبة من علماء القرويين بها كالسادة العلماء: أحمد بن الجيلاني، وعبد الله الفضيلي، وأبو الشتاء الصنهاجي(4)، ثم «توجه إلى مصر ودرس على طائفة من علمائها كالشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ محمود الإمام عبد الرحمن، والشيخ محمد السمالوطي وغيرهم»(5).

وكانت حياته في مصر غنية من الناحية العلمية، فقد أخذ ينشر مقالاته على صفحات عدد من مجلاتها كـ (هدي الإسلام)، و(الإرشاد)، و(الرابطة الإسلامية)، والشرق العربي)، وغيرها(6)، كما أخذ يحاضر في بعض الأندية والجمعيات(7)، ويدرس الطلبة(8)، ويخوض معارك فكرية متعددة(9)، ويصنف مؤلفات كان كثير منها ردودا «وتصحيحات وتقويمات لأفكار كانت تنتشر وكُتب كانت تُرَوَّج»(10).

وقد ألف – رحمه الله تعالى – في علوم كثيرة كعلوم القرآن، والحديث، والأصول، والفقه، والتصوف(11)، وتميزت كتاباته بكونها «محكمة في لغتها، قوية بأدلتها، مليئة بالفوائد، تبلغ القارئ إلى الحكم الفصل في القضية التي تناولها»(12) وبأنها «ليست من نوع الإنشاء والإسراف فيه، كما نلاحظه عند كثير من كتاب عصرنا»(13).

وتتفرغ هذه المقالة لدراسة كتابه (كيف تشكر النعمة)، وهو كتاب اجتمع فيه ما تقدم من صفات الكتابة لديه، وقد خصصه – يرحمه الله تعالى – لتصويب خطإ كان قد انتشر على ألسنة بعض الناس بمدينة طنجة، هو قول بعضهم عند الفراغ من الأكل: “اللهم أَدِّ عَنَّا شُكر النعمة”.

وقد ارتأت هذه المقالة التركيز على عنوان الكتاب ودلالته، ودوافع تأليفه، وسبب نشوء ذاك الدعاء الخاطئ، وحكم الشرع فيه وتعليل هذا الحكم، والتصويبِ الذي يقترحه المؤلفُ وأصولِه.  

1- دلالة العنوان

يدل عنوان هذا الكتاب على اتفاق المؤلف مع قرائه من جهةٍ واختلافه معهم من جهة ثانية.

فأما الاتفاق فلكون صيغة العنوان تتضمن تجاوزا لسؤالٍ أولٍ يمكننا صوغه بقولنا: (هل يجب شكر النعمة؟)، وهو السؤال الذي يتفق المؤلف وقراءه على الإجابة عنه بالإيجاب.

وأما الاختلاف فنابع من صيغة الخطاب في العنوان، وبعبارة شارحة: لقد سمّى المؤلف كتابه (كيف تَشْكُرُ النعمة)، ولم يقل مثلا: (كيف نشكر النعمة)، أو (كيفيةُ شُكْر النعمة)، أو نحوهما من الصيغ التي قد تفيد الجمع بين المؤلف والقراء في عبارة واحد ومقام واحد. 

إن ضمير المخاطب (أنت) المطلّ بوضوح من شرفة العنوان يُشعرنا بوجود مسافة بين المؤلف والقارئ، أو فلنقُلْ إنه يشعرنا بوجود مسافة بين سؤالين اثنين هما: (كيف أشكر [أنا المؤلف] النعمة؟) و(كيف تشكر [أنت القارئ] النعمة؟).

ومن هذه المسافة بين الطرفين وتوجيهِ السؤال إلى المخاطَب وحده في العنوان تتناسل أسئلة من بينها:

– ما العبارات التي تقولها أيها القارئ في شُكرك النعمة؟

– هل ثمة خطأ فيما تردده من تلك العبارات؟

– هل هناك طريقة أخرى في شكر النعمة أفضل مما اعْتَدْتَ قولَه؟

تلك أسئلة يولّدها العنوان في ذهن المتلقي، وهي مما سعى المؤلف للإجابة عنه(14).

2- دوافع التأليف

يصرّح المؤلف في مقدمة كتابه ببعض ما دفعه لتأليفه فيقول: «أما بعد فقد سمعت كثيرا من الناس بطنجة إذا أكل أحدهم وشبع يقول: اللهم أَدِّ علينا شكر النعم.

وهذا دعاء قبيح، فيه إساءة أدب مع الله تعالى»(15).

ويتبين من ذلك أن هناك دافعين رئيسين مترابطين يصدر عنهما المؤلف، وهما:

أ- ضرورة مراعاة الأدب الواجب عند الحديث عن الله عز وجل أو دُعَائه، وتنزيهُ مقامِ الألوهية عن كل كلمة أو عبارة قد تتضمن ضربا من أضرب الإساءة إلى الخالق سبحانه.

ب- توجيهُ الناس إلى ما ينبغي تركه من الأقوال المخالفة للأدب المذكور.

على أن هناك دوافع أخرى لم يُصرَّح بها في مقدمة الكتاب، وإنما أُشيرَ إليها إشارة نذكر منها:

ج- رغبة المؤلف في اتباع السنة، وهو ما يستفاد من بَيَانِهِ طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء «عبادة الشكر، بفعله وقوله»(16)، ومن قَوْلِهِ – في سياق الرد على شُبهة من الشُّبه – بعدما ذكر  شُكر النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه: «..فيسعنا في هذا المقام ما وسعه عليه الصلاة والسلام، وذلك بأن نشكر الله كما علمنا، وإذا شعرنا بالتقصير والعجز، دعونا الله بالمغفرة أو التوفيق»(17)، ففي قوله: «فيسعنا في هذا المقام ما وسعه عليه الصلاة والسلام» إشارةٌ بل دعوةٌ لالتزام السنة النبوية والسير وَفق تعاليم نبينا صلى الله عليه وسلم.

3- سبب نشوء الدعاء الخاطئ

حاول المؤلف أن يتبين سبب نشأة الدعاء الخاطئ “اللهم أَدِّ عَنَّا شكر النعمة”، فأرجع ذلك إلى ما قد يعتري نفوس قائليه من شعور بالتقصير في أداء واجب الشكر لله تعالى على ما أنعم عليهم. يدل على ذلك قوله: «..فإن لاحَظَ [مَنْ يَشْكر الله تعالى بقوله (الحمد لله)] مع هذا [الشُّكْرِ بهذه العبارة] تَقْصيرَه، فله في علاج هذا التقصير إحدى طريقتين..»(18)، فقوله: «فله في علاج هذا التقصير إحدى طريقتين» يفيد أنه يعدُّ الشعورَ بالتقصير في شكر الله سبحانه دافعاً لمن يشكرونه بعبارة (الحمد لله) إلى محاولة علاج تقصيرهم بقولهم خطأً: “اللهم أدِّ عَنَّا شكر النعمة”، أي “اللهم إنك تعلم أننا عاجزون عن شكرك كما ينبغي فتول أنت يا ربنا هذه المهمة وأعفنا منها”.

وإضافة إلى ما ينطوي عليه تفسير المؤلف هنا من ذكاء وفقه لدوافع المتكلمين، فإنا نرى فيه إحسانَ ظنٍّ بمرتكبي هذا الخطإ، وإن في إحسانه الظنَّ بهم ما يتفق وأخلاق العالم الذي يترفق بالناس، ويلتمس لهم الأعذار ابتغاء إعداد نفوسهم لسماع كلامه وقراءة مؤلفاته بنفس راضية لم تَحُلْ بينها وبين الإقبال عليه عباراتُ تكفير أو تفسيق من صنف ما يتردد على ألسنة بعض الدعاة هداهم الله. وفي ذلك كله ما يؤكد حسن مخاطبة العلامة عبد الله بن الصديق للناس.

4- حكمُ الشرع في الخطإ وتعليلُه

4-1- حكم الخطإ شرعا

وبما أن الخطأ المذكور ينطوي على إساءة إلى جناب الله عز وجل، فإن المؤلف لا يكتفي بالنص على عدم صوابه، ولكنه يعمد – وهو العالم الحريص على التأدب مع الله تعالى وتعليمِ المسلمين هذا الأدب – إلى بيان حكم الشرع فيه ليَعْلمه الناسُ ويقوموا ألسنتهم في ضوئه.

وإذا كان المؤلف يصف ذاك الدعاء فيه الأسطر الأولى لكتابه بأنه «دعاء قبيح، فيه إساءة أدب مع الله تعالى»(19)، وبأنه «لا يجوز أن يُدعى به»(20) فإنه يقول بعد صفحات قليلة إن «الدعاء به حرام»(21)، وهي صيغة صريحة واضحة في التحريم.

4-2- تعليل الحكم

ويشرع المؤلف، بعد التصريح بالحِرمة، في تعليل هذا الحكم ذاكرا وجوها لقُبْح الدعاء المحرَّم أوصلها إلى سبعة وجوه نرى أنها صادرة عن ثلاثة مرتكزات رئيسة هي: النص، والعقل، واللياقة اللغوية(22).

أ- النص

والمراد به القرآن الكريم والحديث الشريف، فعليهما ارتكز المؤلف في تحريم الدعاء المذكور لمخالفته ما ورد فيهما. ويتخذ حضور النص الشرعي في تعليل المؤلف مظهرين اثنين:

– أولهما: تجل صريح، حيث يُذكر النص الذي يشكل الدعاء القبيح مخالفة واضحة له. ومثاله قول المؤلف في ثاني الوجوه السبعة لقبح ذاك الدعاء: «أنه يتضمن أن الله كلفك من شكره ما لا تطيق حتى طلبت منه أن يؤديه عنك، وهذا يخالف القرآن، حيث قال الله تعالى (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)»(23).

– وثانيهما: حضور روح النص مع غياب ألفاظه. ومثاله قوله في ثالث وجوه قبح الدعاء المذكور: «أن الشكر عبادة أمرنا بها، والعبادة لا يفعلها الله عن عبده، بل لا يجوز عقلا أن يفعلها، لأنه معبود وليس بعابد، وإنما يطلب منه التوفيق للعبادة والإعانة عليها»(24).

فثمة – في تقديري- نصوص شرعية تراءت معانيها للمؤلف وهو يفكر في هذا الوجه الاستدلالي، ثم وهو يصوغه:

• فقوله إن «الشكر عبادة أُمرنا بها» تعبير عن مضامين آيات قرآنية(25) كقوله تعالى: «يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله , والله هو الغني الحميد» [فاطر:15]، وقوله سبحانه: «فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون» [البقرة:151].

• وقوله: «والعبادة لا يفعلها الله عن عبده، بل لا يجوز عقلا أن يفعلها، لأنه معبود وليس بعابد» يبدو، من أحد وجوهه، كالشرح والتفسير لمعنى القصر في قوله سبحانه: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» [الذاريات:56].

• وقوله: «وإنما يُطلب منه التوفيق للعبادة والإعانة عليه» كالناظر للدعاء الذي علم النبيُّ صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل قولَه دُبُرَ كلّ صلاة، ونَصُّه: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

ب- العقل

وقد استند إليه المؤلف كثيرا. ومن خير ما يمثله قوله في رابع الوجوه السبعة الكاشفة عن حرمة ذاك الدعاء القبيح إن «الشارع بين أن حق الله على عباده أن يعبدوه، وحق العبادة(26) عليه إذا عبدوه أن يثيبهم وهذا حق تفضلي، وذلك الدعاء يستلزم أن يصير المعبود عابدا، وهذا المعنى باطل عقلا وشرعا، فالدعاء به حرام»(27).

فقد أوضح اعتمادا على إعمال عقله أن من مخاطر ذاك الدعاء أن قائله يطلب من الله سبحانه أن يقوم بأداء عبادة الشكر، وذاك ما يصيِّر الحق سبحانه عابدا كبقية العباد، وهذا ما لا يقبله العقل.

ج- اللياقة اللغوية

ونقصد بها التمييز في كلمات اللغة وجملها بين ما يليق استخدامه عند دعاء الله سبحانه والحديث عنه وبين ما لا يليق. وبعبارة ثانية: ليس كل ما يليق ويصح في تخاطب الناس بعضهم مع بعض لائقاً في حق الله تعالى، وهذا ما أكده المؤلف في الوجهين الأول والسابع من وجوه قبح الدعاء المحرَّم.

فقد ذكر في أول الوجوه السبعة أن ذاك الدعاء «يتضمن ردَّ الامر على الامر به (28) وهو ممنوع عادة وشرعا. أما العادة فلأنك لو قلت لولدك أو مَنْ لك عليه واجبُ الطاعة افعل الشيءَ الفلاني وقال لك: افعله أنت عنِّي، عُدَّ مُخالفا للأمر، حيث رده عليك، واستحق اللوم والتأديب..»(29)؛ لأن ردَّه هذا لا يليق أن يُوجَّه إلى مَنْ له عليه واجب الطاعة؛ وذلك لتوفر شرط الاستعلاء بين المتخاطبَيْن في هذا المقام.

وقال في الفقرة المخصصة للوجه السابع من وجوه قبح الدعاء «أن علماء الكلام وغيرهم قالوا: إذا كان للفظ معنيان أحدهما يليق بجانب الله والآخر لا يليق، فلا يجوز إطلاقه على الله منعا لإلصاق معنى لا يليق به»(30)، ومثَّل لذلك بلفظ (العلم الضروري) الذي لا يجوز جعلُه صفة لله سبحانه؛ لأن من معانيه «ما يضطر الشخص إليه، كعلمه بحياته ووجوده»(31)، ثم قاس عليه قول القائلين “اللهم أدِّ عنَّا شكر النعم”، مؤكدا أنه «لا يجوز إطلاقه في جانب الله، حتى لو فُرِضَ أن له معنى صحيحا بضرب من التأويل والتجوز، لأنه يُوهِمُ معنى قبيحا لا يليق بالله تعالى»(32) وهو الاضطرار.

5- التصويب المقترح وأصوله

ولا يقتصر المؤلف على ذكر الخطإ، وبيان سبب نشوئه، وحكم الشرع فيه، وتعليل ذاك الحكم، ولكنه يقدم بديلا للخطإ عباراتٍ صحيحةً يكون في النطق بها عدولٌ عن الإساءة إلى جناب الله سبحانه وانعطافٌ نحو سبيل الرشد في الدعاء، فيقول – رحمه الله – مبينا ما يحسن بالمسلم قوله إذا أحس بتقصير في شكر الخالق سبحانه: «..فإذا حدثت للمسلم نعمة، فشُكْرُها أن يقول (الحمد لله) فإن الله يرضى بهذا ويثيبه عليه، فإن لاحظ مع هذا تقصيره في الشكر، فله في علاج هذا التقصير إحدى طريقتين:

1- أن يقول: اللهم اغفر لي تقصيري في شكرك، أو: اللهم اعف عن تقصيري، أو: اللهم لا تؤاخذني بما قصرت أو نحو هذا من الدعاء المشروع.

2- أن يقول: رب أوزعني أن أشكر نعمتك، أو: اللهم ألهمني أداء شكرك، أو: اللهم وفقني لأداء شكرك، أو: اللهم أعني عليه، أو نحو هذا مما يفيد طلب المعونة والتوفيق»(33).

ونلاحظ ههنا أن التصويب الذي يقترحه المؤلف إنما استمده من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف أو مما وافقهما من الصيغ اللغوية الشرعية.

– فأما استمداده من القرآن الكريم فمثاله قوله: «رب أوزعني أن أشكر نعمتك» المأخوذ من قوله تعالى على لسان نبيه سليمان عليه السلام: «فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين» [النمل:19].

ومثاله أيضا قوله: «اللهم لا تؤاخذني بما قصرت»؛ ففيه، من حيث ألفاظه وتركيبه، أثرٌ من قوله سبحانه على لسان موسى عليه السلام: «قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا» [الكهف:72].

– وأما أخذه من الحديث الشريف فمثاله قوله: «اللهم أعني عليه [=على شكر نعمتك]»، وهو دعاء تنظر كلماته وتركيبه إلى الدعاء الذي علّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل قوله دبر كل صلاة، وهو: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»(34).

– وأما ما يوافق القرآن الكريم والحديث الشريف من صيغ الدُّعاء المشروعة فمما يدل عليه فتح المؤلف الباب أمام اقتراحات وبدائلَ أخرى للخطإ المصحح؛ وذلك بقوله عقب ذكر أمثلة من الطريقتين معا: «..أو نحو هذا من الدعاء المشروع/ أو نحو هذا مما يفيد طلب المعونة»، ففي هاتين العبارتين قبول بكل صيغة لغوية تفيد طلب التوفيق والعون وتلتزم الأدب الواجب في مقام الدعاء.

وإجمالا فإن ضابط التصويب عند المؤلف هو الاتفاق ونصي القرآن الكريم والحديث الشريف من حيث المعنى واللفظ وعدم الخروج عن هدي هذين المصدرين الجليلين.

وإن الناظر في هذا الضابط المستخلص من الأمثلة المذكورة ليتبين أن الطريقتين اللتين اقترحهما المؤلف للمقصرِ في شكر الله، الراغبِ في علاج تقصيره إنما هما – في حقيقة الأمر – طريقة واحدة هي اتباع القرآن والسنة؛ ذلك أن أمثلة الطريقتين معا إنما هي أدعية تنسجم وآيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولعل سائلا يسأل في هذا المقام قائلا: إذا كانت أمثلة الطريقتين كلها من قبيل الدعاء، فلماذا فصل المؤلف بينها وسلكها في طريقتين اثنتين؟

نقول في الجواب عن هذا السؤال: إن فصل المؤلف بين الأمثلة وسَلْكَه إياها في طريقتين لا ينفي كونها جميعا أدعية. وعندي أن ما دعا المؤلف إلى الفصل بين الأمثلة هو داعٍ مرتبط بنفسية من يصدر عنه أحد أدعية الطريقتين، ولنقرأ بتأن أمثلة الطريقتين، ثم لنتبين أي فرق بينهما من الناحية النفسية:

أمثلة الطريقة الأولى

أمثلة الطريقة الثانية

 -اللهم اغفر لي تقصيري في شكرك

– اللهم اعف عن تقصيري

– اللهم لا تؤاخذني بما قصرت

– رب أوزعني أن أشكر نعمتك

– اللهم ألهمني أداء شكرك

– اللهم وفقني لأداء شكرك

– اللهم أعني عليه

إن الناظر في أمثلة الطريقة الأولى يجدها تشترك في كونها طلبا للعفو والمغفرة وعدم المؤاخذة، وهذه معانٍ مناسبة لِمَنْ يستشعر في نفسه العجز والتقصير، فهي أدعية صادرة عن نفوس تدعو أصحابها للكسل والتوقف عن العمل والاجتهاد في فعل الشكر.

وتختلف أمثلة الطريقة الثانية عن سابقتها بكونها تشترك في طلب التوفيق للعمل والإعانة عليه وإلهام الداعي أداءَه؛ وهذه معان ملائمة لمن يجد في نفسه الرغبة في العمل والاجتهاد، فهي أدعية صادرة عن نفوس تدعو أصحابها للاجتهاد في شكر الله على نعمه.

فهذا الاختلاف بين نفوس الداعين هو ما نراه سببا في فصل المؤلف بين الأمثلة وإدراجه إياها في طريقتين مع أنها جميعا لا تخرج عن دائرة الدعاء المشروع الذي يقدمه المؤلف بديلا للدعاء الذي صنف رسالته لبيان حرمته.

خاتمة

لقد اتسم تقويم العلامة عبد الله بن الصديق الغماري للدعاء الخاطئ بحضور شخصية الرجل الفقهية، وهو ما جلّاه اعتناؤه بذكر النازلة (= الخطأ المراد تقويمه)، وبيان حكمها الشرعي، وتعليله عقلا وشرعا، وذكر ما يجوز قوله من أدعية الشكر بدلا من الدعاء المحرم. وإنما استدعى حضور هذا البعد الفقهي في عملية التقويم لديه أن ما أراد تصحيحه تجاوز دائرة الخطإ في قاعدة من قواعد اللغة وصار خطأ في تديّن مُرتكبه.

 

 

 

الإحالات:

(1) تنظر ترجمته في:

– عبد الله الجراري: التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين، مكتبة المعارف بالرباط، الطبعة الأولى1406هـ/ 1985م، ص392- 396.

– عبد الله التليدي: ذكريات من حياتي، دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى1425هـ /2004م، ص156- 158.

– فاروق حمادة: عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى1427هـ /2006م. 

(2) يقع هذا الكتاب في اثنتي عشرة (12) صفحة من القطع الصغير (16.5×12 سنتيمترا)، ونُشر تاليا لكتاب (توضيح البيان لوصول ثواب القرآن) للمؤلف، عن دار الطباعة الحديثة بالدار البيضاء دون إشارة إلى تاريخ الطباعة والنشر.

(3) عبد الله الجراري، التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين، ص392. وعبد الله التليدي، ذكريات من حياتي، ص156.

(4) عبد الله الجراري، التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين، ص392. وعبد الله التليدي، ذكريات من حياتي، ص157.

(5) عبد الله الجراري، التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين، ص392.

(6) فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص16. وعبد الله التليدي، ذكريات من حياتي، ص157.

(7) فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص17. . وعبد الله التليدي، ذكريات من حياتي، ص 157.

(8) فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص17. وعبد الله التليدي، ص157.

(9) فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد ص، 19- 24.

(10) فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص21.

(11) ينظر جرد بمؤلفاته أورده فاروق حمادة في كتابه عنه، ص33- 46.

(12) فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص47.

(13) نفسه، ص47.

(14) واضح أننا ننطلق، في هذه الخطوة التحليلية، من قراءة الفعل (تشكر) في العنوان ببنائه للمعلوم، ولا نرى في بنائه للمجهول ما قد يؤثر تأثيرا كبيرا على محتوى التحليل الذي قدمناه.

(15) عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص36.

(16) عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص37، وانظر أمثلة لتلك الطريقة في الصفحتين: 37- 38.

(17) نفسه، ص45.

(18) نفسه، ص39.

(19) نفسه، ص36.

(20) نفسه، ص36.

(21) نفسه، ص41.

(22) لا يعني الفصل بين هذه المرتكزات في مقالنا أنها ترد منفصلة عند المؤلف، فقد يستند إلى أكثر من مرتكز واحد في الوجه الواحد من وجوه قبح الدعاء المحرم.

(23) عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص40.

(24) نفسه، ص40- 41.

(25) لا نقصد ههنا أن المؤلف يروي الآيات القرآنية بمعانيها، ولكن المراد أن عباراته صادرة عن رسوخ معاني الآيات في ذهنه، وشتان ما بين الأمرين.

(26) هكذا في النص، وواضح أن الصواب هو (العباد) لا (العبادة).

(27) عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص41.

(28) هكذا في النص، والمراد: « يتضمن ردَّ الأمرِ على الآمِرِ به».

(29) عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص39- 40.

(30) عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص42.

(31) نفسه، ص42.

(32) نفسه، ص42.

(33) نفسه، ص39.

(34) لعل استمداد المؤلف الصواب من القرآن الكريم والحديث الشريف دليل على ما ذكرناه في المقدمة من أن من دوافع المؤلف لتصنيف هذه الرسالة رغبته في اتباع السنة 

 

 

 

 

 

 

 

ولد عبد الله بن الصديق الغماري (1328- 1413هـ / 1910- 1993م) في بيت من بيوت العلم والصلاح بشمال المغرب هو بيت الأسرة الصدّيقية بمدينة طنجة، وبدأ يتلقى العلم، منذ صباه، على يد جملة من العلماء من أبرزهم والده الشيخ محمد بن الصديق الغماري وأخوه العلامة الشهير أحمد بن الصديق الغماري3.
وبعد مرحلة دراسية بمسقط رأسه ارتحل إلى فاس وأخذ عن نخبة من علماء القرويين بها كالسادة العلماء: أحمد بن الجيلاني، وعبد الله الفضيلي، وأبو الشتاء الصنهاجي4، ثم «توجه إلى مصر ودرس على طائفة من علمائها كالشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ محمود الإمام عبد الرحمن، والشيخ محمد السمالوطي وغيرهم»5.
وكانت حياته في مصر غنية من الناحية العلمية، فقد أخذ ينشر مقالاته على صفحات عدد من مجلاتها كـ (هدي الإسلام)، و(الإرشاد)، و(الرابطة الإسلامية)، والشرق العربي)، وغيرها6، كما أخذ يحاضر في بعض الأندية والجمعيات7، ويدرس الطلبة8، ويخوض معارك فكرية متعددة9، ويصنف مؤلفات كان كثير منها ردودا «وتصحيحات وتقويمات لأفكار كانت تنتشر وكُتب كانت تُرَوَّج»10.
وقد ألف – رحمه الله تعالى – في علوم كثيرة كعلوم القرآن، والحديث، والأصول، والفقه، والتصوف11، وتميزت كتاباته بكونها «محكمة في لغتها، قوية بأدلتها، مليئة بالفوائد، تبلغ القارئ إلى الحكم الفصل في القضية التي تناولها»12وبأنها «ليست من نوع الإنشاء والإسراف فيه، كما نلاحظه عند كثير من كتاب عصرنا»13.
وتتفرغ هذه المقالة لدراسة كتابه (كيف تشكر النعمة)، وهو كتاب اجتمع فيه ما تقدم من صفات الكتابة لديه، وقد خصصه – يرحمه الله تعالى – لتصويب خطإ كان قد انتشر على ألسنة بعض الناس بمدينة طنجة، هو قول بعضهم عند الفراغ من الأكل: “اللهم أَدِّ عَنَّا شُكر النعمة”.
وقد ارتأت هذه المقالة التركيز على عنوان الكتاب ودلالته، ودوافع تأليفه، وسبب نشوء ذاك الدعاء الخاطئ، وحكم الشرع فيه وتعليل هذا الحكم، والتصويبِ الذي يقترحه المؤلفُ وأصولِه.  
1- دلالة العنوان
يدل عنوان هذا الكتاب على اتفاق المؤلف مع قرائه من جهةٍ واختلافه معهم من جهة ثانية.
فأما الاتفاق فلكون صيغة العنوان تتضمن تجاوزا لسؤالٍ أولٍ يمكننا صوغه بقولنا: (هل يجب شكر النعمة؟)، وهو السؤال الذي يتفق المؤلف وقراءه على الإجابة عنه بالإيجاب.
وأما الاختلاف فنابع من صيغة الخطاب في العنوان، وبعبارة شارحة: لقد سمّى المؤلف كتابه (كيف تَشْكُرُ النعمة)، ولم يقل مثلا: (كيف نشكر النعمة)، أو (كيفيةُ شُكْر النعمة)، أو نحوهما من الصيغ التي قد تفيد الجمع بين المؤلف والقراء في عبارة واحد ومقام واحد. 
إن ضمير المخاطب (أنت) المطلّ بوضوح من شرفة العنوان يُشعرنا بوجود مسافة بين المؤلف والقارئ، أو فلنقُلْ إنه يشعرنا بوجود مسافة بين سؤالين اثنين هما: (كيف أشكر [أنا المؤلف] النعمة؟) و(كيف تشكر [أنت القارئ] النعمة؟).
ومن هذه المسافة بين الطرفين وتوجيهِ السؤال إلى المخاطَب وحده في العنوان تتناسل أسئلة من بينها:
– ما العبارات التي تقولها أيها القارئ في شُكرك النعمة؟
– هل ثمة خطأ فيما تردده من تلك العبارات؟
– هل هناك طريقة أخرى في شكر النعمة أفضل مما اعْتَدْتَ قولَه؟
تلك أسئلة يولّدها العنوان في ذهن المتلقي، وهي مما سعى المؤلف للإجابة عنه14
2- دوافع التأليف
يصرّح المؤلف في مقدمة كتابه ببعض ما دفعه لتأليفه فيقول: «أما بعد فقد سمعت كثيرا من الناس بطنجة إذا أكل أحدهم وشبع يقول: اللهم أَدِّ علينا شكر النعم.
وهذا دعاء قبيح، فيه إساءة أدب مع الله تعالى»14.
ويتبين من ذلك أن هناك دافعين رئيسين مترابطين يصدر عنهما المؤلف، وهما:
أ- ضرورة مراعاة الأدب الواجب عند الحديث عن الله عز وجل أو دُعَائه، وتنزيهُ مقامَ الألوهية عن كل كلمة أو عبارة قد تتضمن ضربا من أضرب الإساءة إلى الخالق سبحانه.
ب- توجيهُ الناس إلى ما ينبغي تركه من الأقوال المخالفة للأدب المذكور.
على أن هناك دوافع أخرى لم يُصرَّح بها في مقدمة الكتاب، وإنما أُشيرَ إليها إشارة نذكر منها:
ج- رغبة المؤلف في اتباع السنة، وهو ما يستفاد من بَيَانِهِ طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء «عبادة الشكر، بفعله وقوله»15، ومن قَوْلِهِ – في سياق الرد على شُبهة من الشُّبه – بعدما ذكر  شُكر النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه: «..فيسعنا في هذا المقام ما وسعه عليه الصلاة والسلام، وذلك بأن نشكر الله كما علمنا، وإذا شعرنا بالتقصير والعجز، دعونا الله بالمغفرة أو التوفيق»16، ففي قوله: «فيسعنا في هذا المقام ما وسعه عليه الصلاة والسلام» إشارةٌ بل دعوةٌ لالتزام السنة النبوية والسير وَفق تعاليم نبينا صلى الله عليه وسلم.
3- سبب نشوء الدعاء الخاطئ
حاول المؤلف أن يتبين سبب نشأة الدعاء الخاطئ “اللهم أَدِّ عَنَّا شكر النعمة”، فأرجع ذلك إلى ما قد يعتري نفوس قائليه من شعور بالتقصير في أداء واجب الشكر لله تعالى على ما أنعم عليهم. يدل على ذلك قوله: «..فإن لاحَظَ [مَنْ يَشْكر الله تعالى بقوله (الحمد لله)] مع هذا [الشُّكْرِ بهذه العبارة] تَقْصيرَه، فله في علاج هذا التقصير إحدى طريقتين..»17 ، فقوله: «فله في علاج هذا التقصير إحدى طريقتين» يفيد أنه يعدُّ الشعورَ بالتقصير في شكر الله سبحانه دافعاً لمن يشكرونه بعبارة (الحمد لله) إلى محاولة علاج تقصيرهم بقولهم خطأً: “اللهم أدِّ عَنَّا شكر النعمة”، أي “اللهم إنك تعلم أننا عاجزون عن شكرك كما ينبغي فتول أنت يا ربنا هذه المهمة وأعفنا منها”.
ولد عبد الله بن الصديق الغماري (1328- 1413هـ / 1910- 1993م) في بيت من بيوت العلم والصلاح بشمال المغرب هو بيت الأسرة الصدّيقية بمدينة طنجة، وبدأ يتلقى العلم، منذ صباه، على يد جملة من العلماء من أبرزهم والده الشيخ محمد بن الصديق الغماري وأخوه العلامة الشهير أحمد بن الصديق الغماري3.
وبعد مرحلة دراسية بمسقط رأسه ارتحل إلى فاس وأخذ عن نخبة من علماء القرويين بها كالسادة العلماء: أحمد بن الجيلاني، وعبد الله الفضيلي، وأبو الشتاء الصنهاجي4، ثم «توجه إلى مصر ودرس على طائفة من علمائها كالشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي، والشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ محمود الإمام عبد الرحمن، والشيخ محمد السمالوطي وغيرهم»5.
وكانت حياته في مصر غنية من الناحية العلمية، فقد أخذ ينشر مقالاته على صفحات عدد من مجلاتها كـ (هدي الإسلام)، و(الإرشاد)، و(الرابطة الإسلامية)، والشرق العربي)، وغيرها6، كما أخذ يحاضر في بعض الأندية والجمعيات7، ويدرس الطلبة8، ويخوض معارك فكرية متعددة9، ويصنف مؤلفات كان كثير منها ردودا «وتصحيحات وتقويمات لأفكار كانت تنتشر وكُتب كانت تُرَوَّج»10.
وقد ألف – رحمه الله تعالى – في علوم كثيرة كعلوم القرآن، والحديث، والأصول، والفقه، والتصوف11، وتميزت كتاباته بكونها «محكمة في لغتها، قوية بأدلتها، مليئة بالفوائد، تبلغ القارئ إلى الحكم الفصل في القضية التي تناولها»12وبأنها «ليست من نوع الإنشاء والإسراف فيه، كما نلاحظه عند كثير من كتاب عصرنا»13.
وتتفرغ هذه المقالة لدراسة كتابه (كيف تشكر النعمة)، وهو كتاب اجتمع فيه ما تقدم من صفات الكتابة لديه، وقد خصصه – يرحمه الله تعالى – لتصويب خطإ كان قد انتشر على ألسنة بعض الناس بمدينة طنجة، هو قول بعضهم عند الفراغ من الأكل: “اللهم أَدِّ عَنَّا شُكر النعمة”.
وقد ارتأت هذه المقالة التركيز على عنوان الكتاب ودلالته، ودوافع تأليفه، وسبب نشوء ذاك الدعاء الخاطئ، وحكم الشرع فيه وتعليل هذا الحكم، والتصويبِ الذي يقترحه المؤلفُ وأصولِه.  
1- دلالة العنوان
يدل عنوان هذا الكتاب على اتفاق المؤلف مع قرائه من جهةٍ واختلافه معهم من جهة ثانية.
فأما الاتفاق فلكون صيغة العنوان تتضمن تجاوزا لسؤالٍ أولٍ يمكننا صوغه بقولنا: (هل يجب شكر النعمة؟)، وهو السؤال الذي يتفق المؤلف وقراءه على الإجابة عنه بالإيجاب.
وأما الاختلاف فنابع من صيغة الخطاب في العنوان، وبعبارة شارحة: لقد سمّى المؤلف كتابه (كيف تَشْكُرُ النعمة)، ولم يقل مثلا: (كيف نشكر النعمة)، أو (كيفيةُ شُكْر النعمة)، أو نحوهما من الصيغ التي قد تفيد الجمع بين المؤلف والقراء في عبارة واحد ومقام واحد. 
إن ضمير المخاطب (أنت) المطلّ بوضوح من شرفة العنوان يُشعرنا بوجود مسافة بين المؤلف والقارئ، أو فلنقُلْ إنه يشعرنا بوجود مسافة بين سؤالين اثنين هما: (كيف أشكر [أنا المؤلف] النعمة؟) و(كيف تشكر [أنت القارئ] النعمة؟).
ومن هذه المسافة بين الطرفين وتوجيهِ السؤال إلى المخاطَب وحده في العنوان تتناسل أسئلة من بينها:
– ما العبارات التي تقولها أيها القارئ في شُكرك النعمة؟
– هل ثمة خطأ فيما تردده من تلك العبارات؟
– هل هناك طريقة أخرى في شكر النعمة أفضل مما اعْتَدْتَ قولَه؟
تلك أسئلة يولّدها العنوان في ذهن المتلقي، وهي مما سعى المؤلف للإجابة عنه14
2- دوافع التأليف
يصرّح المؤلف في مقدمة كتابه ببعض ما دفعه لتأليفه فيقول: «أما بعد فقد سمعت كثيرا من الناس بطنجة إذا أكل أحدهم وشبع يقول: اللهم أَدِّ علينا شكر النعم.
وهذا دعاء قبيح، فيه إساءة أدب مع الله تعالى»14.
ويتبين من ذلك أن هناك دافعين رئيسين مترابطين يصدر عنهما المؤلف، وهما:
أ- ضرورة مراعاة الأدب الواجب عند الحديث عن الله عز وجل أو دُعَائه، وتنزيهُ مقامَ الألوهية عن كل كلمة أو عبارة قد تتضمن ضربا من أضرب الإساءة إلى الخالق سبحانه.
ب- توجيهُ الناس إلى ما ينبغي تركه من الأقوال المخالفة للأدب المذكور.
على أن هناك دوافع أخرى لم يُصرَّح بها في مقدمة الكتاب، وإنما أُشيرَ إليها إشارة نذكر منها:
ج- رغبة المؤلف في اتباع السنة، وهو ما يستفاد من بَيَانِهِ طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء «عبادة الشكر، بفعله وقوله»15، ومن قَوْلِهِ – في سياق الرد على شُبهة من الشُّبه – بعدما ذكر  شُكر النبي صلى الله عليه وسلم ربَّه: «..فيسعنا في هذا المقام ما وسعه عليه الصلاة والسلام، وذلك بأن نشكر الله كما علمنا، وإذا شعرنا بالتقصير والعجز، دعونا الله بالمغفرة أو التوفيق»16، ففي قوله: «فيسعنا في هذا المقام ما وسعه عليه الصلاة والسلام» إشارةٌ بل دعوةٌ لالتزام السنة النبوية والسير وَفق تعاليم نبينا صلى الله عليه وسلم.
3- سبب نشوء الدعاء الخاطئ
حاول المؤلف أن يتبين سبب نشأة الدعاء الخاطئ “اللهم أَدِّ عَنَّا شكر النعمة”، فأرجع ذلك إلى ما قد يعتري نفوس قائليه من شعور بالتقصير في أداء واجب الشكر لله تعالى على ما أنعم عليهم. يدل على ذلك قوله: «..فإن لاحَظَ [مَنْ يَشْكر الله تعالى بقوله (الحمد لله)] مع هذا [الشُّكْرِ بهذه العبارة] تَقْصيرَه، فله في علاج هذا التقصير إحدى طريقتين..»17 ، فقوله: «فله في علاج هذا التقصير إحدى طريقتين» يفيد أنه يعدُّ الشعورَ بالتقصير في شكر الله سبحانه دافعاً لمن يشكرونه بعبارة (الحمد لله) إلى محاولة علاج تقصيرهم بقولهم خطأً: “اللهم أدِّ عَنَّا شكر النعمة”، أي “اللهم إنك تعلم أننا عاجزون عن شكرك كما ينبغي فتول أنت يا ربنا هذه المهمة وأعفنا منها”.
وإضافة إلى ما ينطوي عليه تفسير المؤلف هنا من ذكاء وفقه لدوافع المتكلمين، فإنا نرى فيه إحسانَ ظنٍّ 
ن بمرسبحانه أن يقوم بأداء عبادة الشكر، وذاك ما يصيِّر الحق سبحانه عابدا كبقية العباد، وهذا ما لا يقبله العقل.
ج- اللياقة اللغوية
ونقصد بها التمييز في كلمات اللغة وجملها بين ما يليق استخدامه عند دعاء الله سبحانه والحديث عنه وبين ما لا يليق. وبعبارة ثانية: ليس كل ما يليق ويصح في تخاطب الناس بعضهم مع بعض لائقاً في حق الله تعالى، وهذا ما أكده المؤلف في الوجهين الأول والسابع من وجوه قبح الدعاء المحرَّم.
فقد ذكر في أول الوجوه السبعة أن ذاك الدعاء «يتضمن ردَّ الامر على الامر به27 وهو ممنوع عادة وشرعا. أما العادة فلأنك لو قلت لولدك أو مَنْ لك عليه واجبُ الطاعة افعل الشيءَ الفلاني وقال لك: افعله أنت عنِّي، عُدَّ مُخالفا للأمر، حيث رده عليك، واستحق اللوم والتأديب..»28 ؛ لأن ردَّه هذا لا يليق أن يُوجَّه إلى مَنْ له عليه واجب الطاعة؛ وذلك لتوفر شرط الاستعلاء بين المتخاطبَيْن في هذا المقام.
وقال في الفقرة المخصصة للوجه السابع من وجوه قبح الدعاء «أن علماء الكلام وغيرهم قالوا: إذا كان للفظ معنيان أحدهما يليق بجانب الله والآخر لا يليق، فلا يجوز إطلاقه على الله منعا لإلصاق معنى لا يليق به»29، ومثَّل لذلك بلفظ (العلم الضروري) الذي لا يجوز جعلُه صفة لله سبحانه؛ لأن من معانيه «ما يضطر الشخص إليه، كعلمه بحياته ووجوده»30، ثم قاس عليه قول القائلين “اللهم أدِّ عنَّا شكر النعم”، مؤكدا أنه «لا يجوز إطلاقه في جانب الله، حتى لو فُرِضَ أن له معنى صحيحا بضرب من التأويل والتجوز، لأنه يُوهِمُ معنى قبيحا لا يليق بالله تعالى»31 وهو الاضطرار.
5- التصويب المقترح وأصوله
ولا يقتصر المؤلف على ذكر الخطإ، وبيان سبب نشوئه، وحكم الشرع فيه، وتعليل ذاك الحكم، ولكنه يقدم بديلا للخطإ عباراتٍ صحيحةً يكون في النطق بها عدولٌ عن الإساءة إلى جناب الله سبحانه وانعطافٌ نحو سبيل الرشد في الدعاء، فيقول – رحمه الله – مبينا ما يحسن بالمسلم قوله إذا أحس بتقصير في شكر الخالق سبحانه: «..فإذا حدثت للمسلم نعمة، فشُكْرُها أن يقول (الحمد لله) فإن الله يرضى بهذا ويثيبه عليه، فإن لاحظ مع هذا تقصيره في الشكر، فله في علاج هذا التقصير إحدى طريقتين:
1- أن يقول: اللهم اغفر لي تقصيري في شكرك، أو: اللهم اعف عن تقصيري، أو: اللهم لا تؤاخذني بما قصرت أو نحو هذا من الدعاء المشروع.
2- أن يقول: رب أوزعني أن أشكر نعمتك، أو: اللهم ألهمني أداء شكرك، أو: اللهم وفقني لأداء شكرك، أو: اللهم أعني عليه، أو نحو هذا مما يفيد طلب المعونة والتوفيق»32.
ونلاحظ ههنا أن التصويب الذي يقترحه المؤلف إنما استمده من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف أو مما وافقهما من الصيغ اللغوية الشرعية.
– فأما استمداده من القرآن الكريم فمثاله قوله: «رب أوزعني أن أشكر نعمتك» المأخوذ من قوله تعالى على لسان نبيه سليمان عليه السلام: «فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين» [النمل:19].
ومثاله أيضا قوله: «اللهم لا تؤاخذني بما قصرت»؛ ففيه، من حيث ألفاظه وتركيبه، أثرٌ من قوله سبحانه على لسان موسى عليه السلام: «قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا» [الكهف:72].
– وأما أخذه من الحديث الشريف فمثاله قوله: «اللهم أعني عليه [=على شكر نعمتك]»، وهو دعاء تنظر كلماته وتركيبه إلى الدعاء الذي علّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل قوله دبر كل صلاة، وهو: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»33.
– وأما ما يوافق القرآن الكريم والحديث الشريف من صيغ الدُّعاء المشروعة فمما يدل عليه فتح المؤلف الباب أمام اقتراحات وبدائلَ أخرى للخطإ المصحح؛ وذلك بقوله عقب ذكر أمثلة من الطريقتين معا: «..أو نحو هذا من الدعاء المشروع/ أو نحو هذا مما يفيد طلب المعونة»، ففي هاتين العبارتين قبول بكل صيغة لغوية تفيد طلب التوفيق والعون وتلتزم الأدب الواجب في مقام الدعاء.
وإجمالا فإن ضابط التصويب عند المؤلف هو الاتفاق ونصي القرآن الكريم والحديث الشريف من حيث المعنى واللفظ وعدم الخروج عن هدي هذين المصدرين الجليلين.
وإن الناظر في هذا الضابط المستخلص من الأمثلة المذكورة ليتبين أن الطريقتين اللتين اقترحهما المؤلف للمقصرِ في شكر الله، الراغبِ في علاج تقصيره إنما هما – في حقيقة الأمر – طريقة واحدة هي اتباع القرآن والسنة؛ ذلك أن أمثلة الطريقتين معا إنما هي أدعية تنسجم وآيات القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولعل سائلا يسأل في هذا المقام قائلا: إذا كانت أمثلة الطريقتين كلها من قبيل الدعاء، فلماذا فصل المؤلف بينها وسلكها في طريقتين اثنتين؟
نقول في الجواب عن هذا السؤال: إن فصل المؤلف بين الأمثلة وسَلْكَه إياها في طريقتين لا ينفي كونها جميعا أدعية. وعندي أن ما دعا المؤلف إلى الفصل بين الأمثلة هو داعٍ مرتبط بنفسية من يصدر عنه أحد أدعية الطريقتين، ولنقرأ بتأن أمثلة الطريقتين، ثم لنتبين أي فرق بينهما من الناحية النفسية:
أمثلة الطريقة الأولى أمثلة الطريقة الثانية
– اللهم اغفر لي تقصيري في شكرك
– اللهم اعف عن تقصيري
– اللهم لا تؤاخذني بما قصرت – رب أوزعني أن أشكر نعمتك
– اللهم ألهمني أداء شكرك
– اللهم وفقني لأداء شكرك
– اللهم أعني عليه
إن الناظر في أمثلة الطريقة الأولى يجدها تشترك في كونها طلبا للعفو والمغفرة وعدم المؤاخذة، وهذه معانٍ مناسبة لِمَنْ يستشعر في نفسه العجز والتقصير، فهي أدعية صادرة عن نفوس تدعو أصحابها للكسل والتوقف عن العمل والاجتهاد في فعل الشكر.
وتختلف أمثلة الطريقة الثانية عن سابقتها بكونها تشترك في طلب التوفيق للعمل والإعانة عليه وإلهام الداعي أداءَه؛ وهذه معان ملائمة لمن يجد في نفسه الرغبة في العمل والاجتهاد، فهي أدعية صادرة عن نفوس تدعو أصحابها للاجتهاد في شكر الله على نعمه.
فهذا الاختلاف بين نفوس الداعين هو ما نراه سببا في فصل المؤلف بين الأمثلة وإدراجه إياها في طريقتين مع أنها جميعا لا تخرج عن دائرة الدعاء المشروع الذي يقدمه المؤلف بديلا للدعاء الذي صنف رسالته لبيان حرمته.
خاتمة
لقد اتسم تقويم العلامة عبد الله بن الصديق الغماري للدعاء الخاطئ بحضور شخصية الرجل الفقهية، وهو ما جلّاه اعتناؤه بذكر النازلة (= الخطأ المراد تقويمه)، وبيان حكمها الشرعي، وتعليله عقلا وشرعا، وذكر ما يجوز قوله من أدعية الشكر بدلا من الدعاء المحرم. وإنما استدعى حضور هذا البعد الفقهي في عملية التقويم لديه أما أراد تصحيحه يتجاوز دائرة الخطإ في قاعدة من قواعد اللغة وصار خطأ في تديّن مُرتكبه
1- ننظر ترجمته في:
– عبد الله الجراري: التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين، مكتبة المعارف بالرباط، الطبعة الأولى1406هـ/ 1985م، ص392- 396.
– عبد الله التليدي: ذكريات من حياتي، دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى1425هـ /2004م، ص156- 158 
– فاروق حمادة: عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، دار القلم بدمشق، الطبعة الأولى1427هـ /2006م.
2 ــ يقع هذا الكتاب في اثنتي عشرة (12) صفحة من القطع الصغير (16.5×12 سنتيمترا)، ونُشر تاليا لكتاب (توضيح البيان لوصول ثواب القرآن) للمؤلف، عن دار الطباعة الحديثة بالدار البيضاء دون إشارة إلى تاريخ الطباعة والنشر. 
3ــ عبد الله الجراري، التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين، ص392. وعبد الله التليدي، ذكريات من حياتي، ص156
4-. عبد الله الجراري، التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين، ص392. وعبد الله التليدي، ذكريات من حياتي، ص157
5- فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص21.
5- ينظر جرد بمؤلفاته أورده فاروق حمادة في كتابه عنه، ص33- 46. 
6ــ فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص.47 
فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص17. وعبد الله التليدي، ص157. 7-
8- فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد ص، 19- 24. 
 9- فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص21.
 
ينظر جرد بمؤلفاته أورده فاروق حمادة في كتابه عنه، ص33- 46.  10- 
11- فاروق حمادة، عبد الله بن الصديق الغماري الحافظ الناقد، ص47.
      
12- نفسه، ص47.
13ــ واضح أننا ننطلق، في هذه الخطوة التحليلية، من قراءة الفعل (تشكر) في العنوان ببنائه للمعلوم، ولا نرى في بنائه للمجهول ما قد يؤثر تأثيرا كبيرا على محتوى التحليل الذي قدمناه. 
 عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص36 14- 
15- عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص37، وانظر أمثلة لتلك الطريقة في الصفحتين: 37- 38. 
16- نفسه، ص45.
17- نفسه، ص39. 
نفسه، ص36. 18- 
19-  نفسه، ص36. 
20- نفسه، ص41. 
21- لا يعني الفصل بين هذه المرتكزات في مقالنا أنها ترد منفصلة عند المؤلف، فقد يستند إلى أكثر من مرتكز واحد في الوجه الواحد من وجوه قبح الدعاء المحرم. 
22- عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص40.
23- نفسه، ص40- 41. 
24- لا نقصد ههنا أن المؤلف يروي الآيات القرآنية بمعانيها، ولكن المراد أن عباراته صادرة عن رسوخ معاني الآيات في ذهنه، وشتان ما بين الأمرين. 
25-  هكذا في النص، وواضح أن الصواب هو (العباد) لا (العبادة).
26- عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص41. 
هكذا في النص، والمراد: « يتضمن ردَّ الأمرِ على الآمِرِ به». 27ــ عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص39- 40. 
28-  عبد الله بن الصديق الغماري، كيف تشكر النعمة، ص42.
29- نفسه، ص42.
30- نفسه، ص42.
31-نفسه، ص39
  32- نفسه، ص39
33ــ لعل استمداد المؤلف الصواب من القرآن الكريم والحديث الشريف دليل على ما ذكرناه في المقدمة من أن من دوافع المؤلف لتصنيف هذه الرسالة رغبته في اتباع السنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق