وحدة الإحياءدراسات محكمة

أهم مداخل ومنطلقات المواجهة الفكرية والثقافية لظاهرة العنف والتطرف

 تتغيا هذه الدراسة الوقوف على أهم محددات المواجهة الفكرية والثقافية لظاهرة التطرف والعنف التي أمست تهدد التوازنات الاجتماعية والسياسية الكبرى لمجتمعاتنا، كما أمست تمعن في استنزاف وتشويه واختطاف المرجعية الدينية الجامعة. ولإنجاز ذلك يتعين الوقوف، ابتداء، على ماهية هذه الظاهرة، والتمييز، في سياق فهمها وتفسيرها، بين التطرف بما هو تجاوز لحد الاعتدال؛ غلوا وتعصبا وتشددا، وبين الإرهاب بما هو تطرف يتوسل بأدوات العنف والإكراه، وما تقتضيه طبيعة كل منهما من معالجة قبلية أو بعدية تناسب السياق والمقام.

وكذا الوقوف على البنية الحاكمة للفكر المتطرف في افتقاره للوعي بمقاصد روح الدين وحقيقته، وكذا في حرفيته ونـزوعه الوثوقي، وخلطه بين ما هو توقيفي في الدين يقتضي التسليم، وما هو توفيقي يقتضي إعمال الرأي والاجتهاد والترجيح بحثا عن المصلحة.

كما تنطلق هذه الورقة من الوعي بحقيقة أن قانون الطبيعة قائم على العنف؛ قانون البقاء للأقوى، الأمر الذي جعل الحياة تبدو في صورتها الطبيعية قائمة بدورها على العنف، بل وجعل الحضارة المعاصرة على غرار الحضارات القديمة قائمة كذلك على نصاب وافر من العنف.

وهنا تبرز أهمية الدين والثقافة والتربية والقانون في ضبط العنف وتوجيهه وعقلنته، وكذا في تمكين الإنسان من تجاوز شرطه الحيواني؛ بحيث لم يغد الإنسان إنسانا إلا بفضل اجتراحه واعتماده لنظام معياري من القيم والتصورات والمبادئ وقواعد السلوك يحتكم إليها بشكل طوعي جماعي وتعاقدي ضد كل أشكال العزل والخوف والإكراه التوتاليتاري.

وما عبرت عنه حنة أرندت بـ”الإرهاب الكلي” الذي يجعل الناس يسحق بعضهم بعضا؛ لا يعبأ بحياتهم ولا بحريتهم واستقلاليتهم ولا بكرامتهم، هدفه الأقصى توفير كل الوسائل التي من شأنها أن تسعف قوى الطبيعة أو التاريخ في تسريع حركتها. وبناء عليه فقد “توجب على الإرهاب، تقول حنة أرندت، بحكم كونه خادما مطيعا للحركة التاريخية أو الطبيعية، ألا يكتفي بالقضاء على الحرية، أيا كان المعنى المخصوص الذي أعطي لها، بل أن تقضي على مصدر الحرية نفسه..”[1].

ذلك أن المشروعية التوتاليتارية (النازية والفاشية والستالينية) وهي تتحدى الشرعية القانونية التعاقدية القائمة على الاختيار الفردي والجماعي الحر، وتزعم إحلال العدل في الأرض عبر الحكم المباشر استكمالا لقانون الطبيعة والتاريخ لا تكلف نفسها عناء ترجمة أيا منهما إلى معايير خير أو شر تستهدف توجيه السلوك الفردي.

إن النزوع الإرهابي للأنظمة الشمولية لا يمكن تفسيره، من وجهة نظر حنة أرندت، بمحض العدوانية والوحشية والحرب والغدر، وإنما بما اصطلحت عليه “التوافق التشريعي” الذي يرتقي لدى “شيشرون” إلى مستوى أصل نشأة الشعوب، مثلما يمثل أصل نشأة العالم المتمدن في الأزمنة المعاصرة في صورة قانون دولي يظل ساريا حتى في أتون الحروب، بعدما بات يشكل حجر الزاوية في العلاقات الدولية بين الأمم.

فبينما تنزع كل الإيديولوجيات المتطرفة إلى رفض مبدأ وحق التوافق والتعاقد القانوني والسياسي الحر، تلاحظ “حنة أرندت” كيف أن “القانون الإلهي نفسه لا يمكن أن يدخل حيز التنفيذ لدى الناس إلا حين يصغون إليه ويتوافقون بشأنه”[2].

وسعيا للوقوف على أهم مداخل ومنطلقات المواجهة الفكرية والثقافية لظاهرة العنف والتطرف نقترح تناول العناصر التالية:

أولا: في البحث عن منظور تفسيري لظاهرة العنف والتطرف.

ثانيا: أهم مظاهر العنف في الطبيعة والحضارة والتاريخ.

ثالثا: الثقافة: مفهومها ووظيفتها.

رابعا: استعادة الوعي الثقافي ومقتضيات المسؤولية التاريخية والحضارية للأمة.

خامسا: في الحاجة إلى فك الارتباط بين الهوية والعنف.

سادسا: في الحاجة إلى فك الارتباط بين الأصولية والعنف.

سابعا: من البحث عن المعنى  إلى البحث عن الاعتراف.

ثامنا: بعض منطلقات المعالجة الثقافية للعنف والتطرف.

أولا: في البحث عن منظور تفسيري لظاهرة العنف والتطرف

رغم أن لوجود العنف والإرهاب والخوف منهما أكبر الأثر على استقرار حياتنا، إلا أنهما لم يحظيا بالدراسة الكافية كظاهرة اجتماعية مقارنة بالموضوعات الكثيرة الأخرى التي كرست لها العلوم الاجتماعية اهتماما أكبر[3]. ومن هنا تنبع الحاجة القصوى لتفكيك خطاب العنف والتطرف كمدخل لفهم آلياته ودوافعه ومحدداته سعيا للحد من مخاطره المدمرة لمختلف مظاهر الوجود الإنساني ومختلف مظاهر العمران[4].

لقد تمحورت النظريات الرامية إلى تفسير العنف في المجتمعات المعاصرة، على مقتربين أساسيين؛ مقترب يعتمد مدخلا ثقافيا واجتماعيا، ويركز على جملة من المفاهيم من قبيل الهوية، والتقاليد، والحضارة.. ومقترب اقتصادي سياسي يركز على مجموعة من المؤشرات كالفقر، واللامساواة، والحرمان.

ولا شك أن للعوامل والأبعاد الثقافية والاجتماعية ومحددات الاقتصاد السياسي أهمية قصوى في فهم ظاهرة العنف في المجتمعات المعاصرة. غير أن هذه العوامل والأبعاد والمحددات لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض. فلأن الظواهر الاجتماعية ظواهر كلية ومركبة، فمن الأوفق منهجيا النظر إليها وفق رؤية منهجية كلية ومركبة[5].

وفي هذا السياق يعد تقرير «مسارات مدنية للسلام»، الذي أعدته هيئة الكومنولث برئاسة عالم الاقتصاد العالمي “أمارتيا سن” الحاصل على جائزة نوبل، من أهم التجارب العلمية الدولية التي حاولت بلورة منظورا تفسيريا متكاملا لظاهرة العنف والإرهاب، والبحث عن أنجع السبل الكفيلة بتجاوزها. وقد عبرت الهيئة العلمية عن مخاوفها وقلقها من نـزوع بعض القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية إلى تغليب وترجيح المبادرات العسكرية على المبادرات المدنية. مؤكدين أن المسارات المدنية نحو السلام كانت دائما، وستبقى، السبيل الأنسب لمواجهة العنف والإرهاب بفعالية وبنجاح أكبر[6].

لقد أمست مشكلة العنف تشكل مصدر قلق وانشغال عميقين بالنسبة للمنتظم الدولي؛ فقد خلص تقرير التنمية للبنك الدولي لسنة 2011: “العنف والأمن والتنمية” إلى أن العنف بات يمارس تأثيرا خطيرا على الأداء الاقتصادي والسياسي للدول النامية سواء تعلق الأمر بـ”أنظمة مقيدة هشة أو أنظمة مقيدة أساسية أو أنظمة مقيدة ناضجة”[7]. كما خلص إلى أن تعزيز المؤسسات الشرعية والحوكمة سعيا لتحقيق الأمن والعدالة وفرص العمل الكريم للمواطنين يعد أمرا حاسما لكسر دائرة العنف بمختلف تجلياته[8].

في ماهية العنف

تميل الأدبيات الحديثة ذات الصلة إلى تحديد العنف في صلته بالعقل والفاعلية الاستدلالية العقلية؛ فالعنف ضد الدليل، فحيثما وُجد عنف فلا دليل، وحيثما وجدَ الدليل فلا عنف. ولما كان الحوار جملة من الأدلة فهو نقيض العنف والعنف نقيضه. ولما كان الدليل هو خاصية العقل؛ بحيث لا عقل إلا بوجود الدليل فينتج عن ذلك أن العنف والعقل ضدان لا يجتمعان.

لقد باتت مجتمعاتنا تعاني من مشكلة مزدوجة؛ غياب الحوار وغياب الأخلاق أو ضمورهما إلى أبعد حد. ولن يفضي هذا الغياب وهذا الضمور للحوار والأخلاق معا إلا إلى إنتاج وتكريس أبشع مظاهر العنف[9].

والعنف، ضمن هذا السياق الدلالي، يرد إلى حب التملك، والتسيد، والتربب، انطلاقا من أن التسيد صورة فاحشة للتملك، والتربب أفحش منه[10]. فالعنف والإكراه، وفقا لهيغل، مضادان للحق والقانون لأنهما يعارضان الحرية التي هي جوهر الإرادة. والضمير الحق،بالنسبة إليه، هو الاستعداد لإدارة ما هو خير في ذاته ولذاته. أما الضمير الأخلاقي فهو الدرجة العليا للحرية الذاتية من حيث هي معرفة وفكر[11].

وإذا كانت القوة طاقة تحفظ بنية الذات، جامعة لعناصرها ومحققة لماهيتها، فإن العنف اندفاع لا يحفظ بنية الذات، بل يُفسدها، ولا يجمع عناصرها، بل يفرقها، ولا يحقق ماهيتها، بل يُدسيها؛ ثم إن القوة طاقة منضبطة، إذ توافق القوانين وتلتزم بالحدود، ولما كانت القوة بهذه الأوصاف، حفظا وضبطا؛ أي كانت طاقة «عاقلة»، لزم أن تصدر عن عنصر في الذات يسمو على العنصر الذي يصدر عنه العنف الذي لا حفظ معه ولا ضبط فيه، فيكون عبارة عن اندفاع غير عاقل؛ أي اندفاع “جاهل”؛ وهذا العنصر السامي الذي تصدر عنه القوة هو، بالذات “الروح”؛ فحقيقة القوة أنها طاقة روحية، في حين أن العنف في حقيقته اندفاع نفسي[12]. والعنف الناتج عن التطرف يعبر عن شكل صارخ لعدم الاحترام، وهو مؤشر مجتمعي بالغ الدلالة على أن قيم الاحترام والتفاهم قد تصدعت وانهارت[13].

غالبا ما يتلازم العنف الجسدي بالعنف النفسي، ونادرا ما يكون العنف «مجرد» هجوم جسدي يستهدف إلحاق الأذى أو الألم. إنه أكثر من ذلك؛ اعتداء على شخص الإنسان، وعلى إنسانية الآخرين، وعلى إحساس الفرد والمجتمع بقيمتهم الذاتية، وعلى رمزية مؤسساته الدستورية السيادية، وعلى هويته الجماعية[14].

ولذلك فإن “العنف” يظل “وصفا أخلاقيا يخص الإنسان، ولا يقوم بالحيوان على توحشه، ولا بالطبيعة، على قوتها التدميرية”؛ لأن الإنسان رغم إدراكه أن ممارسة العنف تصرف مؤذ لغيره، فإنه يمعن في اقترافه، مؤثرا إتيانه على تركه[15].

ثانيا: أهم مظاهر العنف في الطبيعة والحضارة والتاريخ

إن الطبيعة كما الحياة كلاهما قائمان على العنف، أليس قانون الطبيعة هو قانون البقاء للأقوى الذي يغدو بمقتضاه الحيوان الأضعف ضحية وفريسة للحيوان الأقوى؟ فالعنف لا يشكل مكونا بنيويا في الطبيعة فحسب، وإنما كذلك في الوجود التاريخي والحضاري لمختلف المجتمعات ولو بدرجات متفاوتة.

ولذلك فإن الحضارات القديمة مثلها مثل الحضارة الحديثة كلها قائمة على العنف[16]. وما تاريخ الحضارة والثقافة الإنسانية إلا سعي مستمر ومتعرج إلى ضبط هذا العنف وتوجيهه لما فيه مصلحة الإنسانية وليس إلى إلغائه؛ بحيث لو انعدم العنف كليا في المجتمعات لفقدت أحد محركاتها الرئيسية.

وما كان للإنسان أن يتجاوز شرطه الحيواني ليغدو إنسانا؛ يألف ويؤلف، يأنس ويؤنس.. يتبادل ويتعاون ويتفاهم ويتعاون إلا بفضل الثقافة، ليغدو، تبعا لذلك، أقل توحشا، قابلا للتفاهم مع الآخرين بعيدا عن منطق القوة الغاشمة والعنف. فبالثقافة والتثقيف والتأهيل، إذن، انتقل الإنسان من حالته الطبيعية الحيوانية إلى حالته الإنسانية.

فبقيام الثقافة على قيم الألفة والمودة والتواصل والتفاهم والتسامح والحب تحول العنف المادي إلى عنف رمزي قابل للاستبطان والتذكر والتخيل، وبالتالي التعامل معه كعامل من عوامل الضبط الاجتماعي، وبهذا يحل العقاب الرمزي محل العقاب المادي. ذلك أن الرمز يستبطن، في هذا الإطار، قدرة ملفتة على إعادة خلق العالم من أجل التأثير فيه، ولديه القدرة كذلك على استبدال التسلسل الآلي والطبيعي للأحداث بنوع من التداول والإرادة[17].

كما أن تقنين استخدام العنف من خلال إخضاعه إلى قواعد وضوابط وتدابير إجرائية وشروط، يعد جزءا من ضبط استخدامه وعقلنته، وتعبيرا عن نجاح الثقافة في الارتقاء بالإنسان من درك الطبيعة الحيوانية إلى مدارج السمو الإنساني. بحيث لم يغد الإنسان إنسانا، كما سلف الذكر، إلا بفضل اجتراحه واعتماده لنظام معياري من القيم والتصورات والمبادئ وقواعد السلوك.

وكلما انفجر العنف في المجتمعات كلما كان ذلك مؤشرا على أن نظام الثقافة، بما هو مشروع تربوي معياري للتخليق والتأهيل والتهذيب الإنساني، قد أصابه خلل إن لم يكن قد تعطل وأصابه الفوات. فالعنف هو الحالة الطبيعية التي سرعان ما ترتد إليها المجتمعات حينما يفشل نظام الثقافة فيها ويصيبه التصدع؛ أي بما هو مشروع للأنسنة بأبعاده التربوية والمعرفية، والدينية، والفنية، والأدبية، والأخلاقية والقانونية، لتقع، جراء ذلك، في أتون حرب طاحنة يخوضها الكل ضد الكل. ولا خلاص إلا بإعادة الروح والفاعلية في نظام الثقافة، وما يشتمل عليه من نظم فرعية؛ معرفية وتربوية وقانونية وعقائدية، وأخلاقية وفنية وأدبية.. كفيلة بإعادة الحيوية إلى وعي الإنسان وضميره وذوقه ومشاعره.

وما ينطبق على العلاقات في كنف المجتمع الوطني ينطبق على العلاقات بين الدول في كنف المجتمع الدولي؛ حيث يبدو انفجار العنف دوليا بمثابة تعبير عن تأزم عميق في بنية القانون والنظام الدوليين اللذين يعنيان بضبط وتنظيم العلاقات بين الدول. بحيث ما أن تتم التضحية والاستخفاف بالقيم والمعايير والمواثيق والقواعد والقوانين والنظم التي يقوم عليها انتظام الدول، وتآلف البشر والأمم وتفاهمهم وتواصلهم وتعاونهم، حتى ينفجر العنف، وتنفلت الغرائز الطبيعية من عقالها مدمرة أسس الأمن والسلم الدوليين[18]. ومن هنا الحاجة الملحة إلى تعزيز مبدأ احتكار العنف الشرعي والمشروع باسم القانون وطنيا ودوليا[19].

ولذلك يعد العنف والإرهاب تعبيرا مباشرا عن التصدع الذي طال منظومتنا المدنية والثقافية والقانونية والأخلاقية والسياسية؛ فكلما سلمنا واستسلمنا للعنف كقاعدة ونظام للتعامل كلما تجردنا من إنسانيتنا بفعل تراجع تأثير الثقافة والدين والقانون والأخلاق في تشكيل نظامنا المعياري القيمي الموجه لنا في الحياة.

وكلما تضاءل وزن الثقافة والدين والقانون والأخلاق في توجيه سلوك الأفراد والجماعات، وإضفاء المعنى والقيمة على حياتهم، والتعبير عن مصالحهم، كلما أمسوا متوحشين، مستسلمين للاحتكام إلى العنف لحسم الخلافات فيما بينهم، وتأسيس التراتبية الاجتماعية والسياسية بناء على القوة الغاشمة العارية من أي قيمة وأي معيار ديني أو قانوني أو أخلاقي[20].

وبالمقابل كلما ارتقت المجتمعات في سُلَّم المدنية والحضارة كلما ازدادت قيمة الثقافة وأثرها الإيجابي في سلوك الناس. وكلما ازداد منسوب هذا الأثر الإيجابي كلما ارتفع منسوب التضامن والتعاون بين أفراد المجتمع الواعين بذواتهم وحريتهم واستقلالهم، وتراجعت بالتالي المشاعر المثيرة للحسد والأنانية والحقد والمكر والنفاق والضغينة، لتسود قيم التسامح والغيرية، والإحسان، والكرم، والبدل، والتضحية، والتطوع، والتوافق، والتعاقد، والتفاوض، والتحاور، والتداول، ونكران الذات..وهو ما يشكل الشرط النفسي والثقافي للتقدم، والتنمية ومحاربة مختلف مظاهر الهشاشة الاجتماعية والفقر والفساد.

ثالثا: الثقافة: مفهومها ووظيفتها

يفترض الاتجاه التكفيري على غرار الاتجاه الإحيائي تنافيا بين الإسلام والثقافة؛ فكل منهما لا يجد من معنى لتركيب: “الثقافة الإسلامية” بدعوى أنه إذا كانت “الثقافة تجمعهم”، فإن “الصلاة تجمعنا ويجمعنا المسجد والقرآن والسنة”. وبدعوى أن “الثقافة قناع العقل المتمرد..” وبدعوى أن قاموس الثقافة تزاحم مفرداته وتراكيبه وترابطاته ونظامه ومقاصده واعتباراته الموضوعية والرمزية مقاصد الدين ومفرداته وتراكيبه ونظامه.. فهي “دين شامل شمولي مسيطر لا يترك مجالا في النفس والعقل والشعور وسائر أرجاء النفس لدين غيره”[21].

والواقع أنه إذا أمكن “اعتبار أفكار التقدم المتفائلة التي كان يتضمنها مفهوما “الثقافة” و”الحضارة” شكلا بديلا من الرجاء الديني”[22] في مرحلة من مراحل التطور الحضاري للغرب وبالتالي لتطور المفهوم نفسه، ففي مراحل أخرى أخذ مفهوم “الثقافة” دلالات فكرية وروحية أكثر بروزا حيث كان “كل ما يتعلق بالأصيل ويساهم في الإغناء الفكري والروحي يندرج ضمن مجال الثقافة”[23].

ويبرز فقر وتشنج التصور التكفيري والإحيائي لمفهوم الثقافة في صلته بمفهوم الحضارة حينما نقارنه بمقاربة الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش، أو المفكر الإسلامي مالك بن نبي، رحمة الله عليهما، ففي كتابيه: “شروط النهضة”[24] و”مشكلة الثقافة” أولى ابن نبي أهمية قصوى للثقافة في عملية الاستئناف الحضاري للعرب والمسلمين منطلقا من أن “الثقافة هي التعبير الحسي عن علاقة الفرد بهذا العالم، أي بالمجال الروحي (Noosphère) الذي ينمي فيه وجوده النفسي، فهي نتيجة هذا الاتصال بذلك المناخ. فالفرد إذا ما فقد صلته بالمجال الحيوي (biosphère) قررنا أنه مات موتا ماديا، وكذلك الأمر إذا فقد صلته بالمجال الثقافي فإنه يموت موتا ثقافيا.. فالثقافة إذن.. هي حياة المجتمع التي بدونها يصبح مجتمعا ميتا”[25]. و”هي التركيب العام لتراكيب جزئية أربعة هي: الأخلاق، والجمال، والمنطق العملي، والصناعة”[26].

حيث ينطلق مالك بن نبي من أن أساس كل ثقافة هو بالضرورة (تركيب) و(تأليف) لعالم الأشخاص، وهو تأليف يحدث طبقا لمنهج تربوي يأخذ صورة فلسفية أخلاقية، وإذن “فالأخلاق أو الفلسفة الأخلاقية هي أولى المقومات في الخطة التربوية لأية ثقافة”[27]. ذلك أن المنظور التفسيري لمالك بن نبي يتشكل من جملة عوالم هي عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء، وعالم العناصر والظواهر الطبيعية، وأن القيمة الثقافية لهذه العوالم المختلفة تخضع دوما لصلتنا الشخصية بها.

فضلا عن أن تركيب العناصر الثقافية يتوقف على تحقق شرط جوهري يتمثل في توثيق الصلة الضرورية بين الفرد وبين العوالم الأربعة السالفة، مع إعطاء الأسبقية لعالم الأشخاص نظرا لما يمثله من رصيد ثقافي يزود الفرد منذ ولادته، بالمقاييس الذاتية التي تحدد سلوكه، وتؤكد انتسابه إلى ثقافة معينة. ولذلك فإن الشرط الأول لتحقيق مشروع ثقافة معينة هو إذن “الصلة بين الأشخاص أولا”[28].

فالثقافة هي التي تؤسس لحمة المجتمع المدني؛ أي الوحدة الأولية التي يقوم عليها المجتمع السياسي بصراعاته ونـزاعاته، وأن هذه الوحدة هي التي تستطيع بحيويتها أن تحول السلطة القائمة على الغلبة والقوة إلى سلطة شرعية قائمة على الانتماء الطوعي للجماعة واحترام قوانينها.

ولكي تستطيع الجماعة أن تنتج وتعيد إنتاج وحدتها؛ أي نظامها واستقرارها، لابد من أن تنتج منظومة من القيم الأخلاقية والمنطقية والفنية تعمل على تحديد المناخ العام للنشاط السياسي والإنتاج الاقتصادي على السواء.

ولذلك ليست الثقافة محض عملية عقلية تقوم على تكوين مثقفين كبار ينتجون لشعب أمي.. وإنما عملية اجتماعية وفعالية إنسانية نوعية ينخرط فيها كل أفراد الجماعة للتفكير في مصيرهم المشترك، فلا تنمية ثقافية بدون تأمين هذه المشاركة لكل الأفراد في تقرير مستقبلهم وتوفير كل الأطر والإمكانيات والمواد الضرورية لهم لتحقيق هذه المشاركة. وكلما توسعت دائرة المشاركة احتكاما للثوابت الدستورية للأمة كلما عم الرخاء والأمن والاستقرار وتراجعت عوامل التطرف والتوتر والصراع والعنف.

ومن ثم فإن قضية التحرر الثقافي والعقلي وقضية التحرر الاجتماعي والسياسي قضايا مترابطة. وأن نجاح التنمية الثقافية إذا كان يقتضي بداهة تحرير الثقافة والسلطة الثقافية من الوصاية التي قتلت كل إبداع وكل احتمال مستقبلي لتطور هذا الإبداع والتواصل بين أعضاء الجماعة، فإن كل ذلك يتوقف على تحرير السلطة السياسية من القيود التي أملتها عليها خدمة المصالح الجزئية وتحولها إلى سلطة المجتمع بأكمله؛ أي سلطة عمومية يستشعر كل المواطنين أنهم مشاركين ومعنيين بها[29].

إن صياغة سياسة ثقافية جديدة، والعمل من أجل تنمية ثقافية يتطلبان الكف عن طرح المسألة الثقافية وكأنها مجرد صراع بين أفكار، وطرحها على مستوى ما تتضمنه في ذاتها من محتوى إصلاحي؛ ذلك أن الثقافة تمثل المصدر الأساسي لمختلف التغييرات والتجديدات، كما تشكل آخر خط دفاعي للنظام الاجتماعي في مواجهة كل الاختراقات؛ فلأنها تشكل الدائرة الأكثر مرونة في النسق الاجتماعي فإنها تبقى أكثر القطاعات مقاومة لكل أشكال الاختراق الخارجي، وهي لهذا السبب تشكل الأداة الأكثر ضمانا لاستمرارية الأمة.

وتفسير ذلك أن الثقافة تعد أكثر تجذراً وعمقاً من الاقتصاد والسلطة؛ فإذا كان الاقتصاد يتجسد في الملكية التي تعبر عن علاقة خارجية، والسلطة تتجسد في علاقات قوى متغيرة، فإن الثقافة تمد جذورها بعيدا في ذهنية تشكل ملكية أمة بكاملها على مستوى عقلها وروحها ووجدانها. ولذلك فإن الاقتلاع الجذري للنظم السياسية والاقتصادية من طرف قوى غازية لم يسفر عن القضاء على الأمم التي تمكنت من الحفاظ على ثقافتها؛ أي على دينها وقيمها وأنساق الحقيقة والرموز لديها.

وبالمقابل فإذا كان من المستحيل وجود الاقتصاد بدون مجتمع؛ أي بدون ثقافة تؤسس استنادا على معاييرها وقيمها، النظام الاجتماعي في مواجهة ظاهرة الفردية، فلا يمكن للثقافة أن تتطور خارج الدولة لأن الثقافة التي تنقطع عن السلطة تحرم نفسها من مصدر حيويتها وتطورها[30].

وتأكيدا للأهمية البالغة للثقافة في الاجتماع الإنساني تذهب الأدبيات الفلسفية الإسلامية المعاصرة ذات الصلة إلى أن الثقافة مقارنة بالحضارة تعد محصلة تأثير الدين على الإنسان أو تأثير الإنسان على ذاته، بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي. كما تعد بمثابة الفن الذي يغدو معه الإنسان إنسانا، أما الحضارة فتحيل إلى فن العمل والسيطرة وصناعة الأشياء صناعة متقنة، الثقافة هي الخلق المستمر للذات أما الحضارة، فهي التغيير المستمر للعالم. وبهذا يترسخ التنافي بين الإنسان والشيء، بين الإنسانية والشيئية[31].

فالحضارة، خلافا للثقافة، هي استمرار للتقدم التقني لا الروحي، وهي لذلك محكومة بمنطق الحاجة والضرورة بينما الثقافة تتحدد بالحرية والاختيار؛ فالإنسان حينما يرسي أسس الحضارة وينخرط في فعالياتها الإنتاجية فإنه يقوم بذلك بمنطق الحاجة على غرار حاجته إلى أن يتنفس ويأكل. فالحضارة بهذا المعنى تعبير عن الضرورة وعن الشعور بمحدودية حريتنا. أما الثقافة، فترتقي بنا إلى مستوى الشعور الأبدي بالاختيار والتعبير عن الحرية الإنسانية في أسمى تجلياتها.

وتبعا لذلك فإن الحضارة في خلقها الدائم لضرورات جديدة وقدرتها على فرض الحاجة إلى ما لا حاجة له، تعزز التبادل المادي بين الإنسان وبين الطبيعة وتُغري الإنسان بالحياة البرانية على حساب حياته الجُوانية؛ «إنتج لتربح، واربح لتبدد» هذه سمة في جبلَّة الحضارة. أما الثقافة فتميل إلى التقليل من احتياجات الإنسان أو الحد من درجة إشباعها، وبهذه الطريقة توسع في آفاق الحرية الجوانية لديه. وهذا هو المعنى الحقيقي لأنواع كثيرة من التنسك وإنكار الذات التي عُرفت في جميع الثقافات[32].

والملاحظ أن الثقافة والحضارة كل منهما تعبر على نوع مخصوص ومتميز من القوة؛ إذ لما كان حامل الثقافة هو الإنسان وحامل الحضارة هو المجتمع، فإن الثقافة تحيل إلى القوة الذاتية التي تُكتسب بالتنشئة، أما الحضارة فهي قوة تمارس على الطبيعة عن طريق العلم. فالعلم والتكنولوجيا والمدن والدول كلها تنتمي إلى الحضارة. غير أنه لا توجد قطيعة تامة بين الفعالية الثقافية والفعالية الحضارية؛ فكل من الثقافة والحضارة ينتمي أحدهما للآخر كما ينتمي عالم السماء إلى عالم الأرض؛ أحدهما “دراما” والآخر “يوتوبيا”.

ومن جهة أخرى، فإذا كانت الحضارة تُعلم فإن الثقافة تُنوّر، الحضارة تقوم أساسا على التعلُّم، أما الثقافة فتنهض على التأمل؛ التأمل جهد جُواني للتعرف على الذات وعلى موقع الإنسان في العالم، وهو نشاط جد مختلف عن التعلم. يؤدي التأمل إلى الحكمة والكياسة والطمأنينة ضد كل أضرب التطرف والعنف.

أما التعلم، فيواجه الطبيعة لمعرفتها ولتغيير ظروف الوجود. يطبق العلم الملاحظة والتحليل والتقسيم والتجريب والاختبار. بينما يُعنى التأمل بالفهم الخالص، وتتحدد الفعالية التأملية بكونها متحررة من الإرادة ومن الرغبة معا، وهو ما يجعلها تنحوا للتحرر من كل وظيفة وكل مصلحة. ولذلك فالتأمل لا يعبر عن موقف عالم، بل عن موقف مفكر شاعر أو فنان أو ناسك. وقد تَعْرضُ للعالم بعض لحظات من التأمل لكنه يفعل هذا، لا بصفته عالما، ولكن باعتباره إنسانا أو فنانا مبدعا.

 وفي صلة بموضوع القوة، فإن التأمل يهب قوة على النفس فلا يجعلها تجنج تطرفا وتعصبا، أما العلم، فإنه يعطي قوة على الطبيعة وتدميرها. وقد يغري بل ويغوي بالسيطرة والهيمنة عليها وعلى ما فيها/وإن أدى ذلك إلى استنزافها . والرهان، هاهنا، أن تتميز منظوماتنا التعليمية بالجمع والموازنة بين القوتين دونما طغيان لإحداهما على الأخرى[33].

إن هذا التعارض بين التأمل والتعلم يتجلى في التعارض بين الإنسان والعالم، بين الروح والذكاء، بين الحضارة والثقافة.

إن موضوع الثقافة، كما سلفت الإشارة، هو الإنسان ليس باعتباره فردا فحسب، وإنما باعتباره شخصية ذات فردية متفردة لا تتكرر، أما موضوع الثقافة الجماهرية فهدفها الجمهور؛ فبينما يحمل الإنسان بين جوانحه روحا، فإن الجمهور لا شيء لديه سوى حاجاته. ولذلك، فبينما تسهم الثقافة في تنمية الإنسان، فإن الثقافة الجماهيرية لا تسهم إلا في إشباع حاجات.

وبينما تنحو الثقافة منحى الفردية، فإن الثقافة الجماهيرية تنحو منحى معاكسا تماما، نحو التماثل والتنميط. في هذا المستوى تنحرف الثقافة الجماهيرية عن الأخلاق وعن الثقافة. وهنا تختلف الثقافة الجماهيرية عن الثقافة الأصيلة في أنها تحدُّ من الحرية الإنسانية من خلال هذا الاتجاه نحو التماثل.

 علما أن الحرية ما هي إلا مقاومة موصولة لا تكل لهذا التماثل وهذا التنميط الذي ينتج ما عبر عنه “جوزي أورتيجا” (José Ortega) بـ”الإنسان الجمهور” (Man Mass) وهو الجمهور الذي يتحول إلى وحدات مجهولة الهوية، لا ملامح لها، أو إلى مجموعة من الناس فقدوا شخصياتهم وتقلصوا إلى مجرد كتلة غير متميزة المعالم، و”الإنسان الجمهور”، تبعا لذلك، هو النتاج النهائي لحضارة بدون ثقافة، متحرر من الشك والتفضيلات الثقافية[34].

إن الحضارة لا يمكن دحضها من داخلها، وإنما فقط من خارجها؛ أي بواسطة الثقافة. فمن وجهة نظر الحضارة، لا يستطيع العلم أن يتراجع نحو الدين أو تتراجع الحضارة إلى الأسرة التقليدية، فالدائرة مُحكمة الإغلاق.

لكن رغم حدة وجذرية هذا النقد الذي وجهه الفيلسوف علي عزت بيجوفيتش للحضارة انتصارا منه للثقافة، فإنه لا يدعوا إلى رفضها كما تدعوا إلى ذلك الجماعات المتطرفة والمتشددة، وعيا منه أننا لا يمكن أن نرفضها حتى لو وددنا ذلك. مشددا على أن الشيء الوحيد الضروري والممكن هو أن نحطم الأسطورة التي تحيط بها. على أمل أن يفضي تحطيم هذه الأسطورة إلى مزيد من أنْسَنَةِ هذا العالم، وهي مهمة تنتمي بطبيعتها، كما سلفت الإشارة، إلى الثقافة[35].

وهذه المفارقة التي تتجلى في التلازم بين الحضارة والعنف تجعلنا نشعر و”كأن الإنسان بقدر ما يتحضر، يتوحش أو كأن تحضره من توحشه”[36].

إن ما يوحد الحركات المتطرفة يتمثل في افتقارها المزمن لأي وعي بمقاصد الدين وروحه، والتمييز ضمنه بين دائرة الأمور العقائدية التوقيفية التي تستوجب القطع والتسليم والتوقف، والأمور الدنيوية التوفيقية المصلحية التي تستوجب النظر والاجتهاد.. وكذا افتقارها لأي وعي بتعدد السياقات واختلافها وما يقتضيه ذلك من تنسيب للمواقف والأحكام، وكذا عجزها المزمن على إجراء التسويات والتوافقات اللازمة مع الذات ومع الآخر.

ولذلك فإن الحروب الأهلية والطائفية والمذهبية المستعرة في منطقتنا ما هي إلا نتيجة لعجز القوى الاجتماعية على بلورة التسويات والتوافقات اللازمة. فالشخص المتطرف هو من يمعن في رفض التسويات التي تمكن من العيش المشترك، وهو يعلم يقينا أن إمعانه هذا من شأنه أن يفضي إلى اندلاع حرب أهلية عمياء لا تبقي ولا تدر.

رابعا: استعادة الوعي ومقتضيات المسؤولية التاريخية والحضارية للأمة

لا دين للعنف ولا ملة له؛ فلا يوجد دين ولا ثقافة ولا حضارة عنيفة بشكل جوهري دونما سواها من الأديان والثقافات والحضارات؛ ففي الوقت الذي تفجرت فيه موجات من العنف في أمريكا اللاتينية، وفي إفريقيا وآسيا، وبينما كادت المنظمات الإرهابية أن تقتصر على أوروبا واليابان، على مدى عقود من القرن الماضي، لم يكن هناك من أثر لظاهرة “الإرهاب في العالمين العربي والإسلامي”[37]، إلى أن كاد الإرهاب أن يرتبط في العقدين الأخيرين بمنطقتنا العربية دون الإسلامية؛ بحيث يقل كثيرا في معظم الدول الإسلامية خارج المنطقة العربية.

 الأمر الذي يؤكد أن الظاهرة لا تعد نتيجة مباشرة للعقيدة الإسلامية وإنما نتيجة لاختلالات متراكمة منذ المرحلة الاستعمارية، ونتيجة لسياسات عمومية تفتقر للعقلانية والنجاعة والحكامة اللازمة، وإلا كيف تم الانتقال من رهان النخب الوطنية على معركة التحرر والتحديث إلى معركة التشبث بالهوية والخصوصية والخوف من التحولات الكونية؟[38].

فمع أن الأديان والثقافات الكلاسيكية الكبرى تقوم كلها على نصاب لا ينكر من العنف، إلا أنها تنـزع جميعها إلى التشديد على قيم التعارف والتعاون والتسامح والسلام والرحمة بين الخلق. والأمر نفسه ينطبق على الثقافة والحضارة الحديثة؛ فبينما نجدها تنظر للحرب، وتطور صناعتها العسكرية، وتبلور أكثر استراتيجياتها عقلنة ونجاعة، وتبني جيوشا بالغة البأس والتطور لدرجة اختراعها لسلاح الدمار الشامل الذي أفرغ أو كاد أن يفرغ الحرب التقليدية من مضمونها، خاصة بين القوى العسكرية العظمى ممن تمتلك هذا السلاح الذي أصبحت له قوة ردعية ضاربة كرست ما بات يسمى في العلاقات الدولية بتوازن الرعب، الأمر الذي جعلها تخوض حروبا بالوكالة، وتزج بمعظم دول العالم النامي في سباق جنوني نحو التسلح لخوض صراعات جلها إن لم تكن كلها من مخلفات التقسيم الاستعماري الاعتباطي، بل والممنهج للحدود، في تعارض صارخ مع أولوياتها التنموية..

فبينما نجدها تفعل كل ذلك، نجدها في المقابل، سواء من خلال سياساتها الوطنية أو سياساتها ضمن المنتظم الدولي من خلال هيئة الأمم المتحدة، تدافع عن القانون الدولي الإنساني والحريات العامة وحقوق الإنسان وما يتصل بها من قيم سياسية وحضارية حديثة في الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة،كما تنادي بإضفاء الطابع الكوني عليها بحيث يستفيد منها جميع البشر دونما تمييز.

وهكذا تترسخ هذه الازدواجية/المفارقة في الحضارة الحديثة مثلما نجدها بادية في الديانات والحضارات القديمة المنبثقة عنها.. فرغم أن قوى التطرف والتشدد حاولت عبر التاريخ اختطاف الدين والحقيقة الدينية، وحرفه عن حقيقته وروحه ومقاصده الكلية، إلا أن الأصل في الدين أنه يسعى إلى ما فيه خير الناس وسعادتهم وصلاحهم رأفة ورحمة بهم، والأصل أن الأديان التوحيدية تحث على قيم الحب والتسامح والاحترام والتعاون والأمل، ورعاية القوي للضعيف والعدل في التعامل معه والإحسان إليه، وتسعى إلى إرساء أسس مجتمعات قائمة على العدالة والحرية والمساواة والإنصاف والتعايش والتعاون[39].

فمثلما أن هناك قابليات ذاتية للاستعمار والتخلف والعنف، وهو ما يؤكد مسؤوليتنا الجماعية على ما آلت إليه أوضاعنا بدرجات متفاوتة من تدهور، فهناك مسؤولية خارجية تقع على القوى الدولية الغربية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى بنية النظام الدولي القائم على الكيل بأكثر من مكيال. بدليل أن العنف الصادر من منطقتنا لم يستهدف قوى دولية كبرى كالصين، والهند ودول أمريكا اللاتينية[40].

وبالتالي فهذا العنف، دون السعي إلى تبريره وإضفاء الشرعية عليه، لا يمكن تفسيره بكراهية الأجانب مطلق الأجانب، بدليل أنه يستهدف القوى الغربية الكبرى دون سواها بدعوى تورطها ليس في استعمار العالم العربي وتجزئته فحسب، وإنما بإجهاض محاولات نهوضه وتقدمه، ودعمها لمغتصب مقدساته؛ إسرائيل، وتضييقها على الحرية الدينية لمسلميه في دياره[41].

وسعيا لترشيد هذا العنف الأهوج الذي عمق أزماتنا، وأسهم في المزيد من التبديد لثرواتنا وخيراتنا ومقدراتنا، وجعلنا أكثر عرضة لاختراقات أعدائنا، يتعين بلورة وعي حضاري يميز بين الغرب كسياسات محكومة بمنطق المصلحة وموازين القوى[42]، لا يمكن مواجهتها إلا بسياسات عقلانية وناجعة تدافع على مصالحنا ومقدراتنا متضامنين، وبين الغرب كثقافة وحضارة وشعوب محبة للسلام.

كما ينطلق من حقيقة أن استعادة الكرامة والعزة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الانفتاح على العالم والاستفادة من خبراته وتجاربه لا معاداته، وإلا من خلال الأخذ بأسباب العلم والمعرفة والحضارة والإنتاج..

كما يتعين إقناع القوى الغربية أن مواجهة العنف والإرهاب لا يمكن أن تتحقق من خلال تكريس العوامل والأسباب التي أنتجته، وإنما من خلال السعي لإزالة الأسباب التي ولدته ولا زالت تغذيه. وذلك بإعادة الاعتبار لمنظومة التعاون الاقتصادي والسياسي الدولي على المستوى الأممي وتفعيلها بعد إصلاحها وجعلها أكثر فاعلية وعدالة. والحرص على عدم الوقوع في ازدواجية القول والفعل، والركون إلى تكريس منطق الغلبة والقوة الغاشمة، ذلك أن القوة الحضارية حينما تصبح مجردة من العدالة تغدو قوة وحشية غاشمة تفتقر إلى القيمة والمعنى والرمزية. ولن يتحقق ذلك إلا بوفاء الغرب لمنظومة قيمه التي يريد لها أن تصطبغ بصبغة الكونية.

وفي هذا السياق من المهم تعزيز أواصر التعاون والتواصل الإعلامي والثقافي والمعرفي مع القوى الغربية الديمقراطية الحية المحبة للسلام العالمي، والمؤمنة بالقانون الدولي والتضامن الإنساني للتأثير إيجابيا على سياسات بلدانها الموجهة إلى عالمنا والمتصلة بمصالحنا الحيوية..والحد من آثارها السلبية على مستقبل شعوبنا.

والعمل على بلورة مشاريع ثقافية وتربوية تحمي الأفراد من واقع العزلة التي تفرضها الثورة المعلوماتية في ظل العولمة، وتجعلهم يعيشون فرادى منعزلين ومنطوين على أنفسهم أمام الشاشات الإلكترونية معرضين لكل مخاطر الاستقطاب والتجنيد والتوظيف الإيديولوجي والسياسي من طرف القوى المتطرفة، والتأكيد على حقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يحيا حياة طبيعية وسليمة إلا بنجاحه في بناء جسور التواصل مع الآخرين، وحرصه على التفاهم والتعاون معهم..

ووجه المفارقة والخطورة، هاهنا، أن وسائل التواصل الجديدة في المجتمعات التي لم تنجح في استيعاب الحداثة، بينما تعمل على تقويض لحمة النسيج الاجتماعي القديم لا تعمل على استحداث نسيج اجتماعي جديد، بقدر ما تمعن في الزج بحشود الأفراد نحو الفراغ والعدمية والفوضى. وهكذا فإن هذه الثورة المعلوماتية بدل أن تعزز استقلال الفرد ووعيه بذاته وبانتمائه لجماعته وأمته وقدرته على التواصل البناء معها، فإنها تكرس استلابه وتزعزع انتماءه[43].. وهو أمر خطير وجب الوعي به والعمل على تلافيه من خلال سياسيات تعليمية وتربوية وثقافية وتنموية مندمجة وهادفة.

ومعلوم أن القوى المتطرفة والإرهابية عادة ما تنجح في استقطاب شريحة من ذوي النفوس الطيبة الحساسة لكل مظاهر الظلم والاستغلال والحط من الكرامة الإنسانية، بعد أن تكرس لديهم الشعور العميق بالعبث وانعدام الأمل في التغيير والإصلاح، فتهيؤهم من الناحية النفسية إلى الإيمان بأنه لا مجال لتجاوز هذا الواقع الفاسد والظالم إلا بالتمرد عليه ونبذه من خلال التضحية بالنفس؛ حيث يبدو «الموت» مصدرا للقيمة والمعنى ومبررا للحياة الحقيقية عبر التضحية والفداء والاستشهاد.

الأمر الذي يستدعي العمل على إشباع هذه الحاجة بطريقة إيجابية وبانية، والتوعية التربوية والثقافية والفكرية بذلك. وإعادة بناء الثقافة العربية الإسلامي كثقافة إنسانية، وتجديد الفكر الإسلامي على أسس كونية تصدر عن روح الدين ومنظومة قيمه ومقاصده الكلية في انفتاحها الراشد على الكسب الكوني النافع. والارتقاء بالولاءات من الولاءات الأولية ما قبل الحديثة إلى الولاءات الحديثة المتشبعة بالنظام الدستوري الحديث القائم على سيادة الأمة في تدبير شؤونها العامة بمقتضى الأمر بالشورى، وسمو القانون، ومبدأ التمثيل الشوري، والنظام المؤسسي الديمقراطي، ومبدأ التداول السلمي على السلطة القائم على مبدأ التعددية وحق الاختلاف في إطار الثوابت الدستورية التي ارتضتها الأمة والجماعة.

ولن يتم ذلك إلا بتجديد عميق لمنظوماتنا التعليمية والتربوية الدينية والمدنية، تطويرا للمهارات والخبرات والمعارف، وإعادة بناء وتأهيل للشخصية المسلمة كذات إنسانية حرة مستقلة ومبدعة، إذ لا سبيل للخروج من الأزمة البنيوية والمركبة التي تخترق أمتنا إلا بإشاعة الوعي الثقافي والفكري بضرورة النهوض بثورة إصلاحية حقيقية تطال مختلف مظاهر الوجود الاجتماعي في الدين والثقافة والتعليم والتربية والعلم والأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع والعمران.. والعمل على تحقيق ذلك في إطار من التوافق والتعاقد المستأنف بين مختلف مكونات الجماعة الوطنية، كما أسست لذلك وأصلت له صحيفة المدينة التي كانت بمثابة النظام الدستوري لدولة المدينة.

لا يمكن تفسير ظاهرة العنف كنتيجة طبيعية ومباشرة لتراث يدعوا إلى العنف ويستبطن قيم العنف، كما لا يمكن النظر إلى هذا العنف كتجلي لهوية إسلامية مخصوصة كما تستسهل ذلك العديد من التحليلات الغربية التي تتجاهل التمييز بين المعياري والتاريخي في الحكم على الشعوب[44].

فما يتعين الاهتمام به ومعرفته هو ما الذي جعل القوى المتطرفة تقرأ ترثها ودينها وتأوله تأويلا عنيفا؟ ذلك أن الحاجة التاريخية؛ السياسية والاجتماعية إلى العنف سابقة على الحاجة إلى أي تأويل عنيف للتراث أو الدين. فرغم الأهمية القصوى لكشف تهافت التأويلات المتطرفة المغرضة والخاطئة للتراث والدين وتفكيك خطابها، وكيف أسهمت في إفراغ الحقيقة الدينية من جوهرها، وزجت بالدين في صراعات ورهانات أفقرت أثره في نفوس الكثير من الناس و أثره في حياتهم ومعاشهم، وأحالته من عامل وحدة وقوة وعزة إلى عامل احتراب وضعف وهوان، إلا أن الأهم من ذلك يتمثل في البحث، في ما وراء الدين والتراث وسائر التأويلات، عن الأسباب الموضوعية؛ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الوطنية والدولية، التي تفسر الحاجة إلى العنف والرهان عليه، وبالتالي إلى التأويل العنيف للدين من طرف أقلية اختطفت الدين من الأمة والجماعة.

وبالتالي فإن كرامة الأمة وعزتها ونهضتها وتقدمها الحضاري لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادتها الجماعية في التحام وتعاقد متجدد بين مختلف مكوناتها حكامها ومحكوميها، في تحرر تدريجي من كل الوصايات والاختراقات والإكراهات. الأمر الذي يستلزم إعادة الروح والجدوى والفاعلية لمؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وإعادة الثقة وإشاعة الأمل ونبذ روح العداوة والانقسام والغوغائية بين شعوبنا وحكامنا، واستعادة الوعي برسالتنا الحضارية التي تتجاوز في قيمتها كل الحسابات السياسوية الضيقة. فالتاريخ لا يعترف إلا بالكبار؛ “الكبار” في مواقفهم ومبادئهم ورهاناتهم وتطلعاتهم وأحلامهم.

وبالموازاة مع ذلك يتعين العمل على صياغة مشاريع ثقافية وفكرية تجرد إيديولوجيا العنف والتطرف والإرهاب من أي شرعية أو مشروعية، وتكشف انحرافها عن روح الدين ومقاصده السامية مهما كانت شعاراتها المعلنة؛ لأن الذي يعطي لإيديولوجيا العنف والتطرف زخمها وتأثيرها إنما هو قدرتها على إعادة إنتاج نفسها على مستوى الوعي والمخيال والإيديولوجيا كفعل مشروع وحاسم للتحرر والكرامة والانعتاق والخلاص الموهوم. وهو ما يستدعي عودة قوية للعمل التثقيفي والفكري والتربوي المستلهم لروح الدين ومقاصده الكونية في انفتاح راشد على الكسب الإنساني، خاصة في صفوف الشباب.

خامسا: في الحاجة إلى فك الارتباط بين الهوية والعنف

 لا يمكن فهم الهوية أو الذاتية إلا بفهم الذات التي لا تعد ماهية ثابتة وإنما هي وعي وفاعلية وإرادة وذاكرة. وبقدر ما تعترف هذه الذات بتناقضاتها وتستوعبها، تستطيع أن تتجاوزها؛ أي أن تصل إلى ربط التراث بالحداثة والماضي بالحاضر والأنا بالآخر، وتحقق هذا الربط في الواقع وفي الحياة. غير أن هذا الربط ليس معطى نظريا ولا فكريا، وإنما هو هدف ومطلب لا يتحقق إلا بالمجاهدة والتدافع؛ مجاهدة للنفس حتى تتفجر إمكاناتها وقواها الإبداعية، وتدافع من أجل تأكيد الوجود أمام الآخر والسيطرة على الحضارة وتمثلها.

فالذاتية، انسجاما مع هذا التصور، تبنى عند الفرد كما عند الجماعة بقدر ما تنجح في الربط بين التراث الذي يشكل رأسمالها التاريخي الخاص، وموطن سرها ومقر تراكماتها الروحية والمادية من جهة، والحضارة التي يشكل استيعاب معطياتها وتقنياتها مقصد كل جماعة حية منتجة وفاعلة في التاريخ[45].

 لا ريب أن تسييس الهويات واختزالها في هوية واحدة وأحادية يعزز الاحتقان والارتياب والتوجس والاصطفاف كمقدمة للصدام والاحتراب؛ فمقابل غنى تعدد دوائر الانتماء وتكاملها واغتناء بعضها بالبعض الآخر في كنف الوحدة الإنسانية الجامعة، فإن تغذية العنف الجماعي عادة ما تتم من خلال مصادرة سائر الانتماءات لمصلحة انتماء مهيمن واحد. على غرار ما حدث في الحرب العالمية الأولى من دمار خلف مآسي إنسانية غائرة بفعل الشوفينية القومية الطاغية في تجاهل عبثي لمختلف دوائر الانتماء المشتركة بين الشعوب الأوروبية[46].

ورغم أن “التفسير الحضاري للعنف العالمي” حاول أن يتجاوز دائرة الانتماء القومي، إلا أنه ظل رهينا لـ”واحدية الانتماء والهوية” من خلال إمعانه في النظر إلى البشر كمجموعات منفكة ومتصارعة بشكل جوهري، تتحدد كل منها بحضارة أو دين مخصوص.

 وفي هذا السياق يبرز “صامويل هانتينغتن” في سياق بسطه لفرضية”إعادة التشكيل الثقافي للسياسة الكونية” كيف أن “الحدود السياسية يعاد رسمها لكي تتوافق مع الحدود الثقافية؛ العرقية والدينية والحضارية”، بحيث أن “المجتمعات الثقافية تحل محل تكتلات الحرب الباردة، وخطوط التقسيم بين الحضارات تصبح هي خطوط الصراع الرئيسية في السياسة العالمية”، وكيف أن الهوية الثقافية أصبحت في العالم الجديد هي العامل الرئيسي في تحديد صداقات الدول وعداواتها. وكيف أن “البعد الرئيسي والأكثر خطورة في السياسة الكونية الناشئة، سوف يكون الصدام بين جماعات من حضارات مختلفة”[47].

بينما يمكن الإفادة من الهويات الدينية بكيفية إيجابية عبر اشتقاق مدونات أخلاقية من نصوصها التأسيسية، فإن إعطاء الهويات الدينية وزنا يفوق الهويات السياسية والاجتماعية من شأنه أن يهدد بإضعاف فاعلية وحيوية وتماسك المجتمع المدني[48].

لقد أوضح “أمارتيا سن” كيف أسهم المضمون الاجتماعي لتشكيل الهويات الذي تبناه اليسار في الجزء الهندي من البنغال، بشكل ملحوظ، في الحد من العنف المبني على التقسيم الديني والتناقضات المجتمعية المترتبة عليه. كما أوضح بالمقابل كيف أن المشترك الهوياتي القائم على عوامل؛ اللغة، والأدب والموسيقى التي توحد المسلمين والهندوس ولا تسهم في تقسيمهم إلى معسكرين متناحرين شكل صمام الأمان دون احترابهم[49]، بفعل إخلاصهم للأساس التصوري للحياة المشتركة[50].

وبالتالي فمن العوامل المؤدية إلى العنف اختصار الهويات المتعددة في هوية واحدة. وليس صعبا أن نرى كيف يسهم ذلك على رسم خطوط المعارك الممكنة. وفي حالة العنف الطائفي الممنهج والمنظم، يصبح هذا العامل محوريا لتمكين القادة من حشد المؤيدين بدعوى استهداف عدو مشترك واحد[51].

سادسا: في الحاجة إلى فك الارتباط بين الأصولية والعنف

يتحدد مفهوم الأصولية، في السياق التداولي الغربي، بأمرين اثنين: أولهما؛ أن العنف يمثل الوسيلة الوحيدة للتغيير، وثانيهما؛ النـزوع إلى إقصاء وإلغاء الآخر المخالف. كما يشير إلى الافتقار إلى المرونة والانفتاح والاعتدال في التعامل، والافتقار إلى العقلانية والتدبر في النظر إلى الأمور. فالأصولي، تبعا لذلك، هو الشخص المحافظ، المتصلب، الرافض للتطور والتكيف مع المتغيرات والقيم الحديثة، المتطرف، المتوسل بالقوة والعنف لإنفاذ ما يؤمن به.

 وكلا الأمرين لا ينطبقان معياريا على الإسلام؛ فهو بالأصالة؛ دين رفق ورحمة ومحبة وسلام، ودين غيرية ومآخاة وتعاون على البر والإحسان، ودين تعارف وحوار. فالعنف أو بالأحرى استعمال القوة الشرعية في الإسلام يعد بمثابة العملية الجراحية التي لا يتم اللجوء إليها إلا بعد استنفاد كل الوسائل السلمية.

ذلك أن الأصل في معمار القيم الإسلامية هو الرحمة المحفوفة بالرفق؛ الرفق في تقدير الأمور، والرفق في تدبيرها وتعقلها، والرفق لطفا ورحمة بالخلق والمخلوقات في الكون. والاستثناء هو العنف، بما هو استعمال مقدر للقوة دفاعا عن النفس والعقيدة والكيان، أو ردا للظلم والجبروت والعدوان والطغيان.

وسواء أحالت الأصولية في السياق المسيحي/الغربي إلى ممانعة فكرية ونفسية لدى بعض الكاثوليكيين للتكيف مع معطيات ومتغيرات الحياة الحديثة، أو إلى نـزوع بروتستانتي للإيمان بالعصمة الحرفية لكل كلمة في «الكتاب المقدس» بزعم التلقي المباشر عن الله، عز وجل، وما ينتج عن ذلك من معاداة للعقل والنظر العلمي وتوسل باستخدام القوة والعنف لفرض هذه المعتقدات الفاسدة، فإن ما يعنينا، هاهنا، أن هذان المفهومان قد نقلا على غرار مصطلحات أخرى مثل “التمامية” (Intégrisme)، والتطرف (Extrémisme) والإرهاب (Terrorisme) إلى المجال الثقافي العربي الإسلامي كي يصبح موسوما بكل إيحاءاتها السلبية كل منتسب لهذا الدين. ومن هنا نحتت وسائل الإعلام الغربية مصطلح “الإسلامية” (L’islamisme) كي يصبح متماهيا مع المصطلحات المذكورة[52].

ومع ذلك، فإن مصطلح “أصولية” ليس غريبا عن حقل اللغة العربية ولا عن حقل العلوم الإسلامية، بل هو أصيل فيها ووليد شرعي لها. والمستقرئ للمعاجم العربية ولاستعمال القرآن الكريم والحديث النبوي لا يكاد يعثر على الدلالات التي يحملها المصطلح في الفكر الغربي أو في الترجمة العربية لمصطلحات من قبيل (Intégrisme) و(Fondamentalisme)[53].

فالأصولية في السياق التداولي العربي الإسلامي تحيل أولا إلى الانطلاق من الأصول العقدية والفقهية والمفاهيمية، كما هي في النصوص التأسيسية كتابا مجيدا وسنة نبوية صحيحة. كما تحيل، في مجال العلوم الإسلامية، إلى علم قائم الذات هو علم الأصول الذي يعد بمثابة العلم التأسيسي الذي يمكن من عملية الفهم السليم للنص الديني واستنباط أحكامه الشرعية وفق قواعد علمية، ثم استنباطها من خلال الاستقراء والقراءة المقاصدية للشريعة الإسلامية. فعلم الأصول، بهذا المعنى، هو العلم الذي يضع المناهج التي تمكن الفقيه من استخراج الأحكام من أدلتها التفصيلية. إنه بالنسبة للفقه بمثابة المنطق بالنسبة لسائر العلوم الفلسفية، ومثل النحو بالنسبة لعلوم اللغة العربية.

وتبعا لذلك، فإن الذين عنوا بهذا العلم من المفكرين المسلمين هم الذين يعرفون في المجال الثقافي الإسلامي بالأصوليين. إن الأصولي هو العالم المشتغل بوضع المناهج والضوابط واستخراج القواعد الكلية عن طريق استقراء الأدلة المختلفة؛ حيث يضع ثمرة جهده للفقيه كي يوظفها في استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.

فإذا كانت الأصولية تتحدد، في المفهوم الغربي، كما سلفت الإشارة، من خلال بعدين أساسيين تربطهما علاقة وظيفية قوية؛ بعد النـزوع إلى إلغاء الآخر، وبعد اعتماد العنف أساسا في حل الخلافات الفكرية والسياسية والاجتماعية[54]، فإن القرآن الكريم، انسجاما مع مقام التكريم الذي خص به بني آدم، مطلق بني آدم: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا..”، يقر بالوجود الحر والمستقل للآخر، ويدعو للحوار والتعاون معه. سواء تعلق الأمر بأهل الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (آل عمران: 63)، أو تعلق حتى بالمشركين والكفار؛ فقد اعترف لهم القرآن المجيد بشرعية الوجود معتمدا الحوار سبيلا للتعامل معهم: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 110).

ولذلك فإن العنف، وإن كان ملازما لطبيعة ومنطق التطور التاريخي والحضاري الإنساني،إلا أن الإسلام لا يلجأ إليه إلا على سبيل الضرورة، بعدما يتم استنفاذ كل إمكانيات الحوار والدفع بالتي هي أحسن مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 33).

إن خَلق “الدفع بالتي هي أحسن” يرتقي في المعيارية القرآنية إلى مستوى الفلسفة الإنسانية والسلوك الحضاري في التعامل مع الغير، ويتم التمسك به حتى في حالة الصراع الناتج عن مشاكل فعلية في دنيا الناس. والمغزى الإنساني العميق لهذه الفلسفة هو السعي إلى تحويل العدو إلى صديق، بل وإلى ولي حميم. وهو ما يجعلنا نخلص إلى أن الإسلام يعتبر “الصداقة والأخوة الإنسانية” مقصدا كليا من مقاصد الدين حتى في خضم التدافع الإنساني وما يمكن أن تنتج عنه من عداوات.

 ضمن هذا المنظور، فإن الجهاد في المرجعية الإسلامية لا يستبطن أية دلالة عدوانية تسعى إلى النيل من حرية الإنسان والحط من كرامته بأي معنى من المعاني، وإنما يعبر عن فعل وقائي لدفع العدوان دفاعا عن الذات في إطار المشروعية، ورفعا للظلم عن الإنسان مطلق الإنسان[55].

فضلا عن أن دلالته تنصرف، في الأغلب الأعم، إلى بدل الوسع في شتى مظاهر الفعل المدني والحضاري علما وكسبا وتأسيا وعمرانا؛ بحيث يضيق حيز القتال الشرعي في فعالية الجهاد، معياريا، إلى أبعد الحدود، وتمتد دائرته الحضارية وتتسع إلى أبعد الحدود..

وحتى ضمن هذه الدائرة الضيقة للدلالة القتالية للجهاد؛ فإن الإسلام يرفض إرهاب المدنيين، ويمقت قتل الأبرياء، ويدين الاعتداء على الناس استجابة للأمر الرباني: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة: 189).

ومن مصادر التطرف حلول المذهبية محل الإسلام. وحتى لا تجور هذه المذهبية وتحتل موقع الإسلام في حياتنا، يتعين التمييز بين ضربين من المذهبية؛ مذهبية طائفية ومذهبية علمية فكرية، فالمذهبية الفكرية باندراجها ضمن فعالية الاجتهاد، تمثل غنى للإسلام؛ بحيث تتبلور لدينا مذاهب فقهية بمثابة اجتهادات لفهم الإسلام في سياقاته المتغيرة؛ دراسة وتفكرا وحوارا يعزز التقارب الإنساني ويوثق أواصر الوحدة الإسلامية.

ذلك أن من يلتزم بمقتضيات النظر العقلي المقاصدي الموضوعي المنفتح يكون بمنأى عن التعصب، خلافا لمن يصدر عن نـزعة طائفية منغلقة تفتقر إلى عمق المعرفة في رحابتها وامتدادها.

 لا ريب أن للفكر والثقافة أهمية قصوى في محاربة شتى مظاهر الانغلاق والتعصب، وذلك استلهاما لروح الحوارية القرآنية في أبعادها الموضوعية التصورية والعقلانية، وفي انفتاحها على المعرفة بعيدا عن كل المسبقات والعصبيات المذهبية: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36).

وهي العصبيات التي لم تخلق معنا وإنما ورثناها فيما يرث الناس من عصبيات، أو اخترناها فيما يختار الناس من مذاهب؛ فهي ليست شيئا ذاتيا أصيلا فينا، بحيث أن الخروج عنه يعد خروجا عن ذواتنا، وإنما هي مجرد تراث إنساني ورثناه أو فكر اخترناه. وبالتالي فلا معنى لإصرارنا وإمعاننا في الجمود والانغلاق غير مستعدين لمحاورة الآخر ومجادلته بالتي هي أحسن.

ومع أن كل مسلم محب لخلق الله ومخلوقاته في أرضه، يتشوف إلى أن تعم منظومة قيم الإسلام الكونية العالمين؛ رحمة وهداية وتكريما لهم، إلا أن ذلك يتعين أن يتم، استلهاما لمراد الله، قناعة واختيارا وحسنى، لا قسرا ولا كرها.

وفي هذا السياق تميز الأدبيات الإسلامية المعاصرة بين الإكراه في الدين، وبين حرص الدولة الإسلامية على تعهد من أسلموا حتى يظلوا ثابتين على إسلامهم في مواجهة شتى الضغوط التي تسعى لحرفهم عن إيمانهم، وبوجه خاص، في صدر الإسلام وبداية الدعوة الإسلامية، وهو ما يندرج ضمن التدابير والإجراءات الكفيلة بحفظ النظام العام، وهو ما يسري على كل كيان اجتماعي يسعى لإرساء أسسه.

وفيما وراء التعدد والتنوع والاختلاف الإنساني يراهن التصور الإسلامي على الرابطة الإنسانية التي تنتظم تنوعات الناس واختلافاتهم في وحدة يلتقون عليها ويتكاملون في كنفها؛ بحيث لا يمثل التنوع تباينا، بل يمثل تكاملا في الخصوصيات التي تتضافر وتتآزر من أجل الإعمار والتكامل الإنساني. وهو ما عبر عنه القرآن المجيد بجمعه الرفيع بين وحدة أصل الخلق، وتنوع عناصر ومفردات الوجود الإنساني مصداقا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

ليمثل التنوع، بذلك، الوسيلة الفضلى للتعارف الناتج عن التفاعل الإنساني، بحيث إذا كان الإسلام يراهن على العلاقات الإنسانية في دائرة ما جرى التعبير عنه بـ”دائرة التعارف الحيوي”، فإنه يشدد على الجانب الحركي من هذه العلاقة داعيا المؤمنين والمؤمنات إلى التعاون على البر والتقوى، تعزيزا لقيم العدل والسلم والتراحم[56].

يمثل اعتماد التعددية الثقافية[57] دستوريا وقانونيا، وتمثلها والوعي بها ثقافيا، صمام أمان لمواجهة تحدي تدبير التنوع الثقافي تلافيا للعنف المعمم. ذلك أن التنوع الثقافي إذا لم يتم تكييفه وعقلنته وتنظيمه من خلال سياسات للتعددية الثقافية سوف يشكل تحديا للتنظيمات الديمقراطية الحديثة؛ للتعددية، والمواطنة والتماسك الاجتماعي، فضلا عن الاستقرار والسلم والأمن بين الأمم.

سابعا: من البحث عن المعنى  إلى البحث عن الاعتراف

عادة ما يتم ربط ظاهرة التطرف بعوامل الحرمان واليأس والإحباط. والحاصل أن محددات الحرمان واليأس والإحباط لا يمكن اختزالها في عوامل اقتصادية وأوضاع اجتماعية مزرية، أوضاع الفقر والفاقة فحسب؛ فمشاعر الحرمان واليأس والإحباط غالبا ما تجد تفسيرها، إلى جانب ذلك، في اعتبارات معنوية ورمزية ذات صلة بقضايا الهوية الذاتية والجماعية، والقلق الوجودي وما يتصل به من بحث مؤرق عن المعنى وعن الاعتراف.

ومفهوم الاعتراف وفقا للفلسفة المثالية يشير إلى حقيقة أن الإنسان، بالإضافة إلى كونه حيوانا بيولوجيا له احتياجات طبيعية مادية، فإن له كرامة إنسانية ودرجة من الاستقلال والخصوصية، بالنظر إلى الكائنات الأخرى. وبمقتضى هذه الفلسفة؛ فإن جميع ظواهر التاريخ الأساسية لا تحركها الاعتبارات الاقتصادية والمادية فحسب، وإنما يحركها، أكثر من ذلك، النضال من أجل الاعتراف.

فالإنسان يحرص على الاعتراف به بوصفه كائنا إنسانيا يتمتع بكينونة وكرامة. وهي الكرامة التي يمكن التدليل عليها، بالدرجة الأولى، من خلال استعداده لتعريض حياته للخطر في سعيه لخوض صراع ملحمي من أجل الاعتراف به فحسب، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتمتع بالقدرة على تجاوز غرائزه الحيوانية الخالصة، وفي مقدمتها غريزة البقاء، من أجل الالتزام بمبادئ وقيم وأهداف أسمى تضفي المعنى على حياته ووجوده في هذا العالم.

وانسجاما مع هذا التصور الهيغلي، فإن الرغبة في نيل الاعتراف هي التي قادت أول خصمين متصارعين إلى السعي المتبادل كي يعترف أحدهما بطبيعة الكينونة الإنسانية لخصمه من خلال تعريض حياتهما لخطر محقق وهما يخوضان صراعا مميتا من أجل إثبات الذات. وعندما يفضي الخوف الطبيعي من الموت بأحد المتصارعين إلى الخضوع والاستسلام، تنشأ حينذاك علاقة السيد والعبد.

إن دوافع هذه المعركة الدامية منذ فجر التاريخ، لا تكمن في الغذاء ولا المأوى ولا الأمن رغم أهميتها القصوى، وإنما، بشكل أساسي، في البحث عن التقدير والاعتراف، وهو ما جعل هيغل يرى فيه النور الأول للحرية الإنسانية؛ ذلك أن النـزوع إلى شحن الأنا بقيمة معينة، وإلى طلب الاعتراف بهذه القيمة يتوافق مع ما يتم تسميته في اللغة الجارية بـ”احترام الذات”[58].

ذلك أن النـزوع لاحترام الذات يولد من هذا الجزء في الكائن الذي يسميه أفلاطون “تيموس”[59]، فهو يمثل بالنسبة للإنسان نوعا من الإحساس الفطري بالعدالة؛ فكلما اعتقد الناس أن لهم قيمة معينة وعاملهم الآخرون وكأن قيمتهم أقل من ذلك؛ يشعرون بانفعال الغضب. وبالمقابل عندما لا يرتقي الناس بحياتهم إلى مستوى ما يؤمنون به من قيم ومثل، فإنهم يشعرون بالخجل، وأخيرا عندما يُقَيَّمُون بشكل صحيح وعادل يتناسب مع قيمتهم فإنهم يشعرون بالاعتزاز، وهكذا فإن رغبة الاعتراف والانفعالات التي ترافقها، الغضب والخجل والاعتزاز، تشكل جزءا لا يتجزأ من الحياة الإنسانية[60].

وهو ما يستدعي إيلاء خطابنا ومشاريعنا واستراتيجياتنا الثقافية لهذا البعد الجوهري في الحياة الإنسانية ما يستحقه من اهتمام وتعهد، والعمل على تثمير وتنمية أبعاده الإيجابية البانية والحد من مضاعفات أبعاده السلبية المدمرة.

ثامنا: بعض منطلقات المعالجة الثقافية للعنف والتطرف

لقد كانت العصبية القبلية، والعشائرية والطائفية، بما هي اندماج للفرد في جماعته واتباعه لها دونما استقلالية، ودونما نقاش ولا تفكير، تمثل أساس الاجتماع وشرطه الرئيسي قبل تجربة دولة المدينة، وبعد الارتداد على روحها ومقاصد نموذجها الراشد القائم على الإرادة الحرة في اختيار الاجتماع السياسي عبر التعاقد. حيث كانت السلطة المتوسلة بالعنف مرتبطة بالعصبية الأقوى شوكة، والأقدر على توفير وسائل القوة والمنعة.

وقد جاء الكسب الإنساني في التنظيم السياسي الحديث في انسجام مع روح صحيفة المدينة التعاقدي، وهو ما جعل مقاصده القائمة على القيم السياسية الحديثة تتماهى مع مقاصد الشريعة في تأسيس نظام الحكم وتدبير شؤون الجماعة على مبدأ التعاقد الحر وسلطان الشريعة والقانون بعيدا عن أي ضرب من أضرب العنف والإكراه.

وذلك عبر تعميق الثقافة السياسية الحديثة القائمة على التعاقد الدستوري الحر، وسيادة الأمة، وسمو القانون وسريانه على الجميع دونما تمييز، والفصل بين السلطات والتعاون الوظيفي بينها، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية، ومبدأ التداول السلمي على السلطة الذي بفضله تجاوزت أوروبا حالة الاحتراب المدمرة الناتجة عن ارتباط الممارسة السياسية تاريخيا بالعصبيات الدينية والعرقية والقبلية والطائفية والمذهبية.. سعيا لعقلنة الصراع والتدافع السياسي، والارتقاء به من عامل تدمير وهدم إلى عامل بناء وتطور.

ـ إشاعة الوعي بالتمييز بين منطق الدعوة ومنطق السياسة، وعدم الخلط بينهما.

ـ تجاوز النـزعة الوثوقية وادعاء امتلاك الحقيقة.

ـ التمييز بين توقيفية عالم الغيب وقطعيات الدين، وتوفيقية عالم الشهادة وموازنات السياسة وترجيحاتها المصلحية.

ـ التأكيد على قيم الغيرية والاختلاف[61].

ـ إشاعة الوعي بأن مساحة العفو فيما يتصل بالنظرية السياسة المستلهمة للمرجعية الإسلامية بالغة الاتساع، وهو ما يجعل النظر في تدبير الشأن العام للجماعة الوطنية والأمة موكول إلى اجتهادها العقلي وإجماعها وشوراها استلهاما لمنظومة قيمها القرآنية الحاكمة وانفتاحا على الكسب الكوني لما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد بعيد عن منطق العصبية العنيف.

ـ إشاعة الوعي بأن الإرهاب لا يتفجر بسبب الأزمة الاقتصادية والفكرية مهما كان عمقها، فحسب، وإنما بفعل الإدارة والتدبير السيئ للأزمة. وهو ما يقتضي إيلاء العناية اللازمة لعلم تدبير الأزمات وتكييفها.

ـ العمل على التمييز بين النفاق، كنتيجة للتناقض معياريا بين القول والفعل على مستوى السلوك الفردي، وبين التناقضات والمفارقات والإكراهات الموضوعية التاريخية التي تفرضها مقتضيات تدبير الشؤون العامة للجماعة من تسويات وتوافقات وترجيحات بين المصالح المفاسد. وهو ما لا تستوعبه الإيديولوجيا التكفيرية المتطرفة التي تصدر عن رؤية تبسيطية للواقع، في حين أن الحقيقة الاجتماعية تتميز بالتناقض والتعقيد والتركيب.

ـ الوعي بأن الموقف الجذري المتطرف يتحدد أولا؛ بجذرية النهج المتبع في التغيير، كما يتحدد ثانيا؛ بجذرية الأهداف التي يسعى إلى تحقيقيها في ذهول تام عن المقاصد والسياقات والمآلات. كما يعد نتيجة مباشرة للعجز عن الجسر بين نظام التمثلات المعيارية المجردة في الذهن، وبين الواقع القائم بكل تناقضاته، الأمر الذي يفسر إمعان المتطرفين في استخدام أساليب العنف سعيا منهم إلى المماهاة المستحيلة بين المعياري/المثالي والواقعي/التاريخي.

ـ لقد أبرزت المدرسة النقدية (مدرسة فرانكفورت) بقوة حجاجية دامغة كيف أن المجتمعات الحديثة في ظل الحضارة المعاصرة بقدر ما حققت الكثير من الإنجازات، وأشبعت العديد من الرغبات والاحتياجات المادية، إلا أنها، للمفارقة، عملت في نفس الآن على تقويض الأسس النفسية والمعنوية للوجود الإنساني، وجعلت الإنسان المعاصر يعاني من أزمة وجودية حقيقية تمثلت، أول ما تمثلت، في غياب المعنى والغاية من الحياة. وهو ما شكل مصدر توتر نفسي فردي وجماعي عميق، وعمل على تعزيز الظروف الباعثة على التطرف والعنف..

الهوامش

[1] . حنة أرندت، “أسس التوتاليتارية”، ترجمة أنطوان أبو زيد، لندن/بيروت: دار الساقي، ط1، 1993، ص254.

[2] . المرجع نفسه، ص247.

[3]. أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، ترجمة: روز شوملي مصلح، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2016م، ص14-20.

[4] . انظر: أحمد عبادي، في تفكيك خطاب التطرف”، سلسلة الإسلام والسياق المعاصر، دفاتر تفكيك خطاب التطرف، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، 2017، ص32.

[5]. أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص38.

[6]. المصدر نفسه، ص15.

[7] . دوغلاس سي. نورث، جون جوزيف واليس، ستيفن بي. ويب (تحرير)، “في ظل العنف: السياسة والاقتصاد ومشكلات التنمية”، ترجمة كمال المصري، عالم المعرفة، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، العدد433/2016، ص405.

[8] . المرجع نفسه، ص12.

[9]. طه عبد الرحمن، سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية، بيروت: المؤسسة العربية للفكر والإبداع، ط1، م، ص10- 11.

[10]. المصدر نفسه، ص18.

[11]. عبد الرحمن بدوي، فلسفة القانون والسياسة عند هيجل، القاهرة: دار الشروق، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1996، ص69-91.

[12]. طه عبد الرحمن، سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية، م، س، ص40-41.

[13]. أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص79.

[14]. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك اغتصاب النساء في الحروب؛ فإلى جانب كون هذا الاغتصاب يمثل فعلا جسديا يستهدف إلحاق ألم نفسي وجسدي غائر بالنساء كذوات فردية، فإنه يشكل فعلا رمزيا يصدر عن الاعتقاد بكون النساء تجسدن الهوية الوطنية والثقافية، بحيث أن الاعتداء عليهن يمثل اعتداء وإهانة لهذه الهوية الجماعية. لذلك فإن العنف ضد النساء يروم تدنيس شرف وكرامة وعزة الجماعة ككل، ليس في الحاضر فحسب، وإنما في المستقبل كذلك؛ مادام مستقبل وجود الجماعة، يتحدد أول ما يتحدد، في أرحام النساء. انظر: أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص80.

[15]. طه عبد الرحمن، سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية، م، س، ص33.

[16]. أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص59.

[17]. أنطوان جارابون (Antoine Garapon)، الوظائف الطقسية للقضاء، ترجمة، حسن عبد الحميد، ضمن كتاب، ما الإنساني؟ إشراف إيف ميشو، المشروع القومي للترجمة، القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، ص205.

[18]. وهو ما أبرزه “إعلان الأخلاق العالمية”، أنظر: طه عبد الرحمن، سؤال العمل: بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم”، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء/ بيروت، ط1، 2012، ص111-142. انظر: عبد الله السيد ولد أباه، عالم ما بعد 11سبتمبر 2001: الإشكالات الفكرية والإستراتيجية، الدار العربية للعلوم، ط،1، 2004، ص65 وما بعدها.

[19] . عبد السلام طويل، “الدولة الوطنية وحدود الحق في احتكار العنف الشرعي”، مجلة السلم، منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، العدد الثاني، ديسمبر 2017   ( ص109-130 ).

[20]. وهو ما عبر عنه أفلاطون بالفضائل المدنية، التي تحيل إلى جملة القيم التي توجه الناس إلى الصالح العام، وتعد ضرورية لتأسيس مدنية تتحقق فيها العدالة والسلام. انظر: “أفلاطون: المدينة المدنية والمجتمع العادل”، ضمن كتاب، ستيفن ديلو، “التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني”، ترجمة، ربيع وهبه، مراجعة، علا أبو زيد، المشروع القومي للترجمة، العدد467، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2003، ص93 وما بعدها.

[21]. عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، الدار البيضاء: دار الآفاق، ط.2، 2001م، ص518.

[22]. دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة: منير السعيداني، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2007م، ص20.

[23]. المصدر نفسه، ص22.

[24]. مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة: عمر مسقاوي وعبد الصابور شاهين، دمشق: دار الفكر، ط4، 1987م.

[25]. مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة: عبد الصبور شاهين، دمشق: دار الفكر، ط.2، م1980، ص50.

[26]. المصدر نفسه، ص67.

[27]. المصدر نفسه، ص63.

[28]. المصدر نفسه، ص62 ـ 63.

[29]. عبد السلام طويل، قضايا ومفاهيم إشكالية في حقل التداول الإسلامي المعاصر، كتاب روافد، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطاع الشؤون الثقافية، دولة الكويت، ط1، 2016م، ص13.

[30]. المرجع نفسه، ص17.

[31]. علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة: محمد يوسف عدس،قسم الترجمة ـ مؤسسة بافاريا، بيروت: مؤسسة العلم الحديث، ط.1، (رجب 1414ﻫ/يناير1994م)، ص94-95.

[32]. مقابل هذا التمييز الفارق ذي المرجعية الألمانية بين الثقافة والحضارة من منطلق أن الحضارة تتضمن الآلات والتكنولوجيا والعوامل المادية، أما الثقافة فتشتمل على القيم والمثل والصفات الذهنية والفنية والأخلاقية الراقية في المجتمع، نجد أدبيات أخرى تكاد تماهي بين الثقافة والحضارة؛ من منطلق أن كلاهما يشير إلى نمط الحياة المميز لشعب من الشعوب، والمتمثل في جملة من “المعايير والقيم والمؤسسات وطرائق التفكير المخصوصة، كل ما هنالك أن الحضارة تعد بمثابة ثقافة على نطاق أوسع أو قل هي “الكيان الثقافي الأوسع”؛ وهو ما يجعل الفارق بينهما مجاليا وليس نوعيا.. انظر: صامويل هنتينغتون،”صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي”، ترجمة: طلعت الشايب، تقديم: صلاح قنصوة، سطور، القاهرة، 1998، ص68-71.

[33]. علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، م، س، ص96-100.

[34]. José Ortega y Gasset, La Révolte des masses, Bibliothèque classique de la liberté, éd. Les belles lettres, Paris, 2010.

[35]. علي عزت بيجوفيتش، الإسلام بين الشرق والغرب، م، س، ص105-106.

[36]. طه عبد الرحمن، سؤال العنف بين الائتمانية والحوارية، م، س، ص11.

[37]. أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص72.

[38]. المصدر نفسه، ص35.

[39]. أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص86.

[40]. وإنما استهدف أول ما استهدفت، الأنظمة التي اعتبرت أنها قد فرطت في دينها وكرامتها ومقدرات بلدانها لصالح القوى “المستعمرة/الكافرة”، وبعد ذلك استهدفت هذه القوى عينها خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا دون سواها من القوى الدولية رفعا للمظلومية التاريخية وانتصارا للكرامة المهدورة. دونما وعي بالتحول التاريخي العميق الذي حصل في ميزان القوى الحضاري لغير صالح العرب والمسلمين، ودونما سعي للأخذ بأسباب تداركه على مستوى الوعي والمعرفة والإنتاج واستعادة الفاعلية الحضارية كما فعلت الكثير من الشعوب والأمم..

[41]. أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص37.

[42]. انتقد تقرير الكومنولث ما ترتب على الاستراتيجيات المضادة للإرهاب، التي اتخذتها الولايات المتحدة في أعقاب التفجيرات الإرهابية للحادي عشر من سبتمبر، من تكريس للإسلاموفوبيا وكراهية المهاجرين. مشددا على أن الرهان الحقيقي يتعين أن ينصب على كسب واستمالة قلوب وعقولهم، بدلا من مجرد السيطرة على المناطق والوقوع في إرهاب مضاد ومضاعف. انظر: أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص76.

[43]. أمارتيا سن (تحرير)، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص59.

[44]. ديفيد إنغليز ـ جون هيوسن، مدخل إلى سوسيولوجيا الثقافة، ترجمة: لما نصير، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2013م، ص14.

[45]. عبد السلام طويل، قضايا ومفاهيم إشكالية في حقل التداول الإسلامي المعاصر، م، س، ص14.

[46]. أمارتيا سن، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص10-11.

[47]. صامويل هنتينغتن، صدام الحضارات، م، س، ص203-204.

[48]. أمارتيا سن، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص69-70.

[49]. المرجع نفسه، ص32-33.

[50]. أنطوان جارابون، الوظائف الطقسية للقضاء، م، س، ص 214.

[51]. أمارتيا سن، السلام والمجتمع الديمقراطي، م، س، ص82.

[52]. للمزيد انظر: محمد الكتاني، موسوعة المصطلح في التراث العربي، الجزء الأول: الديني والعلمي والأدبي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 2013، ص222-224.

[53] . Xavier Ternisien, Intégrisme, fondamentalisme et fanatisme  : la guerre des mots, LE MONDE | 08.10.2001.

[54]. يذهب عبد الله حمودي إلى حد القول أن: «الراديكالي وجه للحداثة أكثر منه تقليدا إسلاميا مسترجعا»، انظر: الرهان الثقافي وهم القطيعة، دار توبقال للنشر، ط.1، 2011م، ص275.

[55] . أنظر: أحمد عبادي، في تفكيك مفهوم الجهاد، سلسلة الإسلام والسياق المعاصر، دفاتر تفكيك خطاب التطرف، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، 2017، ص-ص5-51. وكذلك، عبد الحميد عشاق، “فقه الجهاد في سياق مختلف”، مجلة الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط، العدد المزدوج:45-46، ص-ص56-65.

[56]. السيد فضل الله، الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل، بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، ط1، 2009م، ص36-38.

[57]. لأخذ فكرة أوضح عن نظريات التعددية الثقافية، انظر: وكذلك؛ الأمة والجماعات الفرعية: تعددية في كنف الوحدة، قراءة تحليلية نقدية في كتاب: “Patrick Savidan, Le Multiculturalisme”، مجلة: الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء، الرباط ـ المملكة المغربية، عدد:36، 2012م، ص38-51.

[58] . Renault, E. Reconnaissance, lutte, domination : le modèle hégélien. Politique et Sociétés, (2009),  28 , 23–43.

[59]. Olivier Renaut. La fonction du thumos dans la République de Platon, Academia Verlag, 2013, pp.179-188..

[60]. عبد السلام طويل، “نهاية التاريخ من المطلق الهيغيلي إلى المطلق الفوكويامي”، بيروت: مجلة الشاهد، عدد: 183، 1999.

 انظر كذلك للباحث: “توظيف غير علمي لمصطلح علمي: التاريخ؟”، الرياض: مجلة الفيصل، عدد: 277، 1999.

[61]. انظر: محمد نور الدين أفاية، صور الغيرية: تجليات الآخر في الفكر العربي الإسلامي المعاصر”، الدار البيضاء: المركز الثقافي للكتاب، ط1، 2018.

Science
الوسوم

د. عبد السلام طويل

  • رئيس وحدة بحثية بالرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، ورئيس تحرير مجلتها الإحياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق