مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات محكمة

أحاديث نبوية في فضائل اغتنام الوقت

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، وسلَّم تسليماً كثيراً

أما بعد:

    إن الوقت في الإسلام له أهمية عظيمة في حياة الإنسان، ولعظمته فقد أقسم الله تعالى  به في كتابه الكريم في مواضع عدة منها قوله تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر  إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ([1])، كما جاءت آيات كثيرة تحث على استغلال الأوقات في الأعمال الصالحة فقال تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ([2])، وقال في موضع آخر: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ([3])، وقال: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ([4])، وورد في السنة النبوية عدة أحاديث شريفة تدل على فضل الوقت وأهميته، يحسن التذكير بها، ولهذا جاء هذا المقال ليسلط الضوء على بعض من هذه الأحاديث فأقول وبالله التوفيق:

أولا: أن الوقت نعمة من نعم الله على عباده؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ»([5])، وهذا الحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وهو في غاية البيان؛ حيث بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الفراغ مغنم ومكسب عظيم، ولا يعرف ذلك إلا من عرف غايته في الوجود، وأحسن التعامل مع الوقت.

ثانيا: التأكيد على ضرورة اغتنام الوقت؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، و صحتك قبل سقمك، و فراغك قبل شغلك، و شبابك قبل هرمك، و غناك قبل فقرك» ([6])، ذلك أن الغالب في هذه الأمور (السقم والهرم والفقر) تلهي الإنسان وتمنعه من الاستفادة من وقته.

ثالثا: المسارعة باغتنام الوقت لفعل الأعمال الصالحة قبل حلول العواقب؛ فدعا إلى التصدق خوفا من عدم إتاحة الفرصة للتصدق في وقت آخر ،عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تصدقوا قبل أن لا تصدقوا، تصدق رجل من ديناره، تصدق رجل من درهمه، تصدق رجل من بره، تصدق رجل من تمره، من شعيره، لا تحقرن شيئا من الصدقة، ولو بشق تمرة”([7])، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدا يأخذها منه، ويُرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء » ([8]).

رابعا: التأكيد على أن الوقت أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة؛ لحديث عدي بن حاتم قال: قال صلى الله عليه وسلّم: ” لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما             أبلاه “([9])

وفي الختام أحمد الله  تعالى الذي وفقني في هذا المقال والذي تحدثت فيه عن بعض ما ورد في فضل اغتنام الوقت من أحاديث نبوية صحيحة، من غير استقصاء لأن ذلك يطول، والله تعالى أسأل أن يتقبل مني هذا الجهد المتواضع، وأن ينفع به إنه مجيب.

والحمد لله رب العالمين.

                                                                           

ثبت المصادر والمراجع المعتمدة:

الجامع الصحيح. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قام بشرحه وتصحيحه وتنقيحه: محب الدين الخطيب، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية القاهرة. ط 1/ 1400.

الجامع الكبير. محمد بن عيسى الترمذي. تحقيق: بشار عواد معروف. دار الغرب الإسلامي. ط1/1996.

صحيح الجامع الصغير وزياداته. محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. ط3/1408-1988.

صحيح مسلم. وفي طليعته: غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد كتاب مسلم بن الحجاج للزبيدي.دار طيبة. الرياض. ط1/ 1427-2006.

([1]) سورة العصر  الآيات:(1-3).

([2]) سورة الفرقان الآية: (62).

([3])سورة الإسراء الآية: (79).

([4]) سورة آل عمران الآية: (133).

([5])  أخرجه البخاري في صحيحه (4/175) كتاب:  الرقاق، باب: ما جاء في الرقاق، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، برقم: (6412).

([6]) رواه السيوطي في الجامع الصغير  وقال الألباني: صحيح. صحيح الجامع الصغير (ص: 243) برقم: (1077).

([7]) رواه السيوطي في الجامع الصغير  وقال الألباني: صحيح. صحيح الجامع الصغير (ص: 287-288) برقم: (1354).

([8]) أخرجه البخاري في صحيحه (1/436)، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة قبل الرد، برقم: (1411)، ومسلم في صحيحه (1/449)، كتاب: الزكاة، باب: الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها، برقم: (1012) واللفظ لمسلم.

([9]) أخرجه الترمذي في سننه (4/215)، كتاب:  صفة القيامة والرقائق والورع، باب:  في القيامة، برقم: (2415) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق