مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

من معاني الغريب عند أهل الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثره، وسلَّم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فإن الغريب في اصطلاح المحدثين هو: الحديث الذي يستقل بروايته راو واحد، إما في كل طبقة من طبقات السند، أو في بعض طبقات السند ولو في طبقة واحدة، وسمي بذلك لأنه كالغريب الوحيد الذي لا أهل عنده، أو لبعده عن مرتبة الشهرة فضلا عن التواتر([1])، وقد أطلق عليه بعض العلماء اسما آخر وهو «الفرد» على أنهما مترادفان، وغاير بعض العلماء بينهما، فجعل كلا منهما نوعا مستقلا خلافا لابن حجر الذي اعتبر الغريب والفرد مترادفين لغة واصطلاحا، إلا أنه قال:« إن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على «الفرد المطلق»، والغريب أكثر ما يطلقونه على «الفرد النسبي»، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق، فلا يفرقون فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان، أو أغرب به فلان»([2]).

وهو ضد المشهور. قال ابن رجب: «وأما الحديث الغريب فهو ضد المشهور؛ وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويذمون الغريب منه في الجملة»([3]).

ثم إن الغريب ينقسم عند هؤلاء بحسب موضع الغرابة فيه أقساما كثيرة([4])، ترجع في أصلها  إلى قسمين رئيسيين:

 الأول منهما: الغريب متنا وإسنادا: وهو الحديث الذي لا يروى إلا من وجه واحد([5])، ويعبر الإمام الترمذي عن هذا القسم بمثل قوله:«غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه»([6])

والثاني: الغريب إسنادا لا  متنا: وهو الحديث الذي اشتهر بوروده من عدة طرق عن راو، أو عن صحابي، أو عدة رواة، ثم تفرد به راو من وجه آخر غير ما اشتهر به الحديث([7])، ويعبر الإمام الترمذي عن هذا القسم بنحو قوله: «غريب من هذا الوجه»([8])

ومثال القسم الأول: حديث محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن  أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»([9]).

فهذا الحديث تفرد به أبو هريرة، ثم تفرد به عنه أبو زرعة، وتفرد به عن أبي زرعة عمارة وتفرد به أيضا عن عمارة محمد بن فضيل([10]).

ومن ذلك أيضا: حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنه قال:«نهى عن بيع الولاء وعن هبته» ([11])

فهذا الحديث لا يرويه أحد عن ابن عمر رضي الله عنه إلا عبد الله بن دينار، ولا يعرف إلا من طريقه، قال مسلم في صحيحه: «الناس كلهم عيال على عبد الله بن دينار في هذا الحديث»([12])،  وقد اعتنى جماعة من العلماء بجمع طرق هذا الحديث عن عبد الله بن دينار ومنهم: أبو نعيم الأصبهاني حيث أورده عن خمسة وثلاثين نفسا ممن حدث به عن عبد الله بن دينار([13])

ومثال القسم الثاني: حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد»([14])

قال الحافظ ابن رجب: «فهذا المتن معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة، وقد خرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ومن حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما حديث أبي موسى هذا فخرجه مسلم عن أبي كريب، وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكروا أن أبا كريب تفرد به، منهم البخاري           وأبو زرعة»([15])

    وفي الختام أحمد الله  تعالى الذي وفقني لإتمام هذا المقال حول مبحث من أهم مباحث المصطلح وهو: « معنى الغريب عند المحدثين »، راجية منه سبحانه وتعالى أن ينفع به، ويذخر لي أجره يوم لقائه.  وصل الله على نبينا المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى.

 والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

********************

هوامش المقال:

([1]) ينظر في تعريفه:  قواعد التحديث للقاسمي (ص: 184)، علوم الحديث (ص: 270)، فتح المغيث (ص: 381- فما بعدها)، وغيرها.

([2]) شرح شرح النخبة (ص: 239-240).

([3]) شرح علل الترمذي (1 /406).

([4]) بلغ بها الحافظ ابن سيد الناس خمسة أقسام وهي: غريب سندا ومتنا، وغريب متنا لا سندا، وغريب سندا لا متنا، وغريب بعض السند فقط، وغريب  بعض المتن، وهذه الأقسام الخمسة داخلة في القسمين الرئيسيين لا تخرج عنهما. انظر: شرح علل الترمذي (1/ 406-407).

([5]) منهج النقد في علوم الحديث (ص: 397).

([6])  وأمثلة ذلك كثيرة عنده انظر مثلا حديث عبد الله بن دينار، عن  ابن عمر رضي الله عنه حيث قال فيه:هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر .سنن الترمذي  (2 /517-518) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كراهية بيع الولاء وهبته، برقم: (1236).

([7]) منهج النقد في علوم الحديث (ص: 397).

([8]) وأمثلة ذلك كثيرة عنده انظر مثلا: حديث أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، الآتي حيث قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه من قبل إسناده وقد روي من غير وجه. سنن الترمذي  (6 /253-254) كتاب: العلل.

([9])  متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه (4 /173) كتاب: الدعوات، باب: فضل التسبيح برقم: (6406)، ومسلم في صحيحه (2 /1241)  كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء برقم: (2694).

([10])  انظر: فتح الباري (13 /673).

([11])  أخرجه البخاري في صحيحه (2 /217) كتاب: العتق، باب: بيع الولاء وهبته، برقم: (2535)،  ومسلم في صحيحه (2 /704) برقم: (1506) .

([12])  صحيح مسلم (2 /704)

([13]) انظر: فتح الباري (12 /53) .

([14]) أخرجه مسلم في صحيحه (2 /991) كتاب: الأشربة، باب:المؤمن يأكل فى معى واحد والكافر يأكل فى سبعة أمعاء برقم: (2062).

([15]) شرح علل الترمذي (1/ 440-441).

*****************

لائحة المراجع المعتمدة

الجامع الصحيح. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قام بشرحه وتصحيحه وتنقيحه: محب الدين الخطيب، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية القاهرة. ط 1 / 1400هـ.

الجامع الكبير. أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي.حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: د بشار عواد معروف. دار الغرب الإسلامي بيروت.ط 1- 1996.

شرح شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر. علي بن سليمان محمد الهروي القارئ. ومعه (شرح النخبة لابن حجر). قدم له: عبد الفتاح أبو غدة. حققه وعلق عليه: محمد نزار تميم- هيثم نزار تميم. دار القلم لبنان. (د-ت).

شرح علل الترمذي. عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي. حققه: نور الدين عتر. دار الملاح  للطباعة  ط1/ 1398.

صحيح مسلم. وفي طليعته: غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد كتاب مسلم بن الحجاج للزبيدي.دار طيبة. الرياض. ط1/ 1427-2006.

علوم الحديث. عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري. تحقيق وشرح: نور الدين عتر. دار الفكر دمشق. (د.ت).

فتح الباري شرح صحيح البخاري. أحمد بن حجر العسقلاني. دار السلام الرياض. ط1/ 1421-2000.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. شمس الدين السخاوي. دراسة وتحقيق: عبد الكريم بن عبد الرحمن الخضير- محمد بن عبد الله بن فهيد آل فهيد. مكتبة دار المنهاج الرياض. ط1/ 1426.

قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث. محمد جمال الدين القاسمي. قدم له: عبد القادر الأرنؤوط. تحقيق: مصطفى شيخ مصطفى . مؤسسة الرسالة بيروت ط1/ 1425-2004.

منهج النقد في علوم الحديث. نور الدين عتر . دار الفكر دمشق. ط 1399-1979.

*راجع المقال الباحث: عبد الفتاح مغفور

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق