مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

حكايات من صحيح البخاري(انتقاء، وتخريج)

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبينا محمد

 وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إن الحكاية في الحديث النبوي الشريف كالأحكام الشرعية، فقد تلقاها النبي صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل، وكما أطلع الله سبحانه وتعالى نبيه غيب المستقبل، فقد أطلعه غيب الماضي والأمم السالفة، لما فيه من عبر وأحكام، وقد حكى النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه مجموعة من الحكايات عن الأمم السابقة، لكن من هذه الحكايات ما هو مردود، يوردها القصاص في كتبهم، والوضع فيها ظاهر، ومنها ما هو مقبول، أوردها  المحدثون في كتبهم، منهم: الإمام البخاري رحمه الله تعالى، فقد روى حكايات في صحيحه، وأغلبها بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، انتقيت منها ست حكايات، مع تخريجها من كتب السنة: صحيحي الإمامين البخاري ومسلم، وموطأ الإمام مالك، وسنن الإمامين الترمذي، وأبو داود، ومسند الإمام أحمد:

الحكاية الأولى:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا، قال: فأتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا، فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بك، وأني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني أستودعكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه، ينظر لعل مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، فأتى بالألف دينار، فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا قبل الذي جئت فيه، قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشدا».

التخريج:

أخرجها البخاري، وأحمد، وغيرهم بروايات مختلفة:

البخاري في صحيحه: كتاب الزكاة، باب ما يستخرج من البحر، رقم الحديث: 1498، كتاب الكفالة، باب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها، رقم الحديث: 2291، وكتاب الشروط، باب الشروط في القرض، رقم الحديث: 2734، وأحمد في مسند أبي هريرة، رقم الحديث: 8587[1].

الحكاية الثانية:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة فطلبه الراعي، فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟ وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته، فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث، قال الناس: سبحان الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أومن بذلك، وأبو بكر، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما».

التخريج:

أخرجها من حديث أبي هريرة:  البخاري، ومسلم، والترمذي، وأحمد، وغيرهم بروايات مختلفة:

البخاري في صحيحه: كتاب المزارعة، باب استعمال البقر للحراثة، رقم الحديث: 2324، وكتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو كنت متخذا خليلا»، رقم الحديث: 3663، وكتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضي الله عنه، رقم الحديث: 3690، وأما مسلم في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، رقم الحديث: 2388، وأما الترمذي في سننه: كتاب المناقب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كليهما، رقم الحديث: 3695، وأما أحمد في مسند أبي هريرة، رقم الحديث: 8963[2].

الحكاية الثالثة:

عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له ” قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: نعم، في كل ذات كبد رطبة أجر».

التخريج:

أخرجها من حديث أبي هريرة: البخاري، ومسلم، ومالك، والترمذي، وأبو داود، وأحمد، وغيرهم بروايات مختلفة:

البخاري في صحيحه: كتاب الوضوء، باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان وكان عطاء لا يرى به بأسا أن يتخذ منها الخيوط والحبال وسؤر الكلاب وممرها في المسجد، رقم الحديث: 173، كتاب المساقاة، باب فضل سقي الماء، رقم الحديث: 2363، كتاب المظالم والغصب، باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذ بها، رقم الحديث: 2466، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم الحديث: 6009، ومسلم في صحيحه: كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، رقم الحديث: 2244، ومالك في موطئه رواية يحيى الليثي: جامع ما جاء في الطعام والشراب، رقم الحديث: 3435، ورواية محمد الشيباني: أبواب السير، باب فضل المعروف والصدقة، رقم الحديث: 933، وأبو داود في سننه: كتاب الجهاد، باب ما يؤمر به من القيام على الدواب والبهائم، وأحمد في مسند أبي هريرة، رقم الحديث: 8874، ورقم: 10699، ورقم: 10752[3].

 الحكاية الرابعة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها؟ ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت يعني النار لتأكلها، فلم تطعمها فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعوها، فجاءت النار، فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم رأى ضعفنا، وعجزنا فأحلها لنا».

التخريج:

أخرجها من حديث أبي هريرة: البخاري، ومسلم، والترمذي، وأحمد، وغيرهم بروايات مختلفة:

البخاري في صحيحه: كتاب فرض الخمس، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أحلت لكم الغنائم»، رقم الحديث: 3124، وكتاب النكاح، باب من أحب البناء قبل الغزو، رقم الحديث: 5157، ومسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة، رقم الحديث: 1747، وأحمد في مسند أبي هريرة، رقم الحديث: 8238[4].

الحكاية الخامسة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى ” قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية».

التخريج:

أخرجها من حديث أبي هريرة: البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم بروايات مختلفة:

البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب﴾، رقم الحديث: 3427، وكتاب الفرائض، باب إذا ادعت المرأة ابنا، رقم الحديث: 6769، ومسلم في صحيحه: كتاب الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين، رقم الحديث: 1720، وأحمد في مسند أبي هريرة، رقم الحديث: 8280[5].

الحكاية السادسة:

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جريج، كان يصلي، جاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها، فولدت غلاما، فقالت: من جريج فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا، إلا من طين. وكانت امرأة ترضع ابنا لها من بني إسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه، – قال: أبو هريرة كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص إصبعه – ثم مر بأمة، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه الأمة يقولون: سرقت، زنيت، ولم تفعل».

التخريج:

أخرجها البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم بروايات مختلفة:

البخاري في صحيحه: كتاب المظالم والغصب، باب إذا هدم حائطا فليبن مثله، رقم الحديث: 2482، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾، رقم الحديث: 3436.

ومسلم في: كتاب البر والصلة والآداب، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، رقم الحديث: 2550.

وأحمد في مسند أبي هريرة، رقم الحديث: 8071 ، ورقم: 8072[6].

أوردت في هذا المقال هذه الحكايات الست تمثيلا فقط لا استقصاء، وإلا فإن كتب السنة عامة، وصحيح البخاري خاصة مليء بالحكايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيها ما يستنبط منها من: فوائد، وعبر، وأحكام، وتسلية، وتشويق.

******************

هوامش المقال:

[1] – صحيح البخاري (2 /129، 3 /95-198)، مسند أحمد (14 /246).

[2] – صحيح البخاري (3 /103، 5 /5، 5 /12)، صحيح مسلم (4 /1857)، سنن الترمذي (ص: 835)، مسند أحمد (14 /522).

[3] – صحيح البخاري (1 /45، 3 /111-132، 8 /9)، صحيح مسلم (4 /1761)، مالك -رواية الليثي-(5 /1360)، -رواية الشيباني (3 /425)، سنن أبي داود (ص: 449)، مسند أحمد (14 /461، 16 /410-438).

[4] – صحيح البخاري (4 /86، 7 /21)، صحيح مسلم (3 /1366)، مسند أحمد (13 /538).

[5] – صحيح البخاري (4 /162، 8 /156)، صحيح مسلم (3 /1344)، مسند أحمد (14 /32-33).

[6] – صحيح البخاري (3 /137، 4 /165)، صحيح مسلم (4 /1976) ، مسند أحمد (13 /434-437).

*****************

جريدة المراجع

الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه (صحيح البخاري) لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: 1422، مصورة عن الطبعة الأميرية، بولاق-مصر، 1311.

السنن لأبي داود سليمان بن الأشعت السجستاني، حكم على أحاديثه وآثاره وعلق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، اعتناء: مشهور حسن سلمان، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض- السعودية، الطبعة الثانية: 1427 /2007.

السنن لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة الترمذي، اعتناء: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثانية: 1429 /2008.

المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (صحيح مسلم) لأبي الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ.

المسند لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى: ابتداء من: 1996/1416.

الموطأ لأبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك (رواية: محمد بن الحسن الشيباني)، تحقيق: تقي الدين الندوي، دار القلم، دمشق-سوريا، الطبعة الأولى: 1413 /1991.

الموطأ لأبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك (رواية: يحيى بن يحيى الليثي)، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان، أبو ظبي، الإمارات، الطبعة الأولى: 1425 /2004.

*راجعت المقال الباحثة: خديجة أبوري

Science
اظهر المزيد

يوسف أزهار

  • باحث بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسير ة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصل على شهادة الإجازة في الأدب شعبة الدراسات الإسلامية سنة 2006 من جامعة الحسن الثاني – عين الشق- الدار البيضاء.
  • له مشاركات في تحقيق مخطوطات الحديث والسيرة، ومقالات منشورة بموقع المركز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق