مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات عامة

وقفات مع حديث عائشة، قالت: “تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده مني؟”.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحابته أجمعين.

وبعد؛

فإن حديث عائشة رضي الله عنها: “تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده مني؟”، قال: “وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال”، فيه مسائل فقهية متعددة، ومقاصد ومعاني جليلة، ودرر وفوائد…ولهذا اخترت الوقوف مع بعض هذه المعاني من خلال شروح الحديث وفق ما يلي.

ـ أولا: تخريج الحديث:

أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب النكاح، باب: استحباب التزوج والتزويج في شوال، واستحباب الدخول فيه، رقم: (1423)[1].

ـ  ثانيا: الوقوف على بعض معاني الحديث وفقهه.

يستفاد من هذا الحديث ما يلي:

*معنى قول عائشة رضي الله عنها: “تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال” أي عقد عليها في شهر شوال قبل الهجرة بسنة ونصف السنة على الأشهر، وبنى بها، أي دخل عليها في شوال بعد الهجرة بسنة ونصف السنة.

و”شوال” فعال مبالغة من الشول، وهو في الأصل النقص والقلة، والشائلة من الإبل ما جف لبنها، ويقال: شال القوم إذا خفت منازلهم منهم ومضوا، أو إذا  تفرقت كلمتهم، أو إذا ماتوا وتفرقوا، كأنه لم يبق منهم إلا بقية، أو إذا ذهب عزهم. و”شوال” شهر أوله عيد الفطر، قيل: سمي بذلك لتشويل ألبان الإبل فيه وإدبارها[2].

* استحباب التزويج والتزوج في شوال، قال النووي: “فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه واستدلوا بهذا الحديث”[3].

* الرد على ما كان يعتقده  أهل الجاهلية وبعض العوام من كراهة التزوج والتزويج في شوال، قال النووي: “وقصدت عائشة بهذا الكلام رد ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم من كراهة التزوج والتزويج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له، وهو من آثار الجاهلية كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع “[4]، قال عياض: “كانت الجاهلية تكره هذا وتطير من ذلك؛ لما في اسم شوال من قولهم: شالت نعامتهم، وشالت النوق بأذنابها: إذا رفعتها[5].

قال موسى شاهين لاشين نقلا عن المتقدمين ما نصه: “وكانت العرب قبل الإسلام تتطير من عقد النكاح والدخول فيه، وتقول: إن المنكوحة فيه تمتنع من ناكحها، ويقل أولادها ولبنها، فأبطل الإسلام هذا التطير، باستحباب الزواج في شوال[6].

* إجبار الرجل ابنته على الزواج،  قال عياض: “وفيه إجبار الرجل ابنته على النكاح وتزويج الصغار”[7].

*حرص النبيّ صلى الله عليه وسلم على محو آثار الشرك، والاعتقادات الجاهليّة، حيث تزوّج عائشة في شوّال، وبنى بها فيه لذلك، وكذلك كانت هي تحرص على إدخال نسائها فيه[8].

* أنه ينبغي لأهل العلم، ودعاة الخير الاجتهاد في إزالة ما كان عليه عادة الناس، من التشاؤم في بعض الشهور، أو الأيام، أو الأشخاص، فإن ذلك من آثار الشرك، وما أكثره اليوم في شتّى بقاع الأرض، بشتّى أنواع الخرافات[9].

*استحباب البناء بالمرأة في شوال، قال الشوكاني: “استدل المصنف بحديث عائشة على استحباب البناء بالمرأة في شوال وهو إنما يدل على ذلك إذا تبين أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قصد ذلك الوقت لخصوصية له لا توجد في غيره[10].

هذا ما تيسر الوقوف عليه من الفوائد من حديث عائشة رضي الله عنها الذي جمع مسائل فقهية ومقاصد ومعاني كثيرة في ألفاظه القليلة، ردت على مجموعة من معتقدات أهل الجاهلية، وبعض العوام الذين كانوا يكرهون التزوج والتزويج في شوال.

********************

هوامش المقال:

[1]  صحيح مسلم(2/ 1039).

[2]  فتح المنعم شرح صحيح مسلم(5 /532).

[3]  شرح مسلم للنووي(9 /209).

[4]  شرح مسلم للنووي(9 /209).

[5]  إكمال المعلم بفوائد مسلم(4 /575).

[6]  فتح المنعم شرح صحيح مسلم(5 /532).

[7]  إكمال المعلم بفوائد مسلم(4 /575).

[8]  البحر الثجاج(25 /256)

[9]  البحر الثجاج(25 /256).

[10]  نيل الأوطار(6/ 225)

**************

جريدة المصادر والمراجع:

إكمال المعلم بفوائد مسلم شرح صحيح مسلم لعياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبي الفضل، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء ، مصر، ط1 ، 1419 هـ ـ 1998 م

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، لمحمد بن علي بن آدم بن موسى الإتيوبي،  دار ابن الجوزي،ط1، 1426 ـ 1436 هـ.

فتح المنعم شرح صحيح مسلم، لموسى شاهين لاشين، دار الشروق، ط1 1423 هـ ـ 2002 م.

المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمسلم بن الحجاج أبي الحسن القشيري النيسابوري،تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لأبي زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت،ط2، 1392م.

 نيل الأوطارشرح منتقى الأخبارمن أحاديث سيد الأخيار، لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، مصر،ط1، 1413هـ ـ 1993م.

*راجع المقال الباحث: يوسف أزهار

Science

عبد الفتاح مغفور

  • أستاذ باحث مؤهل بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق