مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

وقفات مع حديث: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت »

بسم الله الرحمن الرحيم

 تمهيد

الحمد لله الذي زين أولياءه بالتقى ورزقهم أفضل المكارم والمحاسن، وأدب نبيه  صلى الله عليه وسلم وكان أشد الناس حياءً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

وبعد؛ فقد روى  البخاري في صحيحه عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»([1]).

من خلال هذا الحديث الشريف سنقف وقفات نتأمل فيها معانيه الغزيرة، وآدابه المنيفة، التي يَجْمُل بكل مؤمن ومؤمنة أن يتحلى بها، ويدعو إليها.

فمن الوقفات  والمعاني المستمدة من الحديث:

1- الوقفة الأولى: شرف الحياء، فإنه ما من نبي إلا وقد حث عليه، وأنَّ الناس تداولوه بينهم وتوارثوه عنهم قرناً بعد قرن حتى وصل إلى أوَّل هذه الأمَّة([2])، وإليه يشير قوله:«إنَّ مِمَّا أدرك الناس من كلام النبوة الأولى».

2-الوقفة الثانية: الحثُّ على الحياء والتنويه بفضله، فهو الذي يكف الإنسان ويردعه عن مواقعة السوء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الحياء لا يأتي إلا بخير »([3]) ، ويقول            ابن القيم ـ رحمه الله ـ : «وخلق الحياء من أفضل الأخلاق وأجلها، وأعظمها قدراً، وأكثرها نفعاً ، بل هو خاصةُ الإنسانية، فمن لا حياء فيه، ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم ، وصورتهما الظاهرة ، كما أنه ليس معه من الخير شيء »([4]).

وليس من الحياء: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك السؤال عن مسائل العلم والسكوت عن الحق ضعف وليس من الحياء؛ ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في شأن نساء الأنصار  كما في صحيح البخاري: «نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين»([5])

3-الوقفة الثالثة: أن في قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» لأهل العلم في معناه قولان: أحدهما: أنَّه ليس بمعنى الأمر أن يصنعَ ما شاء، ولكنَّه على معنى الذمِّ والنهي عنه، وأهلُ هذه المقالة لهم طريقان، أحدهما: أنَّه أمرٌ بمعنى التهديد والوعيد، والمعنى: إذا لم يكن لك حياءٌ فاعمل ما شئتَ، فإنَّ الله يجازيك عليه، كقوله: ﴿ اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾([6])،… هذا اختيارُ جماعة منهم: أبو العباس ثعلب.

والطريق الثاني: أنه أمر ومعناه الخبر، والمعنى: أنَّ مَن لم يستح صَنعَ ما شاء، وانهمك في كلِّ فحشاء ومنكر، ومن كان عنده حياء منعه من كل قبيح ..، وهذا اختيار: أبي عُبيد القاسم            ابن سلام ـ رحمه الله ـ وابن قتيبة، ومحمد بن نصر المروزي، وغيرهم.

والقول الثاني في معنى قوله: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» أنَّه أمرٌ بفعل ما يشاء على ظاهر لفظه، والمعنى: إذا كان الذي تريد فعله مِمَّا لا يستحيا مِن فعله لا من الله ولا من الناس؛ لكونه من أفعال الطاعات، أو مِن جميل الأخلاق والآداب المستحسنة، فاصنع منه حينئذ ما شئتَ، وهذا قول جماعة من الأئمة منهم: أبو إسحاق المروزي الشافعي وحكي مثله عن الإمام أحمد([7]).

 4-الوقفة الرابعة: أن الحياء من الإيمان وعاقبته حسنة في الدنيا والآخرة، وكلما ازداد العبد حياء إلا ويزداد إيمانا حتى يبلغ منزلة عظيمة قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان »([8]) وقال صلى الله عليه وسلم في حق عثمان رضي الله عنه: «ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة»([9])، وقال الحسن البصري: «الحياء والتكرم خصلتان من خصال الخير، لم يكونا في عبد إلا رفعه الله عز وجل بهما»([10]).

5-الوقفة الخامسة: أن الحياء نوعان: الأول حياء فطري غريزي: يخلقه الله تعالى في الإنسان، بحيث يولد مع العبد مذ الصغر متصفا به، فيجتنب القبيح من الأقوال والأفعال، والثاني حياء مكتسب: وهو الذي يتخلق به المرء ويكتسبه بالتعلم والتربية والمجاهدة([11]) . قال القرطبي في المفهم لما أشكل من كتاب تلخيص مسلم: «وكان النبي صلى الله عليه سلم قد جمع له كمال نوعي الحياء – المكتسب والغريزي- وكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها، وفي حيائه الكسبي في ذروتها »([12]).

الخاتمة

أرجو بعد هذه الوقفات أن أكون قد وفقت في بيان معنى هذا الحديث، وما اشتمل عليه من الدلالات والمعاني، واللَّهَ أسأل أن يجعل عملي صالحاً،  ولوجهه خالصاً، وأن يجمعني وإياكم مع نبينا ﷺ في جنات النعيم، وينفعنا بهذه الوقفات إنه جواد كريم.

**********************

هوامش المقال: 

([1]) أخرجه البخاري في صحيحه (4 /113) كتاب: الأدب، باب:  إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، برقم: (6120).

([2]) انظر: جامع العلوم والحكم (1/ 464).

([3]) أخرجه البخاري في صحيحه (4 /113) كتاب: الأدب، باب: الحياء برقم: (6117)، ومسلم في صحيحه (1 /38) كتاب:الإيمان ، باب: شعب الإيمان، برقم: (37).

([4]) مفتاح دار السعادة (1 /277 ).

([5]) أخرجه البخاري في صحيحه (1 /63) كتاب: العلم، باب: الحياء في العلم، ومسلم في صحيحه (1 /161)، كتاب: الحيض ، باب: استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصة من مسك في موضع الدم برقم: (332).

([6]) سورة فصلت من الآية: (40).

([7]) انظر: ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1 /465).

([8]) أخرجه البخاري في صحيحه (1 /113) كتاب: الأدب، باب: الحياء، برقم: (6118)، ومسلم في صحيحه (1 /38) كتاب: الإيمان، باب: شعب الإيمان برقم: (35)واللفظ له.

([9]) أخرجه مسلم في صحيحه (2 /1126) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه برقم: (2401).

([10]) مكارم الأخلاق (ص: 43).

([11]) انظر: جامع العلوم والحكم (1 /467) (بتصرف).

([12]) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (1 /219).

**********************

لائحة المراجع المعتمدة:

جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم. أبو الفرج عبد الرحمن ابن شهاب الدين ابن رجب. تعليق وتحقيق: د/ ماهر ياسين الفحل. دار ابن كثير. دمشق بيروت. ط1/ 1429-2008.

الجامع الصحيح. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قام بشرحه وتصحيحه وتنقيحه: محب الدين الخطيب، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية القاهرة. ط 1 / 1400هـ.

صحيح مسلم. وفي طليعته: غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد كتاب مسلم بن الحجاج للزبيدي.دار طيبة. الرياض. ط1/ 1427-2006.

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة. ابن القيم الجوزية. دار الكتب العلمية –  يروت.

مكارم الأخلاق. ابن أبي الدنيا. تحقيق وتعليق: مجدي السيد إبراهيم. مكتبة القرآن القاهرة ، ط/ 1411 – 1990.

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم. أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي. حققه وعلق عليه: محيي الدين ديب مستو – يوسف علي بديوي- أحمد محمد السيد- محمود إبراهيم بزال. دار ابن كثير دمشق بيروت- دار الكلم الطيب دمشق بيروت. ط1/ 1417-1996.

*راجع المقال الباحث: يوسف أزهار 

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق