مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

وفاة النبي صلى الله عليه وسلم دروس وعبر

بسم الله الرحمن الرحيم

كانت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في الناس خطبة أخيرة في حَجَّته الأخيرة، فكانت خطبة مودع خطبها في الناس وأوصاهم بوصايا تثبتهم على دينهم، وذلك بعد أن علم من الله تعالى من دنو أجله، وقد عرف بعض الصحابة ذلك من خلال خطبته صلى الله عليه وسلم، فلما وقع الحدث الجلل وتوفي نبي الله صلى الله عليه وسلم انتشر الخبر بين الناس، فمنهم من عقل لسانه، ومنهم من أقعد عن الحركة، ومنهم من لم يصدق، ومنهم من ثبته الله وأيده بقوة السكينة، فثبت الأمة، وخطب في الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌّ لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين﴾[1]. فلما تلاها أبو بكر رجع الناس إلى رشدهم، وعرفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات حقا، وتلك سنة الله تعالى في خلقه: ﴿كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون﴾[2]، ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾[3]، ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون، كل نفس ذائقة الموت﴾[4]، ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون﴾[5]، وكأن هذه الآيات وغيرها لم يتلونها قط من هول المصيبة.

ولما ابتلي المسلمون بمصيبة فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، رثاه صحابته رضوان الله عليهم مواساة لأنفسهم وللآخرين، فمما هو منسوب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه:

لما رأيت نبينا متحمَّلا***ضاقت علي بعرضهن الدور

أوهيت قلبي عند ذاك بهُلكه***والعظم مني ماحييت كسير

أعُييش ويحك إن حبي قد ثوى***فلأبوك مهصوص الجناح ضرير

يا ليتني من قبل مهلك صاحبي***غُيَّبتُ في جدث علي صخور

للمنجدين حوائج من بعده***تعيا بهن جوانح وصدور

وقال أيضا رضي الله عنه:

أجِدَّك ما لعينك لا تنام***كأَنَّ جفونها فيها كِلام

لِأمر مصيبة عظمت وجلّت***ودمع العين أهونه انسجام

فُجعنا بالنبي وكان فينا***إمام كرامة نعم الإمام

وكان قِوامنا والرأس فينا***فنحن اليوم ليس لنا قِوام

نموج ونشتكي ما قد لقينا***ويشكو فقده البلد الحرام

كأنّ أنوفنا لاقين جدعا***لفقد محمد فيه اصطلام

لفقد أغرَّ أبيض هاشميّ***إمام نبوّة ربه الختام

أَمين مصطفى للخير يدعو***كضوء البدر زايَلَه الظلام

سأتبع هديه ما دمت حيا***طوال الدهر ما سجع الحمام

أدين بدينه ولكل قوم***تراهم من ذُؤَابَتِه نظام

فقدنا الوحي مذ ولَّيت عنَّا***ووَدَّعنا من الله الكلام

سوى أن قد تركت لنا رهينا***تَوارثُه القراطيس الكرام

لقد أورثتنا مراث صدق***عليك به التّحيّة والسّلام

من الرّحمن في أعلى جنان***من الفردوس طاب بها المقام

رفيق أبيك إبراهيم فيها***فهل في مثل صحبته ندام

وإسحاق وإسماعيل فيها***بما صلّوا لربّهم وصاموا

فلا تبعد فكل كريم قوم***سيدركه ولو كره الحمام

كأن الأرض بعدك طارفيها***فأشعلها بساكنها ضرام

وقال أيضا رضي الله عنه:

أيا عين جودي ولا تسأمي***وحُقّ البكاء على السَّيد

على ذي الفواضل والمُكرمات***ومحض الضريبة والمَحتد

على خِنْدِف عند البلا***ء أمسى يُغيَّب في ملحد

فصلّى الإله إله العباد***وأهل البلاد على أحمد

فكيف الإقامة بعد الحبيـ***ـب بَيْن المحافل والمشهد

فليت الممات لنا كلّنا***وكنّا جميعا مع المهتدي

وقال أيضا رضي الله عنه:

أمست هموم ثقال قد تأوَّبُني***مثل الصخور عظام هدت الجسدا

ليت القيامة قامت بعد مَهلكه***كيلا نرى بعده مالا ولا ولدا

ولست آسى على شيء فُجعت به***بعد الرسول إذا أمسى ميتا فُقدا

كان المُصفَّى من الآفات قد علموا***وفي العفاف فلا تعدل به أحدا

كم لي بعدك من هَمٍّ ينصبني***إذا تذكرت أني لا أراك بدا

نفسي فداؤك من ميت ومن بدن***ما أطيب الذكر والأخلاق والجسدا[6]

ومما هو منسوب لعمته صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها:

لهف نفسي وبت كالمسلوب ***أرقت الليل فعلة المحروب

 من هموم وحسرة أردفتني***ليت أني سقيتها بشعوب

 حين قالوا إن الرسول قد أمسى***وافقته منية المكتوب

حين جئنا لبيت آل محمد***فأشاب القذال مني مشيبي

حين رأينا بيوته موحشات***ليس فيهن بعد عيش غريب

 فعلاني لذاك حزن طويل***خلط القلب فهو كالمرغوب

وقالت أيضا رضي الله عنها:

ألا يا رسول الله كنت رجاءنا***وكنت بنا براً ولم تك جافيا

وكنت بنا برا رحيما نبينا***ليبكِ عليك اليوم من كان باكيا

لعمرك ما أبكي النبي لموته***ولكن لهرج كان بعدك آتيا

كأن على قلبي لفقد محمد***ومن حبه من بعد ذلك المكاويا

أفاطم صلى الله ربُّ محمد***على جدث أمسى بيثرب ثاويا

أرى حسنا أيتمته وتركته***يبكي ويدعو جده اليوم نائيا

فِدىً لرسول الله أمي وخالتي***وعمي ونفسي قصره وعياليا

صبرتَ وبلغتَ الرسالة صادقاً***ومتّ صليبَ العود أبلج صافيا

فلو أن ربَّ العرش أبقى نبينا***سعدنا ولكن أمره كان ماضيا

عليك من الله السلام تحيةً***وأُدخلت جناتٍ من العدن راضيا[7]

وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

ما بالُ عيني لا تنام كأنما***كُحلَتْ مآقيها بكُحْلِ الأرْمَدِ

جزعاً على المهدي أصبح ثاوياً***يا خير من وَطِئ الحصى لا تبعد

جنبي يقيك الترب لهْفي ليتني***غُيَّبْتُ قبلك في بقيع الغرقد

أأُقيمُ بعدك بالمدينة بينهم***يا لهف نفسي ليتني لم أولد

بأبي وأمي من شهدت وفاته***في يوم الاثنين النبيُّ المهتدي

فَظَلِلْتُ بعد وفاته متلدِّداً***يا ليتني أسقيت سمَّ الأسود

أو حلَّ أمر الله فينا عاجلاً***من يومنا في روحة أو في غد

فتقوم ساعتُنا فنلقى طيِّباً***محضاً ضرائبه كريم المحتد

يا بِكَرَ آمنةَ المبارك ذكرُه***ولدتك مُحْصَنةً بسعد الأسعدُ

نوراً أضاء على البرية كلِّها***من يُهد للنور المبارك يهتد

يا ربِّ فاجمعنا معاً ونبينا***في جنة تُنبى عيون الحُسَّد

في جنة الفردوس واكتبها لنا***يا ذا الجلال وذا العُلا والسُّؤدد

والله أسمع ما حييت بهالك***إلا بَكيْت على النبي محمد

يا ويح أنصار النبي ورهطه***بعد المُغيَّب في سواء المَلْحدِ

ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا***سوداً وجوههم كلون الإثمدِ

ولقد ولدناه وفينا قبره***وفضولُ نعمته بنا لم نجْحد

والله أكرمنا به وهدى به***أنصاره في كل ساعة مشهد

صلى الإله ومن يحفُّ بعرشه***والطيبون على المبارك أحمد[8]

ومما هو منسوب لابن عمه جعفر بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه:

أرقتُ فبات ليلي لا يزول***وليلُ أخي المصيبة فيه طول

وأسعدني البكاء وذاك مما***أصيب المسلمون به قليل

لقد عظمت مصيبتُه وجَلَّت***عشية قيل: قد قبض الرسول

وأضحت أرضنا مما عراها***تكاد بنا جوانبها تميلُ

فقدنا الوحي والتنزيل فينا***يروح به ويغدو جبرائيل

وذاك أحق ماسالت عليه***نفوسُ الناس أو كربت تسيلُ

نبيٌّ كان يجلو الشكّ عنَّا***بما يُوحَى إليه وما يقول

ويهدينا فلا نخشى ضلالاً***علينا والرسول لنا دليل

أفاطمُ إن جزعت فذاك عذر***وإن لم تجزعي ذاك السبيل

فقبرُ أبيكِ سيدُ كلِّ قبر***وفيه سيد الناس الرسول[9]

هكذا رثوا الصحابة رسول صلى الله عليه وسلم، سلوانا للقلب؛ لأن المصاب جلل، وهذا الحدث كما هو حدث ولادته صلى الله عليه وسلم  من أبرز ما وقع في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولابد وأن نستخلص منه الدروس والعبر:

أولا: أن الموت لا يفرق ولا يميز بين الأنبياء والرسل وما دونهم من سائر البشر، فالموت كأس كل شاربها.

ثانيا: أن بعثة الرسل والأنبياء القصد منها معرفة الناس بربهم، وتبليغ شعائره، فإذا ذهبوا لم يذهب الدين، لأن المقصود إنما الله وحده، وهو حي لا يموت، والرسل والأنبياء إنما هم وسائط.

ثالثا: أن عند الرزية الشنيعة والمصيبة الجليلة النازلة بالأمة يظهر ثبات نفس الصديقين، ووفور عقلهم ومكانتهم من الإسلام.

رابعا: أن الصدمة بفقد الأحباب تكون لها وقعا كبيرا على قلب المحبين، بحكم الاستئناس بالمحبوب سيما وإن كان أرحم من الأب والأم، فأي صدمة أبلغ من هذه الصدمة وأشدها أثراً.

خامسا: أن موقف الحزم عند المصيبة الجليلة مطلوب، لئلا تشيع الفتن وتكثر القلائل في المجتمع، ولابد أن يتصدر لهذا الموقف رجل متعقل لا تغلبه العاطفة.

سادسا: أن استحضار النصوص النقلية واجب عند الفاجعة الملمة، لأنها تخفف من وقع الرزايا والمصائب، وتذكر أن كل من عند الله تعالى، ولا مصاب إلا بقدره سبحانه وتعالى.

سابعا: أن سكرات الموت مذيقها كل واحد، وإن كان من الصالحين والأتقياء، فحمى الموت لا تثبطه بل تثبته على كلمة التوحيد.

هذه بعض الدروس والعبر من الرزية الشنيعة والمصيبة الجليلة النازلة بالأمة آنذاك، وهي وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، استخلصتها من كتب الحديث والسيرة، ولعل أبرز ما يمكن قوله هو: إن الموت آخر مرحلة من مراحل الحياة، فهو مدركنا لا محالة، إما في أول العمر أو في وسطه أو في آخره، وهو عدل لا يميز ولا يفرق بين طبقات المجتمع، وهو يسلب أعز الناس من بيننا ولا نملك لهم حول ولا قوة، وهو سنة الله تعالى في خلقه، وهو قاهر الجبابرة وهالك الفراعنة ﴿كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾[10].  

 1] – سورة آل عمران، الآية: 144.

[2] – سورة العنكبوت، الآية:57.

[3] – سورة الزمر، آية: 30.

[4] – سورة الأنبياء، آية: 34-35.

[5] – سورة نوح، آية:4.

[6] – ديوان أبي بكر الصديق ص: 35_43 مع الإحالة في الهامش إلى المصادر فلتنظر.

[7] – المعجم الكبير للطبراني (24 /320-321).

[8] – ديوان حسان بن ثابت (1 /269-270).

[9] – إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لابن عساكر (ص: 172).

[10] – سورة القصص، آية: 88.

**************

جريدة المراجع

إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الصمد بن عبد الوهاب بن عساكر الدمشقي، تحقيق: حسين محمد علي شكري، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: 1417.

إتحاف ذوي التشوف والحاجة إلى قراءة سنن ابن ماجه لعبد الحفيظ (محمد الحفيد) بن عبد الصمد كنون الإدريسي، اعتناء: عبد الصمد العشاب، محمد عبد الحفيظ كنون، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطبعة فضالة، المغرب، ابتداء من: 1421 /2000.

إكمال المعلم بفوائد مسلم لأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، الطبعة الأولى: 1426 /2005.

تهذيب سيرة ابن هشام لعبد السلام هارون، مؤسسة الرسالة، بيروت-لبنان، دار البحوث العلمية، الكويت، الطبعة الرابعة عشر: 1406 /1985.

ديوان أبي بكر الصديق رضي الله عنه، تحقيق وشرح: محمد شفيق البيطار، شراع للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق-سوريا، الطبعة الأولى: 1993.

ديوان حسان بن ثابت، تحقيق وتعليق: وليد عرفات، دار صادر، بيروت-لبنان، 2006.

الرحيق المختوم لصفي الرحمن بن عبد الله المباركفوري، دار الوفاء، مصر، الطبعة: الحادية والعشرون: 1431 /2010. 

السيرة النبوية لأبي محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الثالثة: 1410 /1990.

السيرة النبوية: دروس وعبر لمصطفى بن حسني السباعي، المكتب الإسلامي، بيروت- لبنان، دمشق- سوريا، الطبعة الثامنة: 1405 /1985.

السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث علي محمد محمد الصلابي، دار المعرفة، بيروت- لبنان، الطبعة السابعة: 1429 /2008.

شرح صحيح البخارى لأبي الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال القرطبي، تحقيق: إبراهيم بن سعيد الصبيحي، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثالثة: 1423 /2003.

المعجم الكبير لسليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد، مكتبة ابن تيمية، القاهرة-مصر، الطبعة الثانية، بدون ذكر للتاريخ.

Science
اظهر المزيد

يوسف أزهار

  • باحث بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسير ة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصل على شهادة الإجازة في الأدب شعبة الدراسات الإسلامية سنة 2006 من جامعة الحسن الثاني – عين الشق- الدار البيضاء.
  • له مشاركات في تحقيق مخطوطات الحديث والسيرة، ومقالات منشورة بموقع المركز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق