مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

نقط أبي الأسود الدؤلي (تـ69هـ)

 جمع المصحف في العهدين الأول والثاني مجردا عن الضبط والشكل،  اعتمادا على مسلك الرواية،  وحفاظا على منهج التلقي؛ الذي يكتفى فيه بما يؤخذ عن الشيوخ، يسدد القارئ في ذلك ويوجهه توقد قريحته، وسلامة فطرته، فلم يكن اللحن معهودا عند العرب، وكان خطابها سليما لا تشوبه شائبة العجمة، حتى قال قائلهم مفاخرا:
ولست بنحوي يلوك لسانه      ولكن سلقي أقول فأعرب
ينتصبون ذودا عن هذه المفخرة بما يحفظها من الضيعة،  فعقدوا المحافل لتباري فحول القصيد – تبريزا لأصوبهم قيلا، وأحكمهم فصلا وخطابا-، وهو تجل من تجليات حفظ اللغة عندهم، وابتعثوا الولدان لثخوم القبائل لأخذ اللغة عن أقحاح العرب نقية صافية من نبعها الذي لم تعكره الدلاء هو تشوف  للمحافظة على صفاء الفطرة وسلامة العربية.. كيما يشب النشأ على الفصاحة وذرابة اللسان.
           يسعفهم في الحفاظ على موروثهم انطواء الجزيرة العربية على نفسها، فلم تكن وجهةً لتلاقي الشعوب والأجناس، إذ لم يكن في بيئتها ما يجلب الغرباء إليها، فأسهم كل ذلك  في الحفاظ على مفخرتها، وأمنت من تسرب عوادي اللحن إليها، ولذلك لما نزل فيهم القرآن وجد فيهم الأهلية التامة للنفاذ إلى قلوبهم، والتجاوب مع فطرهم، فكانوا يقفون على قدر كبير من معانيه بحكم إحكامهم لسانه العربي المبين، فبالموازاة مع إقامة حرفه،  يتذوقون سبكه، ويدركون فصه، ويقدرون نظمه.. بل إن المعاند المكابر منهم ليختلس السمع للتملي بروعة بيانه، و الانتشاء برونق بلاغته ونظمه، وهذا موضوع آخر..  
      عالمية الكتاب وشمولية دعوة النبي الخاتم صلى الهك عليه وسلم، أوفدت إلى هذه البيئة جموعا من الأجناس المختلفة المشارب، لغة وثقافة وأعرافا وعادات.. فكان ولابد و أن تتأثر البيئة العربية بالمعافسة والاختلاط، و كان أول المتأثرين الأحداث الذين لم يدثروا بجنة السليقة العربية، فخالطوا جموع الوافدين بيئة الإسلام دون روية، فظهر فيهم اللحن وتفشى ذلك وشاع، ولم يأمن من الاصطلاء بناره أبناء بيوتات العرب المشهود لهم بالفصاحة والإحاطة بتصاريف اللسان، وفي هذا الصدد تذكر المصادر أن ” معاوية رضي الله عنه كتب إلى زياد يطلب عبيد الله ابنه، فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن، فرده إلى زياد وكتب إليه كتابا يلومه فيه، ويقول: أمثل عبيد الله يضيع، فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال: يا أبا الأسود، إن هذه الحمراء قد كثرت، -يقصد الأعاجم- وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم، ويعربون به كتاب الله تعالى، فأبى ذلك أبو الأسود،  وكره إجابة زياد إلى ما سأل، فوجه زياد رجلا فقال له: اقعد في طريق أبي الأسود، فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن فيه، ففعل ذلك، فلما مر به أبو الأسود رفع الرجل صوته فقال: ” أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ” [التوبة:3] –بكسر اللام من رسوله- فاستعظم ذلك أبو الأسود، وقال: عز وجل الله أن يبرأ من رسوله، ثم رجع من فوره إلى زياد فقال: يا هذا قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، إليَّ ثلاثين رجلا، فأحضرهم زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم لم يزل يختار منهم حتى اختار رجلا من عبد قيس، فقال خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن اتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره”
            فهذه قصة تقربنا من أسباب وضع النقط، وقد كان ذلك في الزمن الأموي، واختير لها أبو الأسود الدؤلي (تـ 69هـ)، مقنن الأسس الأولى لعلم النحو كما تذكر المصادر، وقصته مع ابنته وفزعه للإمام علي مشهورة، وتمنعه من إجابة زياد إلى ما دعاه إليه، إما لعدم استشعاره لخطورة الأمر، وإما تهيبا من إتيان بدع من الفعل، والواقعة عاصرها التابعون وكبار الصحابة ممن طال بهم العمر، ولم يعترضوا عما استحسنوه، بل عدوه تنويرا للكتاب، و تبصيرا للقارئ بكيفة أدائه، أورد أبو عمرو في المحكم بسنده إلى الأوزاعي قال: “سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: كان القرآن مجردا في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيها النقط على التاء والياء، وقالوا لا بأس به هو نور له، ثم أحدثوا فيها نقطا عند منتهى الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم، قال أبو عمرو وهذا يدل على التوسعة في ذلك ” وبسنده المتصل إلى قتادة يقول: ” بدؤوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا ”   وقال سليمان بن نجاح: ” اعلم أن نقط المصاحف هو أقدم من الشكل وإن كان ذلك معا مستنبَطا مصطلحا عليه، إلا أن النقط كان قبلُ وكثير من الصحابة حي.”
 فتقبلوا  ضبط المصحف بعدما أطلت الفتنة بقرنها، ودعت الحاجة إلى وضع ضابط مسعف للتالي، يجنبه زلل الخطل، فكان ذلك منهم أخذا  بالأسباب  التي تخدم حفظ الكتاب، وإلا فإن هذا الباب كان موصدا فيمن سلف وقرب من العهد النبوي،  بل إنهم كانوا يتنادون إلا يخلط القرآن بشيء؛ مخافة أن يتوهم اللاحقون أنه من الكتاب، وإن كانت شبهة إلحاقه به بعيدة وربما غير واردة، يذكر الداني “عن أبي حمزة قال: رأى إبراهيم النخعي في مصحفي فاتحة سورة كذا وكذا، وفاتحة سورة كذا وكذا، فقال لي امحه، فإن عبدالله بن مسعود قال: لا تخلطوا في كتاب الله ما ليس منه “
 فلما مست الحاجة إلى ذلك، وتُوُجِّس من تأثر القرآن بظاهرة اللحن الهجينة، اقتضى النظر المصلحي أن تضبط المصاحف، وكان ضبطها على مراحل حسبما ما يقتضيه واقع الحال، -كما سنقف عليه لاحقا بحول الهأ- فاصطلحوا أولا على نقط أبي الأسود الدؤلي؛ ووسْمُه بالنقط مأخوذ من رسمه، حيث كان نقطا فوق الحرف بما تقتضيه الحالة الإعرابية؛ من فتح وضم وكسر، ومن ثم اصطلح عليه بالنقط المدور، في مقابل الضبط الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهدي بعد؛ الذي اصطلح على تسميته بنقط الشعر، أو النقط المطول، وكان بالحمرة تمييزا له عن الحرف القرآني،  فرمز للفتحة بنقطة فوق الحرف، و للضمة بنقطة أمامه، وللكسرة بنقطة تحته، وللتنوين بنقطة توضع بإزاء الأولى في إشارة  للحركات الإعرابية الثلاث، على خلاف بين النقلة في مواضع جعْلِ رمز الفتح والضم، وما سطر أشهر الأقوال التي ارتضاها أهل هذا الشان.
         فجاء نقط أبي الأسود كاشفا لكثير من العنت الذي كان يعترض الناس في التلاوة، لكن بمرور الوقت أطل على الناس إشكال آخر؛  أملته العجمة التي اكتسحت الأصقاع الإسلامية، وتردي السليقة العربية في مهاوي اللحن المقيتة،  فلم يعد الإشكال إشكال إعراب للكلمات فحسب، بل تعداه إلى إشكال تمييز الحروف بعضها عن بعض،  اضطر معه الناس إلى وضع قانون يميز بين الحروف المتشابهة الرسم؛ بما يعين المقصود منها  في السياق، فكان نقط يحيى بن يعمر (تـ 129هـ)  ونصر بن عاصم (تـ  89هـ)  في عهد عبد الملك بن مروان (تـ86هـ) ناهضا بهذه المهمة، نفرده بحديث في المقال الموالي بحول اله .

اظهر المزيد

ذ.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق