مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

من جهود علماء الغرب الإسلامي في توجيه متشابه الكتاب (9)

أسمى متغيى المسلم الكيس الظفر بتمام الإسعاد، ومزايلة غضب الجبار المستلزم للطرد والإبعاد، وما تضافرت نصوص الوحيين بشتى مساقاتها إلا لترسيخ هذا المفهوم في الأذهان.
وإن من أبرز ما يجلي هذه الحقيقة مسلك الترغيب والترهيب؛ إذ هو أنجع وسيلة تفي بتحقيق المراد؛ لما له من وطيد الصلة بالجبلة البشـرية، وتوافق مع الغرائز الإنسانية المشتركة بين البشر، فقد جبلت الخليقة على جلب المصلحة والسعي في تدبير ما يحققها، والنأي عن المضرة ودرء ما يستجلبها.
وهذا مهيع القرآن الغالب في تذكير العباد، تجاوبا مع الفطر، ومخاطبة لهم بما يدركون.
وبالتأمل في المواطن التي جرى فيها التذكير على هذا الوزان تستوقف الناظر مغايرة اشتقاقات المصطلح القرآني في تأدية عين المعنى الواحد فيما يلوح للمتأمل، لكن بإنعام النظر و إمعانه يُوقف على سر المغايرة، وأن هنالك معنى لطيفا تُقُصِّدَ بيانه، اطُّرِح من المساق الآخر لمَّا كان لا يستدعيه المقام..وإذا كان أهل العربية قد اصطلحوا على أن زيادة المبنى لزيادة المعنى، فكيف بمن أعيت بلاغته البلغاء؟ وأخرس إعجازه الفصحاء؟ ونورد تدليلا على هذه الدعوى شاهدا لذلك، فعند معرض ذكر مصير الظلمة -في سورة هود- وما استحقوا به ما صاروا إليه، وسَبْق كل ذلك بعرض موازنة بينهم وبين المنعم عليهم ممن هم على بينة من ربهم، ذيلت الآية ببيان خسرانهم، وصاغته الآية يصيغة التفضيل فقال تعالى: “لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ” [الآية:22]وفي سورة النحل في سياق شبيه بالأول إلا أنه لم ترد فيه مفاضلة ولا موازنة جاء الإخبار بخسارتهم باسم الفاعل”لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ” [الآية:109] وهذا من متشابه النظم القرآني الذي يشكل على الطالب، وقد رام تقريب وجه المفارقة فيه ابن الزبير الغرناطي فقال رحمه الله:
“الآية الثالثة منها قوله تعالى:”لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ” [هود: 22]، وفي سورة النحل: “لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ” [النحل: 109)، للسائل أن يسأل عن وجه تخصيص آية هود بقوله: “الأَخْسَـرُونَ” وآية النحل بقوله: “الْخَاسِرُونَ”؟ وهل كان يمكن العكس؟
والجواب: أن آية هود تقدمها ما يفهم المفاضلة، ألا ترى أن قوله تعالى: “أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ”[هود: 17]، الآية يفهم من سياقها أن المراد أفمن كان على بينة من ربه كمن كفر وجحد وكذب الرسل؟ ثم أتبع هذا بقوله: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً” [هود: 18]، فهذا صريح مفاضلة، ثم استمرت الآي في وصف من ذكر، وعرضهم على ربهم، وقول الأشهاد: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ” [هود: 19-18] إلى ذكر مضاعفة العذاب لهم، واستمر ذكرهم إلى قوله: “لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الأَخْسَرُونَ” (هود: 22)، فناسب لفظ الأخسرين بصيغة التفاضل، ومقصود التفاوت ما تقدم؛ مما يفهم ذلك من قوله تعالى: “أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ” [هود: 17]، وأفعل من كذا في قوله: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى” [هود: 18]، فالآيات من لدن قوله “أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ” إلى قوله: “هُمْ الأَخْسَـرُونَ” مبنيات على ما ذكرناه، غير خارجة عن هذا المقصود، ولو ورد هنا “الخاسرون” مكان”الأخسرين” لتنافى النظم وتباين السياق ولم يتناسب.
وأما آية النحل فلم يقع قبلها أفعل التي للمفاضلة والتفاوت ولا ما يفهمهما، وإنما قبلها: “إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَاذِبُونَ” [النحل: 105- 104]، وبعد هذا “وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ”، [النحل- 107]، وبعد هذا “وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ”، فتأمل هذه الفواصل، واتفاقها في اسم الفاعل المجموع جمع السلامة، في قوم متفقي الأحوال في كفرهم، إلى أن ختم وصفهم وما قصد من ذكرهم بقوله: “لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمْ الْخَاسِرُونَ”، فتناسبت الآي في السياق والفواصل، وختمت بمثل ما به بدأت، ولم يكن ليناسب ما ورد هنا لفظ المفاضلة، إذ ليس في الكلام ما يستدعي ذلك لا من لفظه ولا معناه، ووضح اختصاص كل من العبارتين بمكانه، وأن العكس لا يلائم، والله أعلم.”

اظهر المزيد

ذ.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق