مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

من جهود علماء الغرب الإسلامي في توجيه متشابه الكتاب (5) جزاء العبد من كسبه

الحمد لله على ما أولانا من نعم، وأسبغ علينا من جود وكرم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له محيي الرمم، وصلاة ربي وسلامه على المنعوت بنعوت الجمال والكمال، سيدنا محمد من حباه ربه بسني الخلال، صلى اله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى قيام الأنام للجزاء بما أسلفوا في خوالي الأيام.

من جهود علماء الغرب الإسلامي في توجيه متشابه الكتاب (5)
جزاء العبد من كسبه

الجزاء من جنس العمل، مسلمة بديهية عند سائر الأمم، فالنتائج مترتبة عن مقدمات، لا تتخلف نتائجها عنها بحال، وقد قال شاعرهم قديما:

لا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سيرة من يسيرها
فمن يزرع الشوك يجن الشوك، ومن يزرع الحب يحصد الثمر، وقد مكن العبد في الدنيا من الاختيار قطعا للاعتذار، فرصة لا تتكرر في حياة الخلق، من وعاها وسعى لها سعيها فاز و غنم، ومن تغافلها تحسر وندم، وعلى هذا الوزان جاءت تحذيرات الكتاب، قال تعالى: “وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” [البلد:10]، فعمل الإنسان وكسبه له ملحظ معتبر في الجزاء، وعليه المعول في التكليف، وكثيرا ما يحذر القرآن من عاقبة الكسب، وفي مواضع من عاقبة الكفران، فهل هما بمعنى؟ فيكون ذلك من باب المراوحة في الاستعمال؟ أم لكل منها مدلول تقتضيه ملابسات الأحوال؟ أم أن بينهما عموم وخصوص؟ وقف ابن الزبير الغرناطي عند هذه اللطيفة القرآنية فقال: “الآية الرابعة من سورة الأعراف: قوله جل وتعالى: ” وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الآية:39] ” وفى سورة الأنفال: “وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [الآية:35] ” فورد في الأولى أن عذابهم بكسبهم، وورد في الأنفال أن عذابهم بكفرهم، فللسائل أن يقول ما الفرق الموجب بين للاختلاف؟ والجواب عن ذلك والله أعلم: أن المذكورين قبل آية الأعراف المقول لهم فذوقوا العذاب قد خالفت حالُهم حال المذكورين في آية الأنفال، وذلك أن آية الأنفال في قوم بأعيانهم؛ وهم كفار قريش من أهل مكة، وحالهم معلومة؛ إنما كانوا عبدة أوثان، ولم تتكرر فيهم الرسل ولا كفروا بغير التكذيب به صلى الله عليه وسلم وبتصميمهم على عبادة آلهتهم.
أما آية الأعراف ففي أخلاط من الأمم، وأصناف من المكذبين، تنوع كفرهم وتكذيبهم، وارتكبوا ضروبا من المخالفات، وافتروا على الله سبحانه، قال تعالى: “فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ”[الأعراف:37] وفيها: “قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا ” [الأعراف:38] ثم قال: “وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ”، [الأعراف:39]فلِشتى مجترحات هؤلاء، واتساع مرتكباتهم، وأنهم ضلوا وأضلوا، ناسب ما وقع جزاؤهم عليه ذكر الاكتساب، لا سيما على القول بأن الكفار مخاطبون بالفروع، وهو قول حذاق الأصوليين وقول مالك رحمه الله.
ولما انحصر مرتكب الآخرين فيما ذكر، وكان مدار أمرهم على الكفر بما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم ناسب ما وقع جزاؤهم عليه، تخصيص اسم الكفر، فكل من الإطلاقين جارٍ على ما يجب ويناسب، والله سبحانه أعلم” .

ذ.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق