مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

من جهود علماء الغرب الإسلامي في توجيه متشابه الكتاب: توجيه زيادة وصف الدنيا بالزينة في آية القصص وحذفها في سورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم

من أخطر ما يصرف العبد عن ربه تعلقه بالدنيا، والركون إليها، والفرح بها وبزينتها، وإذا ما ملكت الدنيا قلب المرء حجبته عن كل فضيلة، و أركسته في كل نقيصة ورذيلة، ولقد توالت تحذيرات الكتاب داعية الجماء إلى التنبه إلى خطورتها، وأخذ الحذر من فتنتها وزخرفها، فما شيء أضر بسير العبد إلى مولاه من دنيا صارفة، كما هو مترجم قيل النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو سعيد الخدري: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ , وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا , فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ , فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ»[1]

ومن بلاغات الكتاب في سياق الموازنة بين متع الدنيا ونعيم الآخرة أن نصب في مساق الشرط جماع ما يمكن أن يؤتاه العبد لا يعدو أن يكون من متع الدنيا، ثم أخبر أنه لا يقوم لما وعد أهل طاعته؛ من جهة كونه  خيرا منه وأبقى، في تجدد دائم ونعيم مقيم، وذلك في آيتين؛ الأولى في سورة القصص:  “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ” [الآية:60]، والثانية: في سورة الشورى “فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” [الآية:36]

فقصرت الآيتين نعيم الدنيا في المتاع، “والمتاع: ما يُنتفع به زمناً ثم يزولُ”[2].فلا يبقى له أثر، وإنما يصير في طي الخبر، وزادت الأولى عن الثانية بوصف الدنيا بالزينة، مما جعلهما من قبيل متشابه القرآن، الذي يغاص له بالفكر وقوفا على الأسرار؛ استخراجا لعلة المغايرة، وتبينا لمقصد الخلو أوالزيادة.

وبتتبع مساق الآيتين يستبين الناظر أن آية القصص استتبعت بذكر قصة قارون، وفيها تصوير لزهوه بما أوتي، وفرحه البطر بما أنيل، في مشهد استعراضي حشد له من ألوان الزينة ما فتن به ضعاف القلوب، “فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” [القصص:79]، والزينة ما يتزين به، وما يضفيه المتزين عليه تجملا، ومنه زينة المرأة؛ وهو ما تتزين به من حلية وحلا، ومنه كذلك أخرجت الأرض زينتها؛ أي نباتها وما يأخذ بالأبصار من ألوان زهرها، قال تعالى:  “حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ” [يونس:24]، وذكر في اللسان أن شريحا كان يُجِيزُ من الزِّينة ويَرُدُّ من الكذب، يريد تَزْيين السلعة للبيع من غير تدليس ولا كذب في نسبتها أَو في صفتها[3]، فالأصل في الزينة إذن الإعارة لا الثبات، فهي تَفعُّل و استدعاء لحال لا يوصف بالثبوت والاستقرار، وذلك وجه تشبيه الدنيا بها، كما قال تعالى:   “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ” [الحديد:20].

فرعيا للتناسب، واستحضار للمشهد القاروني المسوق في مستتبع الآي، و الذي بسطه القرآن في أحوال؛ منها إعراضه عن النصح، واعتداده بما تحت تصرفه، ثم إمعانه في المكابرة والطغيان، فاتنا قومه بموكبه المبهرج بالزينة، فإذ يحل به السخط، وتفاجئه النقمة، وهو في أوج العز والسلطان، وكذلك أخذ ربك لكل جبار عنيد، فكان في وصف الدنيا بالزينة قبل هذا المشهد تمام العظة والعبرة، لما يستخلصه المتدبر بعدُ مِن حال مَن ركن لزينة الدنيا، وفرح بها، وآثرها على موعود الله الباقي، وفي نظيرتها من  سورة الشورى لم يرد فيها ما يستدعي ذلك، فجاءت خلوا من هذا الوصف.

ولنسق كلام ابن الزبير في تقرير هذا الحقائق، قال رحمه الله:

“الآية الثانية من سورة القصص، قوله تعالى: “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ” [القصص: 60]، وفي سورة الشورى: “فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” [الشورى: 36]، يسأل عن زيادة قوله: “وَزِينَتُهَا” في الأولى؟ وعن تعقيبها بقوله: “أَفَلَا تَعْقِلُونَ” وتعقيب الثانية بقوله: “لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ”؟

والجواب عن الأول: أن سورة القصص تضمنت ذكر قارون وما أتيه من المال الذي هو زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: “وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ” [القصص: 76]، ثم أخبر تعالى عن زهوه واختياله بماله وظنه استحقاقه إياه، قال تعالى: “فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ” [القصص: 79] حتى قال من غفل عن آخرته ولم يعلم ما أعد الله فيها للمؤمنين: “يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ” [القصص: 79]، فقدم سبحانه للمعتبر من عباده المؤمنين وتنبيها للغافلين لتحصل السلامة للسعداء ممن عصم بما ابتلي به قارون، فقال تعالى: “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ” – أي المؤمنين – “خَيْرٌ وَأَبْقَى” [القصص: 60]، وقد أخبرهم سبحانه في موضع آخر أن الدنيا وحياتها غرور، وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار، وبعد تحذير المؤمنين وردت قصة قارون فالتحمت الآية بتلك القصة، وقيل هنا: “وزينتها” كما قيل في تلك: “فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ” [القصص: 79]، ومن الذي يعدل عما عند الله سبحانه إلى ما جعله تعالى سبباً لإهلاك المشركين؟ فتناسب هذا كله وتلاءم.

ولم يقع في آية الشورى ذكر “وزينتها” إذ لم يرد فيها ما ورد هنا مما استدعى هذه المناسبة، ولم يرد في سورة الشورى من أولها إلى آخرها ذكر بسط حال دنياوي لأحد، بل تضمنت حقارة الدنيا ونزارة رزقها، وأنه مقدور غير مبسوط، وتلك حال الأكثر، فقال تعالى: “وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ” [الشورى: 27]، وقال عند ذكر من اختار الدنيا ومال إليها: “مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا” [الشورى: 20]، فقال: (منها) بأداة التبعيض، فلم يقع في هذه السورة ما يستدعي ذكر الزينة المالية، فلذلك لم تذكر، والله أعلم.[4]

 

[1] رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة، رقم:2742، وأحمد في مسند أبي سعيد الخدري، رقم:11159.

[2] التحرير والتنوير، 20/154

[3] لسان العرب، مادة “ز-ي-ن”، 13/201.

[4] ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه متشابه اللفظ من آي التنزيل، 2/759-760

Science

د.عبد الجليل الحوريشي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق