مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

مظاهر التماسك والانسجام من خلال كتاب نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للإمام البقاعي: المناسبة بين فاتحة سورة البقرة وخاتمتها «نماذج مختارة» )الحلقة العاشرة(

القرآن الكريم لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي معارفه؛ علومه لا تحصى ولا تستقصى، كلما تدبره المسلم وأنعم فيه النظر زاد شوقا إليه، وفتح الله عليه من المعارف والعلوم المتصلة به الشيء العظيم، ومن أهم هذه العلوم التي تزداد وضوحا وتتجلى للأذهان وتظهر للبيان بتدبر القرآن؛ علم المناسبات ووجه الاتصال فيما بين السور والآيات، فهو من العلوم الدقيقة التي تحتاج إلى فهم وتذوق لنظم البيان القرآني، وله علاقة وثيقة بالتفسير حتى قيل: إن نسبة هذا العلم من التفسير، نسبة علم البيان من النحو، [1] حيث يقف على مقاصد السورة الكريمة  من خلال تجلية العلاقات الرابطة بين الآية والآية، والسورة والسورة للكشف عن جمال النص القرآني وتعمق البحث في إعجازه من جانبين: نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب، ونظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب.[2]

فهو يبين مدى ارتباط الكلام بعضه ببعض، قال الإمام البقاعي متحدثا عن درس التناسب في القرآن الكريم بين الآي والسور:«الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو: أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له، التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها، فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية، وفي كل سورة سورة والله الهادي»[3]

وللمناسبة أهمية كبيرة في بيان ارتباط أجزاء الكلام بعضه ببعض، وبيانا لأهميتها قال الزركشي:« واعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول ويعرف به قدر القائل فيما يقول، والمناسبة في اللغة المقاربة، وفلان يناسب فلانا أي يقرب منه ويشاكله، ومنه النسيب الذي هو القريب المتصل كالأخوين وابن العم ونحوه، وإن كانا متناسبين بمعنى رابط بينهما وهو القرابة، ومنه المناسبة في العلة في باب القياس الوصف المقارب للحكم، لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم، ولهذا قيل المناسبة أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول، وكذلك المناسبة في فواتح الآي وخواتمها ومرجعها، والله أعلم إلى معنى ما رابط بينهما عام أو خاص عقلي أو حسي أو خيالي وغير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهني كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين ونحوه، أو التلازم الخارجي كالمرتب على ترتيب الوجود الواقع في باب الخبر»[4].

إذن المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة، وفي الاصطلاح: لأنها العلاقةُ الرابطة بين شيئين بأي وجه من الوجوه، وفي كتاب الله تعني ارتباط السورة بما قبلها وما بعدها، وفي الآيات تعني وجه الارتباط في كل آية بما قبلها وما بعدها، [5] وتكمن فائدة التناسب في جعل أجزاء الكلام آخذا بعضها بأعناق بعض حتى يصير الكلام كالبناء المحكم المتماسك الأجزاء، وقد أشار الإمام فخر الدين الرازي إلى أن أكثر لطائف القرآن الكريم مودعة في الترتيبات والروابط.[6]

إذا فالتناسب أو علم المناسبة علم يعنى بالكشف عن الترابط اللفظي والمعنوي بين آي الذكر الحكيم وسوره، مما يبين أن القرآن الكريم يؤلفُ وحدة نسقية، فهو بناء فكري ولغوي متكامل وشامل ومستقل بذاته[7]، وقد لخص البقاعي تجربته فـي الـتـعــرف على المناسبة بقوله: «تتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فـيـهـــا، ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو[8]

وسوف نتناول بإذن الله تعالى هذه السورة العظيمة من هذه الناحية جزءا جزءا ونسعى جهدنا في إبراز ما تتمتع به من حسن التناسق وروعة التعانق، وسنذكر ما نستطيع عليه من أقوال العلماء في الربط وإظهار التناسب بين الآيات، فلو نظرنا إلى سورة البقرة وجدنا أولها يتحدث عن صفات المؤمنين بقوله تعالى:«الم  ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون»[البقرة1-2-3-4] ثم ختمت السورة بقوله تعالى:« آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين»[البقرة:286-285]  وهكذا اختتمت ببيان عقيدة المؤمنين على نحو ما بدأت في بيان أوصاف المتقين، وبذلك يؤكد آخرها أولها، ويؤسس أولها لآخرها، وتصير السورة كتلة واحدة، قال الإمام فخر الدين الرازي في بيان هذا التناسب:«أنه بدأ في السورة بمدح المتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، وبيّن في آخر السورة أن الذين مدحهم في أول السورة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: «وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ» وهذا هو المراد بقوله في أول  السورة «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» [البقرة 3]ثم قال ههنا:« وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» وهو المراد بقوله في أول السورة «وَيُقِيمُونَ الصَّلواة َ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ»ثم قال ههنا «غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» وهو المراد بقوله في أول السورة «وَبِالآخِرَة ِ هُمْ يُوقِنُونَ» [البقرة: 4] ثم حكى عنهم ههنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم «رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا»[البقرة: 286] إلى آخر السورة، وهو المراد بقوله في أول السورة «أُوْلَائِكَ عَلَى هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ» [البقرة: 5] فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها»[9]

بدأ الله تعالى هذه السورة بالكلام على القرآن والمؤمنين ومقارنتهم بالكافرين، ولاسيما أخبار اليهود،ثم أرشد تعالى إلى كثير من الأحكام؛ كالصيام والحج والطلاق، ومحاجة الضالين، وختم السورة بالكلام عن إيمان الرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين بالكتب السماوية وبالرسل الكرام دون تفريق أو تفضيل في أصل الرسالة والتشريع، وكان مسك الختام إبداء ما تفضل الله به على هذه الأمة من التكاليف السمحة السهلة التي لا ضيق ولا حرج فيها، وأن الإيمان وأهله منصور على الكفر وأعوانه، إذا صح وصدقت العزيمة وتوافر الإخلاص والصدق وتنفيذ الأحكام الشرعية، [10]«وأما مناسبتها لأول السورة رداً للمقطع على المطلع فهو أنه لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين بالكتاب الذي لا ريب فيه على الوجه الذي تقدم، ختمها بذلك بعد تفصيل الإنفاق الذي وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف بأوصاف الكمال أشد اتصال، وجعل رأسهم الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام تعظيماً للمدح وترغيباً في ذلك الوصف فأخبر بإيمانهم بما أنزل إليه بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل، وبقولهم الدال على كمال الرغبة وغاية الضراعة والخضوع»[11] فقوله تعالى:«الم» جملة برأسها، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و «ذلِكَ الْكِتابُ» جملة ثانية، و «لا رَيْبَ فِيهِ» ثالثة، و «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» رابعة، وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق، وذلك لمجيئها متآخية آخذا بعضها بعنق بعض، فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها، وهلم جراً إلى الثالثة والرابعة، بيان ذلك أنه نبه أولا على أنه الكلام المتحدّى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال، فكان تقريراً لجهة التحدي، وشدّاً من أعضاده، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب، فكان شهادة وتسجيلا بكماله، لأنه لا كمال أكمل مما للحق واليقين، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرّر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، وحقا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،  ثم لم تخل كل واحدة من الأربع، بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق، ونظمت هذا النظم السري، من نكتة ذات جزالة، ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف، ووضع المصدر الذي هو «هدى» موضع الوصف الذي هو «هاد» وإيراده منكراً، والإيجاز في ذكر المتقين،[12] والمقطع الأول من سورة البقرة الذي يتحدث عن الكتاب والمؤمنين والتحدي به نورد مثال للتناسق العام بين آياته في المقطع جميعه وذلك مما قاله السيد قطب رحمه الله:«وهناك تساوق وتناسق بين هذه الصفات جميعا، هو الذي يؤلف منها وحدة متناسقة متكاملة؛ فالتقوى شعور في الضمير، وحالة في الوجدان، تنبثق منها اتجاهات وأعمال، وتتوحد بها المشاعر الباطنة والتصرفات الظاهرة، وتصل الإنسان بالله في سره وجهره …»[13]

كما عبر بالإيمان في البدء والختام؛ في البدء: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» «والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُون» وفي الختام:« آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ….كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ» قد تكررت لفظة الإيمان مرتين بالمضارع في البداية، ومرتين بالماضي في الختام والنهاية.

جاء في أول السورة وصف الكتاب بأنه لا ريب فيه «ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين»[البقرة:2] ثم جاء التحدي لتأكيد أنه لا ريب فيه: «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين»[البقرة:23] وجاء في ختام السورة آيتا الدين، وفيهما الأمر بكتابته وتوثيقه بالإشهاد عليه، قال تعالى«ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم، وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم»[البقرة:282-283]

وإن كنا نريد أن ندرك هذا الانسجام التام فلا يكلفنا هذا أكثر من أن نضع في اعتبارنا هذه التوجيهات التي تشتمل عليها الآيتان:

– «وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى».

-« وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا».

-« ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ».

-«وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ».

ــ «وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم».

ــ «وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ».

فقد تكررت لفظة الشهادة بمختلف مشتقاتها في آيتين اثنين ثماني مرات، وتلك ميزة تتميز بها هاتان الآيتان من بين سائر آيات القرآن، فإننا لا نجد في القرآن آيتين تكررت فيهما لفظة الشهادة كما تكررت في هاتين الآيتين، وهذا الوضع يكفي لأن يلون جو الآيتين بلون الشهادة، ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، بل جمع السياق في هاتين الآيتين جميع مقومات الشهادة أو عيون مقومات الشهادة فلنتدبر هذه التوجيهات:

ــ «ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ».

ــــــــ «وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ».

ــ «وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ».

ــــــــ«فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ».

ــــــــ« وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا».

ــــــــ«ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ».

ــــــــ«فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا».

ــــــــــ«وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ».

ــــــــ«سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ».

ــــــــــ«وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ».

فنرى هاتين الآيتين كيف تتناولان موضوع العقد والشهادة، وكيف تأخذانهما مأخذ الصرامة والجد، وبذلك تنسجمان تمام الانسجام مع الجو العام لهذه السورة، وكأنهما توحيان بهذا الانسجام أن الأمة إذا كانت جادة في أمر الديون التي تتداين بها، وكانت جادة في العقود التي تبرمها فيما بينها، وكانت تشعر بمسؤولية الشهادة في معاملاتها وتصرفاتها فسيكون هذا إعدادا وتربية لها للإيفاء بعهد ربها وللقيام بتلك الشهادة العظمى التي بعثت لأجلها ألا وهي الشهادة على الناس« وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا »[البقرة143]  ومن هنا ندرك مزايا شأن هاتين الآيتين وندرك السر في كونهما مسك الختام لأحكام هذه السورة، وندرك في كون الآية الأولى منهما أطول آية في أطول سورة في أعظم صحيفة الأمة.[14]

بعد حديث بداية السورة عن المتقين؛ جاء الحديث عن الكفار الذين يستوي في حقهم الإنذار أو عدمه، حتى لو كان بلسان الرسول الكريم، أفصح الناس وأحرصهم وأكثرهم إخلاصا، وفيه إشارة إلى أن الصدام معهم يبدو حتميا؛ حيث إن هؤلاء يتخذون موقفا عدائيا من المتقين، ويتحركون ضدهم على شكل جماعة قائمة؛ وقد جاء في ختام السورة دعاء المتقين أن ينصرهم على القوم الكافرين؛ تأكيدا على وقوع الصراع، وتأييد الله المؤمنين فيه؛ حيث إنه في أول السورة ضرب الله المثل بالكافرين والمنافقين. . وفي ختامها يقول الحق دعاء على لسان المؤمنين:«فانصرنا عَلَى القوم الكافرين» هذا القول يدل على استدامة المعركة بين الإيمان والكفر، وأن المؤمن يأخذ أحكام الله دائما لينازل بها الكفر أيان وجد ذلك الكفر، ويثق المؤمن تمام الثقة أن الله متوليه؛ لأن الله مولى الذين آمنوا، أما الكافرون فلا مولى لهم، فكان ختام سورة البقرة منسجما مع أول سورة البقرة في قوله: «الم ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ»[15] ونقل الزركشي أيضا قول أبي بكر في المناسبة حيث قال:« ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ثم فتح الله عز وجل لنا فيه فلما لم نجد له حملة ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه».[16]

ثم يكون الختام الأخير تعليم المؤمنين دعاء من شأنه أن يغرس في نفوسهم سنة الله في التشريع لهم، وبناء أحكامه وتكاليفه على اليسر والوسع ودفع الحرج، ومن شأنه متى أخلصوا فيه أن يأخذ بأيديهم إلى حياة سعيدة سهلة ميسرة وييسر لهم وسائل المغفرة والنصرة «رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين»[البقرة:286] [17]

وبهذا يظهر في كل آية من سورة البقرة تناسق أوضاعها وائتلاف عناصرها، وأخذ بعضها بحجز بعض، حتى إنها لتنتظم منها وحدة محكمة لا انفصام لها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة1/5.

[2] نفسه 1/7.

[3] نفسه 1/18.

[4] البرهان في علوم القرآن، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه 1/35.

[5] مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم، دار العلم، دمشق، سوريا ص:58.

[6] مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، دار إحياء التراث العربي – بيروت 10/110.

[7] صور التناسب البلاغي في القرآن الكريم، بحث في أسرار الاقتران الدلالي من خلال تفسير نظم الدرر للإمام البقاعي، مجلة «لغة – كلام» تصدر عن مخبر اللغة والتواصل، جامعة غليزان /الجزائر المجلد08، العدد 1يناير2022ص:279.

[8] نظم الدرر:1/6.

[9] مفاتيح الغيب 7/106.

[10] التفسير المنير للزحيلي، دار الفكر المعاصر – بيروت، دمشق، الطبعة: الثانية، 1418 هـ 3/132.

[11] نظم الدرر 4/168.

[12] تفسير الكشاف، الزمخشري  135- 136.

[13] في ظلال القرآن، سيد قطب 1/41.

[14] البرهان في نظام القرآن لمحمد عناية الله أسد السبحاني ص:488-489.

[15] تفسير الشعراوي 2/1249.

[16] البرهان في علوم القرآن 1/36.

[17] دراسات في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، زاهر بن عواض الألمعي، ص130.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق