وحدة الإحياءدراسات عامة

مرجعية علم الوجهة لتقوية وتقويم روح المقاولة

على سبيل التقديم

ستكون مداخلتي بإذن الله شهادة من فاعل اقتصادي، سأحاول من خلالها أن أستكشف ما يمكن أن يقدمه علم الوجهة لتقوية وتقويم روح المقاولة في عالم يتغير بشكل عميق وسريع لم يسبق له نظير في تاريخ البشرية، تحت التأثير المتصاعد للثورة الرقمية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن جل دول العالم أطلقت في السنوات الأخيرة استراتيجيات وبرامج ضخمة لتدبير ما يصطلح عليه بالتحولات الرقمية التي لا تقتصر على الاقتصاد فقط، بل تطال كل مناحي الحياة. وهذا ما يطرح تحديات كبرى اقتصادية واجتماعية وثقافية وأخلاقية على كل المجتمعات.

إن الأمة الإسلامية بدورها مطالبة بتدبير هذه التحولات التاريخية، والعمل على استغلالها للرجوع إلى مكانتها كخير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. وهذا يقتضي منها أن تعمل على تقوية اقتصاداتها من جهة، وأن تساهم في تخليق الاستعمالات المتعددة لمختلف التكنولوجيات الجديدة من جهة أخرى.

وقد قسمت عرضي هذا إلى جزأين كما يلي:

الجزء الأول: التحولات الرقمية وآثارها على المقاولات

الجزء الثاني: تدبير المقاولات بين علم الإدارة ومرجع الوجهة

وأستسمح الحضور الكريم في استعمال مصطلح “المقاولة” التي تعني عندنا في المملكة المغربية “المؤسسة الاقتصادية” بمفهومها الواسع، والتي تضم جميع الوحدات الاقتصادية من الوحدات التابعة للدولة إلى المقاولة الذاتية، مرورا بالمقاولات الجد صغيرة، والمقاولات الصغيرة، والمتوسطة، والمقاولات الكبيرة.

أولا: التحولات الرقمية وآثارها على المقاولات

إن ما يحدث في العالم الرقمي، حسب آخر تقرير لمكتب الاستشارات الأمريكي (Gartner) حول أهم التوجهات التكنولوجية لسنة 2016، يوحي فعلا بالخيال العلمي. وصنفت هذه التوجهات إلى ثلاث مجموعات موضوعاتية:

أ. التشابك الرقمي؛ من خلال دمج العالم المادي مع العالم الرقمي، وذلك بربط الأشياء والتطبيقات والخدمات، وأخص بالذكر إنترنت الأشياء والطبع ثلاثي الأبعاد.

ب. الآلات الذكية التي أدت إلى بزوغ اقتصاد جديد يعرف باسم اقتصاد اللوغاريتمات. وأخص بالذكر التطور الهائل الذي تعرفه تكنولوجيا المعرفة وما تنتجه من آلات قادرة على التعلم وآلات مستقلة مثل سيارة جوجل ذاتية القيادة.

ج. الواقع الجديد لتكنولوجيا المعلومات: ويتعلق الأمر بتوجهات جديدة لهندسة المنظومات المعلوماتية حتى تتمكن من تلبية الحاجيات الجديدة لاقتصاد اللوغاريتمات مثل هندسة المنظومات المتقدمة التي تشتغل على طريقة العقل البشري.

إليكم بعض الأرقام في أفق 2018 من نفس التقرير:

ـ 20 ٪‏ من التواصل المكتوب للمقاولات سيكون من إنتاج آلات ذكية؛

ـ 6 ملايير من الأشياء ستكون مربوطة، وسيصل عددها إلى 25 مليار في أفق 2020؛

ـ 3 ملايين من الأجراء مراقبون من طرف ربوهات؛

ـ 20٪‏ من البنايات الذكية ستكون قد تعرضت لتخريب رقمي؛

ـ 45٪‏ من المقاولات الأكثر نموا في العالم ستتوفر على عدد من الآلات الذكية يفوق عدد الأجراء.

لقد أدرك علماء الاقتصاد أن الأزمة المالية العالمية التي انفجرت سنة 2007، نتيجة عدة اختلالات، كانت في الواقع مخاضا لميلاد منظومة اقتصادية عالمية جديدة.

ومن أهم هذه الاختلالات، ارتفاع معدلات البطالة التي أصبحت ظاهرة بنيوية في جل بلدان العالم، كما يتبين من خلال أرقام منظمة العمل الدولية التي تشير إلى زيادة قدرها 2.5 مليون عاطل جديد خلال سنة 2016، ليرتفع العدد الإجمالي في العالم مع نهاية السنة إلى 200 مليون عاطل.

كما أن انتشار الفقر وتوسيع الهوة، بين الفقراء والأغنياء، وبين البلدان الفقيرة والبلدان الغنية، تعتبر أخطر ظاهرة في العالم المعاصر، بحيث أضحى 1٪ من سكان العالم يملك أكثر من 50 ٪ من الثروة العالمية.

 أما ظاهرة الاحتباس الحراري وآثارها السلبية على البيئة والكائنات الحية، فهي نتيجة للنشاط البشري الذي توجهه أنماط تنموية مبنية على منطق التكاثر بدل الكوثر؛ أي الربح بأية وسيلة والدفع للاستهلاك من أجل الاستهلاك.

لقد أصبحت النماذج الاقتصادية التي كانت تعتبر ناجحة قبل بضع سنوات متجاوزة. وساهمت التطورات التكنولوجية، وعلى رأسها استعمال الإنترنت، في تسريع عولمة الاقتصاد وتغيير أنماط الإنتاج وعادات الاستهلاك وقواعد المنافسة، ودور الدول التي أصبحت عاجزة على مسايرة هذه التحولات بالسرعة المطلوبة في تقنين النشاط الاقتصادي وتنظيم مناخ الأعمال، من سياسة جبائية وقوانين لحماية المعطيات الشخصية وضمان المنافسة الشريفة.

وهكذا أضحت التنافسية بين المقاولات أكثر حدة وأصبحت العديد من المقاولات، مهما كان حجمها، مهددة بالانقراض. ناهيك عن الآثار السلبية على سوق الشغل بانقراض عدة مهن وصعوبة الملاءمة بين التكوين والحاجيات الجديدة والمتجددة للمقاولات.

وفي نفس الوقت، وكسائر الثورات الصناعية السابقة، أحدثت هذه التحولات فرصا جديدة وضخمة للمقاولات والدول القادرة على الابتكار والاستفادة من فوائد التطورات التكنولوجية الحديثة.

ولعل من أبرز نتائج هذه الثورة الرقمية أيضا بزوغ نوع جديد من الاقتصاد وهو ما يمكن أن يصطلح عليه بالاقتصاد التعاوني. لقد سمحت الثورة الرقمية للأشخاص الذاتيين بالارتباط فيما بينهم على شكل شبكات اجتماعية من خلال منصات الإنترنت التي تمكن جميع الأعضاء من التعامل على قدم المساواة. وساهم هذا النمط في بلورة الإبداع الجماعي والتشجيع على تبادل السلع والخدمات بدون أي وسيط. وغالبا ما تتحرك هذه العلاقات بين الأعضاء بدوافع أخلاقية وبيئية واجتماعية. وهذا مؤشر ايجابي يمكن استثماره في تخليق الاقتصاد. فالإنترنت ليس مجرد أداة اتصال فقط، بل هو في المقام الأول أداة تعاونية للابتكار ولخلق القيمة المضافة.

ثانيا: تدبير المقاولات بين علم الإدارة ومرجعية الوجهة

في هذا العالم المتغير، كيف يمكن أن نسخر هذه التطورات التكنولوجية لنقوي اقتصاداتنا من أجل تحقيق كرامة الإنسان وسعادته؟ ما هي الشروط المادية لنجاح المقاولات؟ وما هو البعد الروحي لهذه المقاولات من أجل تنمية متوازنة ومستدامة؟

الجواب على هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى وما أكثرها، يمر عبر الاستناد على العلوم الكونية بما فيها العلوم الإنسانية والرجوع إلى الوحي واستلهام قراءته انطلاقا من السنة النبوية بطريقة دينامية في عالم متغير ودائم الحركة، وهذا هو السبيل الوحيد لإيجاد مقاولات قوية اقتصاديا ومسؤولة اجتماعيا.

و في هذا السياق، سأحاول، بعون الله، أن أتطارح مع الحضور الكريم بعض الأفكار حول كيفية خلق تفاعل إيجابي بين ما وصلت إليه التجربة البشرية من علوم، في عالم إدارة وتدبير المقاولات، وما يمكن أن نستخلصه من الآيات القرآنية التي تشير بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى هذا الموضوع.

ونظرا لشساعة الموضوع، سأكتفي بالتركيز على محورين كنموذج لجدلية مرجع الوجهة ومرجع حركة المقاولات:

المحور الأول: الرؤية وروح المقاولة

تعتبر المقاولة قانونيا شخصا معنويا؛ أي “كائنا حيا”، يحمل كمشروع فيولد، فيعيش ثم يموت.

وترتكز المقاولة على ثلاثة أركان:

الركن الأول: الرؤية الاستراتيجية؛ وهي بمثابة القبلة بالنسبة للمقاولات.

الركن الثاني: استراتيجية العمل لتحقيق أهداف هذه الرؤية، وهي بمثابة الوجهة.

الركن الثالث: الموارد البشرية والوسائل المادية والمناهج المتبعة لتنفيذ استراتيجية العمل.

إن اختيار الرؤية أو القبلة يعتبر أهم ركن لمكونات المقاولة. فالرؤية هي التي تحدد الأهداف الاستراتيجية للمقاولة من حيث التموقع في محيطها، والهوية التي تميزها والطموح التي تسعى إليه، وذلك على المدى الطويل الذي يمكن أن يصل في بعض المقاولات الضخمة إلى أكثر من 30 سنة. وبالتالي يجب أن تبقى الرؤية ثابتة، وألا تتغير بطريقة ظرفية، ويجب أن تكون واضحة لجميع العاملين داخل المقاولة، كل من موقعه، حتى يعمل الجميع في نفس الاتجاه أي نفس القبلة.

أما استراتيجية العمل أو الوجهة فهي التي تحدد كيف تتحرك المقاولة من موقع إلى آخر نحو القبلة لتحقيق أهداف الرؤية. وبالتالي فإستراتيجية العمل يجب أن تكون مرنة لتتأقلم مع تطورات محيطها، وتستثمر الفرص المتاحة، وتتجنب العراقيل التي تواجه المقاولة في سيرها كل حين.

أما الوسائل والمناهج الضرورية لتنفيذ استراتيجية العمل فهي الآلة أو الأداة التي تحرك المقاولة نحو القبلة، وفي صلبها الموارد البشرية التي تعتبر أهم رأسمال للمقاولة.

إن توفير هذه الأركان الثلاثة رغم أهميتها، يبقى غير كاف لنجاح المقاولة التي تحتاج أيضا إلى قيم أخلاقية يصطلح عليها بثقافة المقاولة التي تجعل من أعضائها يشعرون بالانتماء إليها. فهي بمثابة الروح التي تبعث الحياة في كل مكونات المقاولة. وبدونها تموت المقاولة.

وكما هو الشأن بالنسبة للرِؤية، ينبغي أن تكون هذه القيم واضحة ومفهومة لدى جميع العاملين داخل المقاولة حتى يتحركوا بنفس الروح نحو نفس القبلة.

المحور الثاني: القيادة وشروط التفويض

إن سوسيولوجيا المقاولات تعتبر أن المقاولة وحدة اقتصادية تتوقف نجاعتها على مدى قدرتها على تقسيم العمل، وتوزيع المهام الجزئية على الفاعلين.

وهنا لابد من الوقوف على دور القيادة وأهميته في نجاح أو فشل المقاولات؛ فالقيادة هي القدرة على التأثير في الأفراد لجعلهم يرغبون في إنجاز أهداف المقاولة.

وفي هذا الموضع ولإغناء علوم الإدارة وتقويمها من العيوب التي يمكن أن تشوبها، لابد من تكثيف الأبحاث في النصوص القرآنية والسنة النبوية كأول نموذج لتطبيق الوحي.

فالرسول، صلى الله عليه وسلم، يعتبر أكبر قائد في تاريخ البشرية، وذلك بشهادة العديد من المؤرخين بما فيهم أعداء الإسلام. فهو القائد الوحيد في التاريخ الذي استطاع أن يصنع من قبائل مشتتة ومتناحرة دولة عظيمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى في مدة قياسية تقل عن ربع قرن.

والرسول، صلى الله عليه وسلم، كان عصاميا. ولعل في ذلك حكمة من الله عز وجل. فقد حباه الله وأكرمه بخلق عظيم، ووجهه بالوحي في عدة آيات، وسخر له نخبة من أصحابه تحبه وتشد عضده وتطيع أوامره. فأعطت هذه التوليفة أعظم تجربة للتدبير والإدارة في تاريخ الدول.

سأتطرق في هذا العرض إلى بعض أوصاف الرسول، صلى الله عليه وسلم، فهي لا تحصى مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4 ).

ولعل من أعظم أخلاق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه؛ الإيثار. يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9). في هذه الآية ربط الله تعالى الإيثار بالفلاح. ومعلوم أن الفلاح أرقى من النجاح. إذا كان النجاح يقتصر على الدنيا فالفلاح يشمل الدنيا والآخرة.

أثبتت دراسة حديثة قام بها مكتب الدراسات الأمريكي كاتاليست سنة 2014 وشملت 1500 أجير من ست بلدان (أستراليا، الصين، ألمانيا، الهند، المكسيك والولايات المتحدة) أن هؤلاء الأجراء يشعرون باندماج أكبر ويتميزون بكفاءات أعلى كلما كان رؤساءهم أو قادتهم يتصفون بالإيثار. وأثبتت هذه الدراسة أن هذا النوع من القيادة يتميز بأربع صفات: التواضع، توفير فرص التعلم للمساعدين، الدفاع على المصلحة العامة، وتحميل المسؤولية للمساعدين عن طريق التفويض.

وهنا أستحضر آية من كتاب الله تعالى تقدم بكلمات طيبة وجميلة وصفة عظيمة للريادة وحسن القيادة. يقول الله، عز وجل، مخاطبا رسوله، صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: 159).

في هذه الآية يمتن الله على رسوله أنه برحمته لين قلبه للمؤمنين. ويخبر الله تعالى رسوله، صلى الله عليه وسلم، أنه لو كان فظا غليظ القلب لانصرف المؤمنون من حوله وتفرقوا عنه. ويأمره بأن يعفو عنهم وأن يستغفر لهم ذنوبهم. وفي هذا الترتيب بين العفو والاستغفار آية لابد أن نقف عندها؛

 فالعفو يكون في الدنيا ويصدر من الإنسان، أما الغفران فيكون في الآخرة والله وحده من يغفر الذنوب. والعفو في الدنيا لا يضمن الغفران في الآخرة. وعلى كل إنسان أن يذكر هذه الحقيقة. ويأمر الله تعالى رسوله، صلى الله عليه وسلم، بأن يشاور أصحابه في الأمر. وهذا ما يسمى في لغة العصر المقاربة التشاركية أو الديمقراطية التشاركية التي تمكن من بلورة ما يمكن أن نصطلح عليه بالذكاء الجماعي. إلا أن المقاربة التشاركية قد تؤدي إلى تعطيل مسلسل القرار، ولهذا أمر الله تعالى رسوله، صلى الله عليه وسلم، بأن يعزم ويتوكل على الله. ويبشر، سبحانه، المتوكلين عليه بأنه يحبهم، وما أسعد من أحبه الله.

يعتبر التواضع من أهم صفات الريادة؛ وكما جاء على لسان المسؤول الأول عن الموارد البشرية لدى مؤسسة جوجل: “المطلوب من الإطار القيادي ليس فقط إظهار التواضع بترك مساحة للآخرين، والسعي إلى حل المشاكل بشكل جماعي، بل أريد منه نوعا من أنواع التواضع الفكري الذي بدونه من المستحيل أن يتعلم”.

والتواضع عند القائد المؤمن يترسخ في نفسه بدرجة أعلى كلما أدرك ضعفه أمام عظمة الخالق، سبحانه وتعالى، وتتجلى هذه العظمة في آية الكرسي وهي الآية رقم 253 و254 من سورة البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وهي آية جليلة لما احتوت عليه من المعاني العظيمة؛ من توحيد لله، تبارك و‏تعالى، وإثبات لعلمه المحيط بكل شيء، وإثبات أن الله تعالى لا يعتريه عجز ‏و لا سِنة ولا نوم.

ومن أسرار هذه الآية العظيمة أيضا، كونها تخبرنا بشروط الشفاعة التي ذكرها كتاب الله في عدة آيات.

وربط كتاب الله الشفاعة بالعرش والتدبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (يونس: 3).

والشفاعة لله وحده كملك السماوات والأرض، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزمر: 41).

إذا كانت الشفاعة لا تعني التفويض بالمفهوم البشري؛ لأن الله، سبحانه وتعالى، غني عن العباد، فإنها من الفضائل التي ينعم الله بها عما شاء من عباده، رغم أنها له وحده سبحانه وتعالى. وشروط الشفاعة قد تفيدنا في تحديد شروط التفويض الذي يلجأ إليه القائد، كما سبق أن أشرت إلى ذلك، لتحميل المسؤولية إلى مساعديه.

تبدأ هذه الآية العظيمة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: 253-254). في هذا الجزء من الآية يذكرنا الله، جل جلاله، بأنه لا شريك له، حي لا يموت، لا يصيبه نعاس ولا نوم، يملك كل شيء، ويمنح الشفاعة لمن يشاء بإذنه سبحانه وتعالى.

فماذا يمكن للقائد، وهو العبد الضعيف، أن يستفيد من هذا الجزء من الآية، وهو ليس المرشح الوحيد لتحمل المسؤولية، له شركاء وله منافسين، ويستمد سلطته من الغير، يتعب ويمرض ويموت، وهو عاجز على القيام بكل المهام لوحده، ولا يستطيع أن يكتفي بذاته لسد كل حاجياته، يصيبه النعاس والنوم، ولا يملك شيئا. فأول درس لكل قائد مهما كانت سلطته أن يعي ضعفه ويتواضع ويدرك بأنه بحاجة إلى مساعدين يجب أن يفوض إليهم ما يكفي من سلطة للقيام بمهامهم. ومن هنا تأتي الآية الأولى في شروط التفويض.

الآية الأولى: التفويض حتمي وليس اختياري

الدرس الثاني هو أن يكون هذا التفويض بالإذن أي بطريقة رسمية واضحة؛ تحدد موضوع التفويض، والصلاحيات، والأجل، وكل التفاصيل التي ستساعد المفوض إلى إدراك واضح لمسِؤولياته والقيام بهامه أحسن قيام. ومن هنا تأتي الآية الثانية في شروط التفويض.

الآية الثانية: وجوب التفويض بطريقة رسمية

في الجزء الثاني من الآية، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. السؤال على من يعود الضمير في قوله سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؟ أليسوا أولئك المقصودين بالشفاعة في قوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ الجواب يشير إليه قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ. وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ. لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء: 25-28).

من الأرجح، إذن، أن يعود الضمير على﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾. وهذا التأويل لا يتناقض لأن ألله هو علام الغيوب، وهو الذي يعلم كل شيء عن جميع أهل السماوات وأهل الأرض، وهم لا ‏يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء سبحانه.

إن الإشارة في نفس الآية إلى تفضل الله، سبحانه وتعالى، بتعليمنا مما شاء من علمه، وتفضله بالشفاعة على من يشاء من عباده، تذكير من رب العالمين بأن اختياره لمن يشاء من عباده يكون على علم منه، سبحانه وتعالى، بما بين أيديهم وما خلفهم.

وهنا أيضا يجب على كل قائد أن يعي بضعفه ويتواضع، وهو لا يكاد يعلم عن المفوض إليه شيئا سوى سيرته الذاتية في بضع سطور أو صفحات. فمن واجب كل قائد أن يجتهد أقصى ما يمكن، بكل ما أوتي من علم وإمكانيات واللجوء إلى مساعدة الخبراء والمتخصصين، لكي يتأكد من كفاءات وأخلاق المفوض إليه وقدرته على تحمل المسؤولية التي ستفوض إليه. ومن هنا تأتي الآية الثالثة في شروط التفويض:

الآية الثالثة: وجوب التأكد من أهلية وقدرة المفوض إليه على تحمل المسؤولية

ويفيد هذا الجزء من الآية أيضا، أنه من واجب القائد أن يسهر على التكوين المستمر للمفوض إليه، وأن يؤطره باستمرار، وأن يزوده بالمعلومات الضرورية حسب الحاجيات بدون إفراط ولا تفريط. وفي هذا الباب تجدر الإشارة إلى صعوبة يواجهها يوميا كل قائد في تحديد المعلومات التي يجب أن تعطى إلى المفوض إليه والمعلومات التي يجب عليه أن يحافظ على سريتها. وهنا أيضا يجب على القائد أن يعي بضعفه ويتواضع أمام قدرة الخالق الذي يحيطنا بما شاء من علمه بقدر معلوم ودقيق. وهنا تأتي الآية الرابعة في شروط التفويض:

الآية الرابعة: وجوب توفير التكوين المستمر للمفوض إليه، وتأطيره وتزويده بالمعلومات الضرورية حسب الحاجيات

في الجزء الأخير من الآية يقول سبحانه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. وهنا يذكرنا الله، عز وجل، بأن ملكه وسع السماوات والأرض وهو قادر على حفظهما في جميع الأحوال مهما تفضل على عباده من شفاعة أو علم مما شاء من علمه. ويفيد هذا الجزء من الآية أن القائد يبقى دائما مسؤولا عن الصلاحيات التي يفوضها إلى مساعديه. وهذا طبعا لا يمنعه من محاسبتهم. ومن هنا تأتي الآية الخامسة والأخيرة والأهم في شروط التفويض؛ ومفادها أن التفويض لا يلغي المسؤولية عن القائد.

الخاتمة

وفي الختام، أذكركم ونفسي بما جاء في سورة العصر من آيات رائعة ما أحوجنا إلى استحضارها كل وقت وحين، فرديا وجماعيا.

بسم الله الرحمان الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

فالعصر الذي أقسم الله به في هذه السورة، قد يكون الوقت المحدد لصلاة العصر حتى نتذكر هذه الآيات ونحن نباشر عملنا العادي كل يوم، وقد يكون أيضا بمعنى الزمان الذي نعيشه، حتى نتذكر آيات هذه السورة في كل محطة ونحن نواجه مستجدات العصر.

فما أحوجنا ونحن في العصر الرقمي أن نتذكر أهمية القيم الأخلاقية في عالم الاقتصاد. فمنطق الربح الذي يطغى على المنظومة الحالية أدى إلى آفات عديدة أشرت إلى بعضها في بداية العرض. الربح ليس هو الفائض الذي نحصل عليه بمنطق محاسباتي. فهذا النوع من الربح تكاثر قد يكون سببا للخسران المبين. والربح الحقيقي كوثر لا يتوفر إلا للذين آمنوا بالله وبالرسالة التي جاء بها نبينا، صلى الله عليه وسلم، وعملوا الصالحات لتأدية هذه الرسالة أحسن أداء، وتواصوا بالحق بما في ذلك العمل على احترام وتطبيق القانون والمساهمة في تعزيز وتقويم ما يعرف كونيا بحقوق الإنسان، وتواصوا بالصبر حتى يتحملوا مشاق مسؤولية أداء الرسالة المحمدية وحتى لا يواجهوا الباطل بالباطل.

وهذه هي القيم التي يجب أن نزرعها في نفوس أبنائنا وبناتنا حتى نجعل منهم مواطنين صالحين في كل مناحي الحياة.

أسأل الله اللطيف الخبير أن يهدينا ويجعلنا أمة وسطا قادرة على توصيل الرسالة المحمدية للعالمين، مصداقا لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

اظهر المزيد

د. محمد حوراني

عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي،

ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب سابقا/الدار البيضاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق