مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات عامة

كتاب: أخلاق العلماء للآجري (تعريف وتوصيف)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛

     فيعد كتاب: أخلاق العلماء للآجري كتابا عظيم القدر، كثير النفع، رفيع المنزلة، خصه مؤلفه رحمه الله لموضوع الأخلاق ، فجاء الكتاب فريدا في بابه، جامعا للقيم والأخلاق في موضوعه، ومؤلفه يعد من الشهرة بمكان؛ فهو العالم الحافظ محمد بن الحسين بن عبد الله، المكنى بأبي بكر الآجري و(الآجُرِّي): بفتح أوله ممدودا، و ضم الجيم، وكسر الراء المشددة، نسبة إلى قرية من قرى بغداد يقال لها: (الآجُر)، ودرب الآجُرِّ : محلة كانت ببغداد من محال نهر طابق بالجانب الغربي، يسكنها غير واحد من أهل العلم، و هو الآن خراب قاله ياقوت الحموي في معجم البلدان. ([1])

ولد الآجري سنة (280 هـ)، ببغداد([2])،وكان رحمه الله من المحدّثين في بغداد قبل أن يهجرها إلى مكة؛ حيث أقام وحدث ببغداد إلى سنة ثلاثين وثلاثمائة (330 هـ)، تعلم بها وعلَّم، ثم انتقل حاجا إلى مكة سنة ثلاثين وثلاثمائة (330 هـ)، فأقام بها ثلاثين عاما حتى كانت وفاته بها سنة ستين وثلاثمائة (360هـ).

للآجري مؤلفات عدة، وقد عد بعضهم ما يقرب من ثمانية وثلاثين كتابا، ومن أشهرها كتابه : أخلاق العلماء؛ وهو كتاب كما يدل عليه عنوانه يضم مجموعة من التوجيهات والنصائح التربوية الأخلاقية التي ينبغي مراعاتها في ذلك، لصنفين من أهل العلم : صنف المتعلمين ، وهم طلبة العلم، وصنف العلماء، وقد مكنت منزلة المؤلف في الفقه والحديث من أن يتصدى لمثل هذا الموضوع، وقد استهله بمقدمة بين فيها فضل أهل العلم على من سواهم، منوها بمنزلتهم،  ومذكرا بفضائل مهماتهم، مستدلا في ذلك بنصوص من الكتاب والسنة. 

وخصص الباب الأول للحديث عن فضل العلماء في الدنيا والآخرة، مستدلا بما جاء في ذلك من السنن والآثار بأسانيدها تختلف في درجتها، فيها الصحيح، والحسن، وما دون ذلك، وغالبية هذه الأحاديث والآثار موجودة في كتب السنة المعتبرة، وما يميزها أن كثيرا منها جاء مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضها جاء موقوفا على الصحابي؛ كأبي الدرداء وسلمان الفارسي، وكعب، ومعاذ بن جبل، -رضي الله عنهم- وغيرهم.

وللمؤلف رحمه الله بعض التعليقات المفيدة على الآثار المستشهد بها من حيث موضوعها؛ حيث ذكر فيها فضل أهل العلم، وفضل مجالستهم، وفضل مذاكرة بعضهم لبعض، وكذا فضل من تعلم منهم العلم وعلموه، وهو من الخير الذي جمعه الله تعالى للعلماء، وختم الباب بقوله: “قد اختصرت من فضل العلماء وما خصهم الله عز وجل به على سائر المؤمنين ما فيه بلاغ لمن تدبره..” ([3]) ثم قال: “فمن تدبرها من أهل العلم رجع إلى نفسه، فإن كان منهم شكر الله عز وجل على ما خصه به، وإن لم تكن أوصافه منهم، وكان ممن علمه حجة عليه استغفر الله عز وجل ورجع إلى الحق من قريب والله ولي التوفيق”([4])

وأما الباب الثاني من الكتاب فقد خصصه للحديث عن بعض أوصاف العالم التي تليق بمقامه والتي ينبغي أن تتوفر فيه، فذكر صفته في طلب العلم ولها داعيان: الأول داعي ديني وهو أن يعلم أن الله عز وجل فرض عليه عبادته، وأن العبادة لا تكون إلا بالعلم، والثاني:  أن يعلم أن المؤمن لا يحسن به الجهل، لأن عبادة الله تعالى تستلزم معرفة مراده تعالى وهذا لا يكون إلا بالعلم وطلبه، ثم ذكر صفة العالم في مشيه إلى العلماء، فذكر فيه مكسبان؛ الأول: حين يكون منفردا فيكون للقرآن تاليا، وبالذكر مشغولا، وتارة يحدث نفسه بنعم الله تعالى عليه، ويستعيذ بالله من شر سمعه وبصره ولسانه ونفسه وشيطانه، والثاني: حين يكون مع الصاحب أو الرفيق؛ فإما أن يكون مع صاحب يتعلم منه خيرا إن كان أعلم منه، أو صاحب هو مثله في العلم فيذاكره العلم لئلا ينسى ما لا ينبغي أن ينساه، أو صاحب دونه في العلم فيعلمه من وجوه الخير التي يعلمها، وفي هذه الحالات كلها ينبغي له أن يتحلى بالوقار والأدب والخصال الحميدة. ثم تلاه بذكر صفة مجالسته للعلماء وذكر فيها مجموعة من الخصال الرفيعة منها: التحلي بالأدب مع العلماء، والتواضع لهم، وخفض الصوت عند صوتهم، ولا يسألهم إلا بخضوع، ويكون أكثر سؤاله لهم عن علم، مبينا في سؤاله أنه فقير إلى علم ما يسأل عنه، فإن استفاد شيئا شكرهم على ذلك، وإن غضبوا عليه لم يغضب، وإن أخطأ في حقهم رجع واعتذر، لا يَضجُرُهم في السؤال، ولا يكثر معهم المناظرة والجدال، ولا يماري السفهاء، ويحسن التأني لهم مع توقيره لهم. ثم ذكر بعد ذلك صفته إذا عُرف بالعلم واشتهر به بين الناس أن يتخلق بخلق التواضع سواء لمن هو أعلم منه، وكذا لمن هو مثله، ولمن هو دونه، وعليه أن يحفظ علمه ويصونه، فلا يطلب به شرف منزلة، ولا يأخذ عليه ثمنا، ولا يستقضي به الحوائج، ولا يقرب أبناء الدنيا، ويباعد الفقراء ويتجافى عن أبناء الدنيا  وإن كان له مجلس، فعليه أن يُلزم نفسه حُسن المداراة لمن جالسه، والرفق بمن سأله ؛ لأن في  المجالس من يكون ذهنه بطيئا عن الفهم ، وفيهم من يجهل عليه بظلم أو جهل ، وفيهم من يخوض فيما لا يعنيه ، وفيهم من يتخطى المجلس بسوء خلق، وهؤلاء كلهم يحتاجون من العالم الصبر، والحلم، وخفض الجناح …،وعليه في جوابه على أسئلة من سأله أن يبدي لهم ما جهلوا، لا يعنفهم ولا يزجرهم، وعليه أن يتجنب الدخول في مسائل الخلاف، وأن لا يجيب إلا بما يعلم ، فإن كان لا يعلم قال:  “لا أعلم”، وأن يجيب من الكتاب والسنة والإجماع ، وعليه أن يسأل من هو أعلم منه، أو مثله حتى ينكشف له الحق ، ويحذر من المسائل المحدثات في البدع ،  و لا يجالس أهل البدع ولا يماريهم، يأمر  بالإتباع وينهى عن الابتداع ، لا يجادل العلماء ولا يماري السفهاء . ثم أتبع ذلك بذكر  صفة مناظرة العالم؛ فلا يجادل ولا يماري، ولا يغالب بعلمه إلا من يستحق أن يغلبه بالعلم، كأن يكون من أهل الزيغ ليدفع بحقه باطل من خالفه الحق، وهذا على جهة الاضطرار لا الاختيار ، وساق المؤلف في موضوع هذه الصفة أحاديث مسندة كلها في ذم المِراء والجدال. ثم تحدث المؤلف بعد ذلك عن ذكر أخلاق العالم ومعاشرته لمن عاشره من سائر الخلق؛ فأورد فيه كلاما نفيسا وخصالا جليلة منها: العفو، والصفح، وكظم الغيظ عن من آذاه، ومجانبة المراء والجدال، وأن لا يكون حسودا، ولا حقودا، ولا سفيها، ولا طعانا، ولا لعانا، ولا مغتابا، وأن يكون سليم القلب بأن يغلب عليه حسن الظن بالمؤمنين، ولا يحب زوال النعم على أحد من العباد، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة، ثم تحدث بعد هذا عن أخلاق أخرى للعالم فيما بينه وبين ربه؛ ومن أبرز الصفات التي ذكرها المؤلف له: الشكر، والذكر ، والمناجاة، والاستغناء بالله والافتقار إليه، ومحاسبة النفس ، ومراجعتها كلما زاد علما ، والتأدب بالقرآن والسنة، وعدم منافسة أهل الدنيا في عزهم، والمشي على الأرض هونا ، وقد استشهد الآجري عن ما ذكره بآيات من كتاب الله ، وبأحاديث وآثار مسندة إلى الصحابة والتابعين  رضي الله عنهم.

وفي باب آخر  في الكتاب خصه الآجري  بحديثه عن سؤال الله تعالى عن علم العلماء ماذا عملوا به من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال؛ عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه”([5]ثم ذكر في الموضوع آثارا أخرى وكلها في التذكير بسؤال الله تعالى للعلماء على العلم، وفي حثهم على العمل بالعلم.

ونجد في هذا الكتاب كتابا آخر مضمنا فيه، وهو في أخلاق العالم الجاهل المفتتن بعلمه؛ حيث ذكر فيه مؤلفه مجموعة من الأحاديث والآثار المسندة وكلها في ذم العلماء الجهال الذين افتتنوا بعلمهم، والخصال المشينة التي يتصف بها العلماء الذين يعد علمهم حجة عليهم يوم القيامة. ثم ختم حديثه بذكر  بعض أوصاف من لم ينفعهم الله بعلمهم. 

ومن مزية هذا الكتاب أنه كتاب مسند ساق فيه مؤلفه الروايات والآثار بأسانيدها،.هذا بالإضافة إلى التأصيل وسهولة العبارة، فهو حينما يذكر جملة من الأوصاف والآداب التي ينبغي أن يتصف بها العالم فإنه أحيانا يذكر ما يدلل على ذلك من الكتاب والسنة.

فرحم الله الآجري رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

هذا ما تيسر لي ذكره في هذا الموضوع، وأسأله تعالى أن ينفع به، ويذخر لي أجره يوم لقائه.  وصل الله على نبينا المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى.

 والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

*****************

هوامش المقال:

([1])  انظر معجم البلدان (1 /51).

([2])  انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (2 /243)، طبقات الشافعية (3 /149)، سير أعلام النبلاء (16 /133 فما بعدها)، وغيرها.

([3])  انظر : أخلاق العلماء (ص: 45).

([4])  انظر : أخلاق العلماء (ص: 45).

([5])  أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (7 /125).

*******************

لائحة المراجع المعتمدة:

أخلاق العلماء. أبو بكر محمد بن الحسين الآجري. مراجعة وتعليق وتصحيح: إسماعيل بن محمد الأنصاري. قام بمقابلة الكتاب: عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ وإسماعيل بن محمد الأنصاري.  ط 1398- 1978. رئاسة إدارة البحوث  العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية.

تاريخ بغداد. أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي. دار الكتب العلمية – بيروت. (د. ت).

سير أعلام النبلاء. شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. حققه وخرج أحاديثه: شعيب الأرنؤوط- محمد نعيم العرقسوسي. مؤسسة الرسالة بيروت. ط 11/ 1417-1996.

طبقات الشافعية الكبرى ـ تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي. تحقيق : د. محمود محمد الطناحي- د.عبد الفتاح محمد الحلو. ط2/ 1413هـ. دار هجر.

المصنف في الأحاديث والآثار. أبو بكر ابن أبي شيبة. تحقيق: كمال يوسف الحوت. مكتبة الرشد – الرياض.  ط 1/ 1409.

معجم البلدان. أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي. دار الفكر – بيروت. (د.ت)

*راجع المقال الباحث محمد إليولو

Science
اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق