مركز الدراسات القرآنيةدراسات عامة

قوانين الإصلاح في فكر الحجوي الثعالبي

مقدمة:

إن مفهوم الإصلاح أصيل متجذر في الثقافة الإسلامية ومن صميم الدين وجوهره حتى إن مقاصد الشريعة تقوم على فكرة الإصلاح جلبا وبحثا عنه وعلى الإفساد دفعا وإبعادا له، على اعتبار أن النص الشرعي نفسه يدعو إليه يقول تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [سورة الأعراف، آية: 55] ويقول أيضا على لسان نبيه هود عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [سورة هود، آية: 88] لذلك اهتم به العلماء والمفكرين شرقا وغربا سعيا منهم لإيجاد إصلاح يمكن للأمة من خلاله تحقيق الشهادة على الناس، غير أن تقويم التجارب الإصلاحية السابقة أخذت الشيء الكثير من الاهتمام العلمي لدى الباحثين المهتمين بالإصلاح ودراسة مساره في التاريخ الإسلامي، ويبقى منهج مقاربة ودراسة الفكر الإصلاحي محكا أساسيا، إذ لا يكفي استعراض التجارب والوقوف عند الانجازات الفكرية لأصحابها، بقدر ما ينبغي على الباحث الانصراف إلى قراءتها، قراءة نقدية تفاعلية تربط الأسباب بالمسببات.

إذا تتبعنا الكرونولوجية التاريخية للإصلاح في العالم الإسلامي سنلاحظ انه كان ثمة تقاطع وتشارك بين النماذج والحركات الإصلاحية، وكان ذلك التواصل والاستمداد والإمداد والاستفادة رغم البعد الجغرافي نعم، ـ يقول الأستاذ شبار ـ كانت لبناته الأولى في المشرق أي هناك كانت البدايات، لكن كمالاته وثماره كانت انضج وأينع في الغرب الإسلامي.

ولهذا السبب اخترت قراءة تجربة الفقيه المصلح الحجوي الثعالبي للوقوف على نموذج من نماذج الإصلاح في الغرب، وذلك بالمنهج الاستكشافي التفاعلي، بعد وضعها في سياقها التاريخي ثم محاولة فهم المداخل الإصلاحية التي قدمها، لاكتشاف القوانين التي اعتمدها في مشروعه الإصلاحي كل هذا برؤية نقدية تفاعلية، وما توفيقي إلا بالله.

والحجوي فريد نوعه بين المفكرين المغاربة المعاصرين فقهاء وإصلاحيين ذلك أن أبعادا ثلاثة اجتمعت في شخصيته مكونة رؤيته الإصلاحية ونظراته التجديدية:

البعد الأول: انتماؤه إلى أسرة عرفت باشتغالها في التجارة داخل المغرب وخارجه وخاصة في مدينة مانشستر البريطانية، والحجوي نفسه امتهن التجارة وتمرس فيها منذ شبابه.

البعد الثاني: كونه موظفا مخزنيا عرف آليات الحكم ومارسها متقلبا في مناصب رفيعة عدة، اخصها وزارة التربية والتعليم ثم وزارة العدل لسنوات عدة.

البعد الثالث: أنه فقيه مجتهد غزير التأليف والتي من أشهرها كتابه «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي» الذي طبع مرات عديدة وتداولته الأوساط العلمية المعاصرة دراسة وإحالة وتمعنا، باختصار فإن قراءة الحجوي تجعلنا أمام صورة عجيبة ومثيرة، بل ونادرة من حيث قوة الوعي بها، تلك هي صورة الفقيه ـ التاجر التي يوجد فيها، جنبا إلى جنب، السلفي المتنور، واللبرالي المتمسك بالفكر السلفي.

وقد تتبعت في بحثي هذا ـ بعد المقدمة ـ الخطوات الآتية:

المبحث الأول: ترجمة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي.

المبحث الثاني: الإطار التاريخي لتجربة الحجوي الإصلاحية.

المطلب الأول: الحالة السياسية.

المطلب الثاني: الحالة الاقتصادية.

المطلب الثالث: حالة التعليم والصحة.

المبحث الثالث: قوانين الإصلاح عند الحجوي الثعالبي.

المطلب الأول: قانون التعليل.

المطلب الثاني: قانون التجديد والاجتهاد وفق روح الشريعة ومقتضيات العصر.

المطلب الثالث: قانون التيسير وعدم التضييق.

المطلب الرابع: قانون الواقعية.

المطلب الخامس: قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المطلب السادس: قانون التدرج.

المطلب السابع: التعاضد المتين بين العقل والعلم والدين.

ثم خاتمة.

المبحث الأول: ترجمة محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي

 تعتبر مصادر ترجمته رحمه الله قليلة بالنظر إلى المالكية المتقدمين، ولكنه رحمه تنبه لهذا الأمر فترجم لنفسه اقتداءا ـ على حد قوله ـ بالنبي صلى الله عليه وسلم، يقول في القسم الرابع من كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي: «هذه الترجمة المخجلة التي أقصد بها إظهار حقيقة من حياتي ربما لا يعرفها غيري كما أعرفها أنا وإني لأشعر بعبء ذلك على كاهلي، ولكني لا أجد منه بدا..».

وقد بين جوانب من حياته يراها مهمة أكثر من غيرها، وسأحاول أن ألخص هذه النقاط على الشكل التالي:

نسبه: هو محمد بن الحسن بن العربي بن محمد بن أبي يعزى بن عبد السلام بن الحسن الحجوي الثعالبي الجعفري الزينبي التازي.

مولده: ولد رحمه الله يوم الجمعة رابع رمضان المعظم عند النداء لصلاة الجمعة سنة 1291هـ (الموافق لـ 1874م) كما وجد بخط والده رحمه الله، ويقول رحمه الله: «ومسقط رأسي فاس وبها قرأت وتعلمت، وبأدب أهلها تأدبت وسكنت مكناسة الزيتونة سنتين ونيفا، ثم وجدة ثلاث سنين …»، ثم سكن مراكش فالرباط وكان لجدته وأمه الاثر الكبير في تربيته وأخلاقه، وعلى هذه النقطة ركز كثيرا في ترجمته مشيرا إلى أن حياة الانسان كلها هي نتيجة هذه المرحلة.

تعليمه: درس على والده دروس العقائد السنية السلفية، والفقه والتاريخ والسير، والشمائل، وتلقى القرآن على الفقيه الزاهد البارع سيدي محمد بن عمر السودي حفيد الشيخ التاودي، ثم على الفقيه الصالح سيدي محمد بن الفقيه الورياجلي المقرىء، ثم دخل القرويين سنة 1307هـ ودرس على شيوخها وفي سنة 1316هـ حصل على إذن من شيوخه بالقاء الدروس في القرييين، وقد تولى إدارة المعارف ـ التعليم ـ ثم العدلية في عهد الحماية، وسفير المغرب بالجزائر وغيرها من المهام.

عقيدته: يقول رحمه الله: «وأما عقيدتي فسنية سلفية، اعتقد عن دليل قرآني برهاني ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الراشدون، مالكي المذهب لما قام دليل».

آثاره العلمية: تميز الحجوي بغزارة التأليف فقد ترك أزيد من عشرة ومائة مؤلف بين صغير وكبير شملت مختلف المجالات العليمة والمعرفية، فقد كتب في الفقه والحديث والسيرة والتوحيد والتصوف، وفي الأدب واللغة والتاريخ والسياسة، وفي الدفاع عن الإسلامي، والرحلات والاقتصاد والطب والموسيقى وغيرها. وأكثرها شهرة كتابه «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي»، وإن كان الغالب الأعم من مؤلفات الحجوي لا يزال بعد مخطوطا، بعضها لم ينظم حتى الآن التنظيم الكفيل بتيسير الوصول إليه وتسهيل الافادة منه.

وتميز منهج الحجوي في التأليف «بالدقة والتمحيص في الخطأ والصحيح، وعند تناوله لموضوع معين، يبدأ بالتعريف بالمصطلح، ويقدم نبذة تاريخية عن الكلمة، ويذكر أحيانا من سبقه إلى الموضوع، ويورد مصادر أفكاره ويعلق عليها أحيانا ويبدي رأيه ويصحح بعضها».

حاول الحجوي من خلال هذه المؤلفات بلورة مشروعه الإصلاحي وإبراز آرائه في مختلف القضايا والأحداث التي عرفها المغرب في هذه الفترة.

المبحث الثاني: الإطار التاريخي لتجربة الحجوي الثعالبي الإصلاحية

يقول عبد المجيد النجار: «إن كل حركة تغيير لا تفهم حق الفهم في مقولاتها ومنهجها إلا بفهم الواقع الذي نشأت فيه وهدفت إلى تغييره، ذلك لان التغيير يبتدئ بنقد الواقع نقدا يفضي إلى الحكم عليه كليا أو جزئيا بالبطلان… ولذلك فإن الوقوف على مناهج التغيير في أي حركة، وفهمها جيد الفهم لا يتأتى إلا باستيعاب عناصر الواقع الذي هدفت إلى تغييره، والنفاذ إلى حقيقته في مختلف الصور».

وفي هذا الإطار لابد من استحضار الاوضاع التي كانت تؤطر تجربة الحجوي الإصلاحية، والواقع الذي كان مسرحا لتلك التجربة.

المطلب الأول: الحالة السياسية

يصف الحجوي الحالة  بالضعف العام «فالنظام الذي تسير به الدول الإسلامية من أقدم أعصرها كان هرم ونخرت عظامه وتشوه وجهه بالأخلاق السافلة الفاشية»، وأحد النتائج المباشرة لذلك في المغرب هي أن السلطان يضطر لتولية الجاهلين فلا يحسنون: إذ لا علم، ولا نظام يردعهم، ولا وازع من الأخلاق يعظهم، والنظام الذي أسسته الدول العصرية، وسرى مفعوله في العالم، وسمعته حتى حيتان البحر وطيور الجو وأسد الاجام وتشوقت إليه، لا وجود له، ولم تتوافر في المغرب أسبابه ومعداته.

فبعد وفاة الملك المولى الحسن الأول، تولى الحكم المولى عبد العزيز الذي أحاط به وزراء جهال وحكام أوصلوا البلاد لحالة من التفكك والضعف ما جعلها مطمعا ومرمى للاستعمار نفس الأوضاع تكرست عقب عزل عبد العزيز ومبايعة أخيه عبد الحفيظ من بعده  فالأمر زاد جورا واختلالا وفوضى.

لكن مظاهر التفكك لم تكن حالة الدولة وحدها ولا حال مؤسساتها فحسب، بل كان الشأن كذلك في الرعية كما وصفها الحجوي بقوله: «رعية  جاهلة بسيطة الفكر»، وصل بها الأمر لما أسماه مالك بن نبي  بالقابلية للاستعمار وهاهو الحجوي يصف المشهد قائلا: «بل إن المغاربة لما رأوا الجنود الفرنسيين مقبلين نحو فاس، مدينتهم الدينية وعاصمتهم السياسية، أفرجوا لها عن الطريق» تيمنا «بعدل فرنسا وقوة نظامها فعشقت ذلك ومالت إليه بكلية جمهورها ونفضت من فكرها كل تعصب ديني أو جنسي» و«هكذا استولت فرنسا على جميع إدارات البلاد: عسكرية ومالية وعدلية وغيرها بمجرد الاحتلال، وما ثم لها عقد الحماية حتى تم لها جميع التصرف وتعاقب الحكام الفرنسيون المباشرون أم المقيمون العامون على الحكم الاداري والعسكري والقضائي..».

المطلب الثاني: الحالة الاقتصادية

يصف حسن أحمد الحجوي الحالة الاقتصادية قبيل موت السلطان مولاي الحسن قائلا: «شوهد تراجع إي انتاج وتسويق أصناف السلع والمواد وظهور فتور محسوس في أنواع الحرف والصناعات التي كان يمارسها أهل المدن الكبيرة كفاس ومكناس، وذلك بسبب الظروف السياسية والأمنية القاسية التي كانت تعيشها البلاد، أضف إلى ذلك أن العلاقات بين المدينة والبادية لم تكن دائما تبعث على الاطمئنان بسبب الغارات التي تشنها القبائل على الأسواق القروية التي كان يؤمها أهل المدن لنهب ما يتواجد بها من بضائع ومواد غذائية وذلك نتيجة ضعف الدولة… ناهيك عن انتشار المجاعة بسبب السنوات العجاف … وهذا ما ساق الناس إلى الانفتاح على التجارة الأجنبية مما مهد السبل للدول الأوربية لإقامة مراكز تجارية بالشواطئ المغربية تمهيدا للتسرب داخل البلاد».

إذا فالسمة العامة التي اتسم بها اقتصاد البلاد هي الضعف العام والفوضى العارمة وهذا ما حدا بالحجوي إلى القول بأن النظام الذي هو أساس مدنية الغرب ورقيه وحداثته له اصوله في الشريعة الإسلامية، يقول بهذا الصدد: «الاسلام جاء بالنظام وأن حقيقة شريعة الإسلام هي النظام المجتمع العام»، وقد ألقى محاضرة في الموضوع تحت عنوان «النظام في الإسلام» ضمن المسامرات التي كانت تشرف عليها الحماية الفرنسية بالمعهد العلمي بالرباط من سنة 1924م، وفي هذه المحاضرة حاول الحجوي أن يثبت أن الشريعة مرادفة  للنظام وهو بذلك يرد على من يقول «بأن الاسلام لم يعرف النظام بل إن نظام الإسلام عنده مبني على أمتن الأصول وأثبتها».

المطلب الثالث: حالة التربية والتعليم والصحة

 لم يكن للمغرب نظام تعليمي بالمعنى الصحيح فقبل أن تبدأ المؤسسات الأولى للنظام المدرسي العصري في الخروج إلى الوجود، كان النظام  التعليمي والتربوي التقليدي في المغرب ما يزال مغلقا على نموذجه الموروث، معيدا إنتاجه في الحواضر وفي البوادي.

أما جامعة القرويين التي كانت تحتل دورا علميا مرموقا في عصورها المتقدمة فقد آلت إلى كبوة انحطت معها درجة العلوم والمعارف فيها في فترة أصبح للعلم والمعرفة في أوروبا الدور الحاسم في التقدم الحضاري.

أما الحالة الصحية فنترك جان سيرماي في مؤلفه عن مظاهر الحياة المغربية أمس الحماية الفرنسية يصف لنا أوضاعها: …كثرة المعطوبين وذوي العاهات من المصروعين والعم ، وأصناف المرضى المنتصبين للتسول في جنبات الطرق وأبواب المساجد والأضرحة… وانتشار الأوبئة من طاعون وكوليرا وتيفوس … بل وحتى الجنود كانوا يفتقرون إلى مصلحة طبية ترافقهم في تنقلاتهم العسكرية… وهكذا يتابع الكاتب الفرنسي، ففي بلد كانت جامعة القرويين تستقطب إليها منذ القرن العاشر النخبة المثقفة في العالم الإسلامي حيت تخرج منها أفواج الأطباء من بينهم ابن زهير وابن رشد، أصبحت هذه الجامعة في القرن التاسع عشر عاجزة عن تكوين طبيب ذي مستوى يقارب ولو نسبيا ما وصل إليه الطب في تلك الفترة في البلدان الأوروبية.

 ومن ثمة فإن الحجوي شخص أسباب تأخر الأمة العربية والأمم الإسلامية  وأرجعها إلى الأمية التي هي عنده علة العلل في تأخر الأمة العربية أو الأمم الإسلامية ويرى أن أول داء نبادر بعلاجه وحسم مادته هو ذلك الداء الفعال المخطر داء الأمية… يقول رحمه الله: «ولا سبيل إلى ذلك إلا بتسهيل تعليم القراءة والكتابة وبه زوال غشاوة الأمية عن أبصار الأمة ولن يتم القضاء على هذا العدو الألد إلا بنشر التعليم في جميع أصقاع البلاد وتحصيل العلوم العالية عربية وأوربية من طب وهندسة وطبيعيات وحقوق وميكانيكيات إلخ».

وباختصار أقول إن الحجوي قد جعل التعليم هما وشرطا ضروريا لتقدم المغرب وبلاد الإسلام، وهذا ما يفسر الأهمية التي حظي بها في مشروعه الإصلاحي ككل؛ إذ طالب بنشر التعليم وتعميمه في المدن والبوادي بين الرجال والنساء وبين الأغنياء والفقراء باعتباره حقا لكل إنسان. ودافع عن تعليم مساير للعصر دون التخلي عن أسس الشخصية المغربية الإسلامية، وركز في مشروعه التعليمي على المناهج العصرية، ودعا إلى الاهتمام بالعلوم الطبيعية والرياضيات والى الأخذ بكل جديد نافع والاستفادة من تجارب الأمم الراقية ولذلك أولى أهمية كبرى لتعلم اللغات الأجنبية؛ لأنها أداة الانفتاح وهذا لا يعني التخلي عن العلوم الدينية وإهمال اللغة العربية، بل يجب جعلها لغة حية قادرة على استيعاب التجديد والتحديث.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. موضوع جيد وجدير بالقراءة أستاذة سعيدة لا فض الله فاك.

  2. جزاك الله خيرا استاذتنا الفاضلة هناك اشارة طفيفة ان الاية الكريمة (ان اريد الا الاصلاح ما استطعت ) اظن انها على لسان شعيب وليس هود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق