مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعينأعلام

قصة زيد بن خارجة، رضي الله عنه، الذي تكلَّم بعد مماته

نُعَطِّرُ هذه السطور بترجمة يسيرة لأحد أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، الذين جاهدوا من أَجْلِ دين الله في حياتهم.. فأظهر الله لهم آيات وكرامات بعد مماتهم تدل على أن لهم قدم صدق عند ربهم.

فمَن هو هذا الصحابي الوليّ؟

هو: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري، شهد بدراً، وتوفي في زمن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وهو الذي تكلَّم بعد الموت([1]).

ما هي قصته؟

لم يُشْتَهر ذكرُ زيد بن خارجة في التاريخ قبل مماته.. فلقد كان من الأتقياء الأخفياء الذين إذا حضَروا لم يُعْرَفُوا، وإذا غابوا لم يُفْتَقَدُوا، وكان ممَّن عَنَاهُم الرسول، صلى الله عليه وسلم، بقوله: “إِنَّ أَغْبَطَ الناس عندي عبد مؤمن خَفِيفُ الحَاذِ([2])، ذو حظٍّ من صلاة، أطاع ربه، وأحسن عبادته في السِّرِّ، وكان غامضاً في الناس([3]) لا يُشَارُ إليه بالأصابع، وكان عَيْشُهُ كَفَافاً، قال: وَجَعَلَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يَنْقُرُ بأُصْبُعَيْه، وكان عَيْشُهُ كَفَافاً، وكان عَيْشُهُ كَفَافاً([4])، فَعُجِّلَتْ مَنِيَّتُه([5])، وقَلَّتْ بَوَاكِيهِ([6])، وَقَلَّ تُرَاثُه([7])“، قال أبو عبد الرحمن([8]): سألت أبي قلتُ: ما تراثه؟ قال: “ميراثه”([9]).

إنما اشْتُهر زيد، رضي الله عنه، بعد مماته بآية جَرَتْ له!! وكرامةٍ تَعجَّب لها الناس!!.

روى البيهقي عن سعيد بن المسيِّب: أن زيد بن خارجة الأنصاري، ثُمَّ من بني الحارث بن الخزرج، توفِّي زمن عثمان بن عفان، فَسُجِّي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جَلْجَلَةً([10]) في صدره، ثم تكلم، ثم قال: “أحمد أحمد في الكتاب الأول، صَدَق صَدَق أبو بكر”، الضعيفُ في نفسه، القويُّ في أمر الله في الكتاب الأول..

صَدَق صَدَق عمر بن الخطاب القويُّ الأمين في الكتاب الأول..

صَدَق صَدَق عثمان بن عفان على مناهجهم، مضت أربع وبقيت ثنتان، أتت الفتن، وأكل الشديدُ الضعيفَ، وقامت الساعة وسيأتيكم عن جيشكم خبر.. بئر أَرِيس([11])، وما بئر أَرِيس!.

قال يحيى بن سعيد: ثم هَلَكَ رجل من بني خَطْمَةَ فَسُجِّي بثوبه، فسُمع جَلْجَلَةٌ في صدره، ثم تكلم فقال:

“إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدق.. صدق”([12]).

وروى ابن أبي الدنيا في كتابه “من عاش بعد الموت” عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: جاء يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير، يعني إلى أُمِّه:

“بسم الله الرحمن الرحيم، من النعمان بن بشير إلى أمِّ عبد الله بنت أبي هاشم.

سلام عليك.. فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، فإنك كتبت إليَّ لأكتب إليك بشأن “زيد بن خارجة، وإنه كان من شأنه أنه أخذه وَجَعٌ في حَلْقِه، وهو يومئذ من أَصَحِّ الناس- أو أهل المدينة- فتُوفِّي بين صلاة الأولى([13])، وصلاة العصر، فَأَضْجَعْنَاهُ لِظَهْرِه، وَغَشَّيْنَاهُ بِبُرْدَيْنِ وَكِسَاء.. فأتاني آتٍ في مَقَامِي، وأنا أُسبِّح بعد المَغْرِبِ، فقال: “إنَّ زيداً قد تكلَّم بعد وفاته!!”.

فانصرفتُ إليه مُسْرِعاً، وقد حضره قوم من الأنصار، وهو يقول، أو يُقال على لسانه: “الأوسط أَجْلَدُ القوم، الذي لا يبالي في الله لَوْمَةَ لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قَوِيُّهُم ضَعِيفَهُم، عبد الله أمير المؤمنين صِدْقٌ صِدْقٌ، كان ذلك في الكتاب الأول.

ثم قال: عثمان أمير المؤمنين، وهو يُعَافِي الناس من ذُنُوبٍ كثيرة، خَلَتْ اثْنَتَانِ وَبَقِيَ أَرْبَع.. ثم اختلَف الناس، وَأَكَلَ بعضُهم بعضاً.. فلا نِظَامَ، وَأُبِيحَت الأَحْمَاءُ([14])، ثم ارْعَوَى([15]) المؤمنون، وقالوا: كتاب الله وقدره.

أيها الناس، أَقْبِلُوا على أَمِيرِكُم وَاسْمَعُوا وأطيعُوا، فمن تَوَلَّى فلا يَعْهَدَنَّ دماً، وكان أَمْرُ الله قَدَراً مَقْدُورا، الله أكبر، هذه الجنة وهذه النار.

ويقول النَّبِيُّون والصِّدِّيقون: سلام عليكم.. يا عبد الله بن رواحة، هل أَحْسَسْتَ لي خَارِجَةً لأبيه وَسَعْداً([16]) اللَّذَيْنِ قُتِلاَ يوم أُحد؟

(كلاَّ إنها لَظَى نَزَّاعَة للشَّوَى تَدْعُو من أدْبَر وتولَّى وجَمَع فأَوْعَى)([17]).

ثُمَّ خَفَتَ صوته، فسألتُ الرَّهْطَ عمَّا سَبَقَنِي من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أَنْصِتُوا.. أَنْصِتُوا!!، فنظر بعضنا إلى بعض، فإذا الصوت من تحت الثِّيَاب.

فَكَشَفْنَا عن وجهه فقال: “هذا أحمدُ رسول الله، سلامٌ عليكَ يا رسول الله ورحمة الله وبركاته.. ثم قال: أبو بكر الصديق الأَمِينُ، خليفة رسول الله، كان ضعيفاً في جسمه، قويّاً في أَمْرِ الله، صِدْقٌ صِدْقٌ، وكان في الكتاب الأول”([18]).

وذكر “بئر أَرِيس” كما ذكرنا في رواية ابن المسيِّب.

قال البيهقي: “والأمر فيها أن النبي، صلى الله عليه وسلم، اتَّخَذَ خَاتَماً فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر مِنْ بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع منه في بئر “أَرِيس”، بعد ما مَضَى مِنْ خلافته سِتُّ سِنِينَ، فعند ذلك تغيَّرت عُمَّاله، وظهرت أسباب الفتن، كما قيل على لسان “زيد بن خارجة”([19]).

قال الحافظ ابن كثير، رحمه الله تعالى: “قُلْتُ: وهي المرادة من قوله: مَضَت اثنتان وبقي أربع، أو مضت أربع، وبقي اثنتان، على اختلاف الرواية، والله أعلم”([20]).

قال البيهقي: وقد رُوِيَ في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة([21])، والله أعلم.

قال ابن تيمية: “وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتِّبَاع الرسول، صلى الله عليه وسلم، فهي في الحقيقة تَدْخُلُ في معجزات الرسول، صلى الله عليه وسلم، مثل: انشقاق القمر، وَتَسْبِيح الحصا في كفِّه، وإتيان الشجرة إليه، وَحَنِينِ الجِذْعِ إليه..”([22])، ثم ذَكَرَ، رحمه الله تعالى، طرفاً من كرامات الأولياء، ثم قال: “وهذا باب واسعٌ، وقد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع”.

وأمَّا ما نعرفه نحن عِيَاناً ونعرفه في هذا الزمان فكثير”([23]).

وهكذا يصل الإنسان بإيمانه، ويرتقي بإخلاصه واللهُ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ورضي الله عن زيد بن خارجة وأرضاه، وعن جميع صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم([24]).

الدروس والعبر المستخلصة من القصة:

  • لا عَجَبَ أن يتكلَّم الإنسان بعد موته، بإذن الله تعالى، وَقُدْرَتِهِ البَالِغَة، وممَّن ألَّف في ذلك الإمام ابن أبي الدنيا.
  • كرامات أولياء الله تعالى، سارت بِذِكْرِهَا الرُّكْبان، واُلِّفت فيها المؤلفات الحِسَان، وهي استمداد من معجزات النبوَّة. يقول الإمام البُوصِيري:

وَكُلُّ آيٍ أَتَى الرُّسْلُ الكِرَامُ بِهَا  **  فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بِهِمِ([25]).

  • صفات الأولياء المُتَّقِين نَجِدُهَا في آيات من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (أَلاَ إنَّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يَتَّقُون لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة..)([26])، كما نجدها في أحاديث النبي، صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله: “إِنَّ أَغْبَطَ الناس عندي عبدٌ مؤمن..”([27])، إلخ..
  • زيد بن خارجة الصحابي الولي، أَنْطَقَهُ الله بأسرار خفية، وهو مَيْتٌ.
  • خاتَم النبي، صلى الله عليه وسلم، رَمَزَ وجودُه في حياة أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، إلى سلامة الأمة، وَوَحْدَةِ صفِّها، وَرَمَزَ ضياعُه في عهد عثمان، رضي الله عنه، إلى تفكُّك وحدة الأمة، وظهور الفتن المتلاحقة.
  • كلام الصحابي (المَيْت) سَمِعَهُ وحضرهُ جَمْعٌ من الصحابة الكرام، وتيقَّنُوا من إكرام الله تعالى لوليٍّ من أوليائه، وفي ذلك موعظة لمن يَتَّعِظ، وتذكير لمن يَتَذَكَّر.
  • وجاءَ في كلامه- بعد ذلك- وَصْف الخلفاء الثلاثة: أبي بكر، وعُمر، وعثمان، وما قام به كلُّ واحد مِنْهُم، رضي الله عنهم.
  • كان أول كلامه: الإشارةُ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، والاعترافُ برسالته، ثم السَّلاَمُ عليه، ورحمةُ الله وبركاته؛ وَلَعَلَّهُ كان يراه حاضراً.
  • ثُمَّ أَمَرَ الصحابة الحاضرين بالإنصات، مُؤَكِّداً عليه، داعيا الناس إلى الإقبال على أميرهم، والتمسُّك بالسَّمع والطَّاعَةِ له، مُحَذِّراً إياهم من المخالفة المؤدِّية إلى سَفْكِ الدِّمَاء.
  • ولحصول الكرامات، بأنواعها المختلفة يجب التَّحَلِّي بِتقوى الله، عز وجل، وَمَحَبَّةِ النَّبي، صلى الله عليه وسلم، واتِّبَاعِ سُنَّته..

                                                                                               والحمد لله رب العالمين

—————————————————————————————————————

([1]) ينظر: التاريخ الكبير؛ للبخاري، رقم: (1281) 3/ 383، ودلائل النبوة للبيهقي: 6/ 57.

([2]) خَفِيفُ الحَاذِ: بتخفيف الذال المُعْجَمة؛ أي: خفيف الحال، قليل المال، وأصله: قِلَّةُ اللَّحْمِ، والحَالُ وَالحَاذُ واحد، وهو ما وقع عليه اللِّبَدُ من مَتْنِ الفَرَس، ينظر: شرح السنة؛ للبغوي، رقم: (4044)، باب القَنَاعَةِ من الدنيا: 14 / 246.

([3]) غامضاً في الناس: أي خافياً لا يَعْرِفُه أحد.

([4]) (وكان عيشه كفافا) تكرَّرت في المسند مرَّتيْن.

([5]) المنيَّة: الموت.

([6]) البواكي: النساء الباكيات على الميت.

([7]) التُّراث: ما يُخلِّفُه الميت لورثته.

([8]) هو: الحافظ أبو عبد الرَّحمن عبد الله بن أحمد بن حَنْبَل، رَاوِيَةُ أَبِيه، مِنْ كبار الأَئِمَّةِ، وُلِدَ سنة: 213هـ، وتوفي سنة: 290هـ، عَنْ سبعٍ وسبعين سنة. سير أعلام النبلاء؛ للذَّهَبِي: 11/ 333.

([9]) رواه أحمد في مسنده، تتمة مسند الأنصار، حديث أبي أُمامة الباهلي، رقم: (22197) 36/ 535. وابن ماجه في سننه، باب من لا يُؤْبه له، رقم: (4117) 2/ 1378، والترمذي في سننه، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه، رقم: (2347) 4/ 153، وفيه: هذا حديث حسن. وقال الألباني في مشكاة المصابيح: إسناده حسن.

([10]) الجَلْجَلَةُ: شِدَّةُ الصَّوت وحِدَّتُه. المحكم والمحيط؛ لابن سِيدَه، لسان العرب؛ لابن منظور، مادة: (جلجل).

([11]) بئر أَرِيس: بفتح أوَّله وكسر ثانيه، بعده ياء وسين مهملة: بئر بالمدينة. معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع؛ لأبي عبيد البكري الأندلسي: 1/ 143.

([12]) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة: 6/ 55.

([13]) الصلاة الأولى: المقصود بها صلاة الظهر؛ كما في الحديث الذي رواه أبو برزة الأسلمي، رضي الله عنه، حين سُئِلَ عن الصلاة المكتوبة كيف كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يُصَلِّيها؟ فقال: “كان يُصَلِّي الهَجِير، التي تَدْعُونَهَا الأُولى، حين تَدْحَضُ الشَّمْس..”؛ أي: تزول عن وسط السَّماء. والمراد بالهَجير؛ أي صلاة الهَجِير، وهو وقت اشتداد الحَرِّ، والمراد: الظُّهر؛ لأن وَقْتَهَا يَدْخُلُ حينئذ. وحديث أبي برزة هذا رواه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة ، باب وقت العصر، رقم: (547) 1/ 114.

([14]) الأَحْمَاء: جمع حِمَى، وهو ما يجب على الإنسان حمايته من مال وَعِرْض وأرض، وحين يُسْتَبَاحُ الحِمَى فلا نظام ولا أمان. وعند ذلك تُسْتَحَلُّ الحُرُمَات !!.

([15]) ارْعَوَى: رَجَعَ وكفَّ، وعاد إلى رُشْدِه. أمالي ابن الشَّجَري: 1/ 154، خزانة الأدب وغاية الأرب؛ للحموي: 1/193.

([16]) خارجة أبوه، وسعد أخوه، وكانا قتلا يوم أُحُد.

([17]) سورة: المعارج، الآيات: 15- 18.

([18]) من عاش بعد الموت؛ لابن أبي الدنيا، ص: 13.

([19]) دلائل النبوة؛ للبيهقي: 6/ 56.

([20]) البداية والنهاية؛ لابن كثير: 6/ 174.

([21]) دلائل النبوة؛ للبيهقي: 6/ 56.

([22]) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ لابن تيمية، ص: 155، 156.

([23]) نفس المرجع السابق، ص: 166.

([24]) القصة من كتاب: صور ومواقف من حياة الصحابة؛ لسعد يوسف أبي عزيز، بتصرف، ص: 166- 170.

([25]) البيت من قصيدة: “البُرْدَة”؛ المسمَّاة: (الكواكب الدُّرِّية في مَدْحِ خَيْر البَرِيَّة)؛ للإمام البوصيري في ديوانه، ص: 242، وهو من البحر البسيط. ط. 2 الحلبية 1393هـ/ 1973م.

([26]) سورة: يونس، الآيات: 62، 63، 64.

([27]) سبق تخريجه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق