مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامقراءة في كتاب

قراءة في كتاب: “أثر العرف في فهم النصوص قضايا المرأة أنموذجا” رقية طه جابر العلواني

    

مونية الطراز

لمحة عن الكتاب:
عن دار الفكر بدمشق صدرت سنة 1424هـ 2003م الطبعة الأولى من كتاب: “أثر العرف في فهم النصوص- قضايا المرأة أنموذجا” للكاتبة المتميزة رقية طه جابر العلواني، وهو كتاب من شأنه أن يضيف إلى المكتبة الإسلامية دراسة قيمة لا بد أن يكون لها قطوف دانية للباحثين في مجال الدراسات الإسلامية والبحوث المتعلقة بالمرأة على حد سواء.
في هذا الكتاب سعت العلواني إلى الكشف عن أثر العرف في طريقة تناول المجتهدين لنصوص الأحكام ذات الصلة بالمرأة وعلاقته بالتأويلات من خلال تتبعها للظروف الاجتماعية والتاريخية التي وقع فيها التأويل والاجتهاد. فكان جهدها مباركا، قدمت فيه على مدى 327 صفحة عصارة بحث جِدّي، أخرجته في حلة جميلة وسبك رفيع عكس رفعة المحتوى وقوة الفكرة وسعة المضمون.
فكرة الكتاب لا تخلو من جدة، ذلك أن وضع المرأة في العالم العربي والإسلامي محكوم بفهم الفقهاء للنصوص ونظرتهم التي لم تُهمِل عادات الناس وطبائعهم المختلفة طيلة عصور خلت كانت لها خصوصياتها السياسية والاجتماعية، وظروفها التي وجّهت الفتاوى والأحكام ذات الصلة بمسائل المرأة، مرة إلى الصواب وأخرى إلى الخطأ.
وهذه الدراسة التي قدّمتها الدكتورة رقية العلواني تفيد في الرفع من مستوى التعاطي مع القضية النسائية، والانتقال ببحث وضع المرأة من التهافت والسطحية التي طبعت غالب الكتابات المعاصرة ذات الصلة، إلى العلمية اللازمة التي لا يمكن أن تتحقق بدون ربط النتائج بالمقدمات، ووضع صورة المرأة في السياقات التي تشكّلت فيها ملامحها، حتى صارت على النمطية التي هي عليها اليوم.
إن الانحراف عن الصواب الذي صدر عن بعض الفقهاء عند استصدارهم الأحكام أمر لا يمكن تجاهله ولا تجاهل آثاره على وضعية المرأة، ومن تم لا مجال للقطع بقطعية هذه الأحكام عند الاستدلال قبل أن تُنظر في مظانها، وتُبحث العلل وكيف حُكّمت، والمناطات وكيف حُقّقت، وهذا لا يتأتى إلا لمن تدرّب في ميدان علم الأصول، وخبِر طرائق المجتهدين الفحول.
 والكاتبة أظهرت عن كفاءة وجرأة في سبر أصول الخلل في أقوال بعض المتقدمين، وأبانت عن قوة علمية فريدة في تصحيح بعض آرائهم المتعلقة بالمرأة، ومنهج دقيق في بلوغ المرام، فاستطاعت لفت القارئ إلى جوهر الإشكال في قضيتها، وقدّمت للمستفهم فصل المقال والجواب عن السؤال، وهي حين خاضت تجربتها هاته انطلقت مما لمسته من تعلق لكثير من الأحكام ذات الصلة بالمرأة بأحد أصول الفقه الذي بولغ في إعماله عند طلب الحكم الشرعي، حيث اعتبرت أن بعض الأحكام عكست بشكل واضح خضوع طائفة من الفقهاء لسلطان العرف، وأكّدت أن العرف لم يكن إلى جانب المرأة على الجملة، وذلك لما اعتراه من جور وإقصاء، كانت المرأة ضحيته وعلى مرماه.
ثم إن الكاتبة كانت تعلم عُسر اختيارها وصعوبة ما هي مقبلة عليه، لما يحتاجه البحث من مقاربة تاريخية إلى جانب الدراسة الأصولية، وكانت ترى أن العلمية تقتضي معالجة الموضوع من خلال هذا المسلك، فهو سبيلها للبيان وسندها للاحتجاج والاستدلال على ما ذهبت إليه.
مباحث الكتاب:
لقد وُفِّقت المؤلفة فعلا في سعيها خلال الأبواب الأربعة التي ألفت موضوع الكتاب، والتي عرضتها كما يلي:
1- الباب الأول، وخصصته للحديث عن العرف في الدراسات الأصولية والاجتماعية، وفيه سجّلت ضعف الاهتمام بدور العرف في فهم النصوص لدى الدارسين بشكل عام، وبالأخص أولئك المهتمين بموضوع المرأة.
2- الباب الثاني، قدّمت له الكاتبة بتمهيد قبل التفصيل، فأفردته لتوصيف الحالة الاجتماعية والأعراف المتعلقة بالمرأة في العصور الإسلامية المختلفة، والتي حدّدتها في ستة عصور، جعلت لكل عصر منها فصلا خاصا، فبعدما قدّمت نظرة عامة عما جرت عليه عوائد الجاهلية في التعامل مع المرأة في الفصل الأول، تحدثت في الفصول الأخرى عن عصر الرسالة والتشريع، ثم العصر الراشدي، وبعده عصر الأئمة المجتهدين ومرحلة بروز المذاهب الفقهية، إلى أن أنهت المبحث بالحديث عن عصور التقليد المتأخرة، فكان تحليلها غاية في الدقة وآية في البيان، وكان لها المراد من تقريب الصورة التي تعبّر عن أحوال المرأة في تلك العصور.
3- الباب الثالث، قدمت فيه الكاتبة نماذج من التراث الفقهي، سعت من خلالها إلى كشف بعض المجالات التي أثّر فيها العرف على توجيه الأحكام والأفهام وطرائق معالجة النصوص المتعلقة بقضايا المرأة، ولبلوغ الغاية المرسومة، قسمت العلواني هذا الباب إلى فصول ثلاثة، رتّبتها بما يُحقق التكامل بين المباحث ويُبلّغ المقصود، وقدّمت نماذج وأمثلة للتوضيح، كان أولها بسط القول في قضية ميراث المرأة في الإسلام، حيث جعلت هذه القضية عنوانا للفصل الأول، وصدّرته بتقديم  لمحة عن نظام الميراث ومفهوم الإرث عند العرب قبل الإسلام، قبل أن تعرّج على الحديث عن فلسفة الميراث في الشريعة الإسلامية، ورتّبت على هذه المقدمات مبحثا كشفت فيه عن أثر الأعراف والظروف الزمانية في تأويل النصوص المتعلقة بميراث المرأة.
أما في الفصل الثاني من هذا الباب، فدرست الكاتبة نموذج شهادة المرأة في الإسلام، حيث عرّفت مفهوم الشهادة وشروطها، ثم بيّنت أثر العرف في فهم النصوص الواردة في شهادة المرأة، وحين استقام لها الدليل وضّحت ما طرأ على الحكم المنصف الأصيل، وكيف أغفلته الأعراف فحكمت بذلك على نقصان المرأة ودونيتها، ولقد كان هذا التوضيح مَعْبرا مهّد لها السبيل في الفصل الثالث للحديث عن ولاية المرأة القضاء، وكعادتها سلكت منهجا علميا دقيقا لمقاربة هذا الموضوع، حيث قسّمته إلى مباحث ثلاثة: خصصت الأول لمفهوم ولاية القضاء، وخصّصت الثاني للبحث في حكم تولي القضاء، وبيّنت في المبحث الثالث أثر العرف والظروف الاجتماعية في طريقة طرح المجتهدين قديماً وحديثاً لمسألة قضاء المرأة.
4-الباب الرابع، هذا الباب هو الأخير، اختارت فيه الكاتبة أن تضع معالم وضوابط تراها أساسية لفهم النصوص، وذلك من خلال تقسيمه إلى ثلاثة فصول، خصّصت أولها لتاريخ التأويل في الأديان، كان بمثابة توطئة وضعت خلالها القارئ في عمق الإشكال وقرّبته إلى جذوره، فأبرزت مراحل ظهور وتطور علم الهرمينطيقيا، قبل أن تعود للحديث عن إشكالية التأويل التي يرجع أصلها –حسب قولها- إلى قضية تحديد الصلة بين العقل والنقل، هذه الصلة التي عرفتها الأديان الثابتة بالوحي على وجه الخصوص.
الكاتبة في هذا الفصل كانت تتجه بتحليلها لتعليق هذه الصلة بالأديان السابقة، وكانت كمن يوحي بتعلق هذا المنهج بنصوص سماوية أخرى لها أيضا ظروف وحيثيات، وهذا ما حاولت تفصيله في الفصل الثاني حين عرضت لإشكالية التأويل في الفكر الديني في الإسلام، حيث أكّدت صاحبة الكتاب على أن إشكالية التأويل في الفكر الديني في الإسلام تقوم أيضا على تحديد الصلة بين النقل والعقل، إلا أن المشكلة كون النظريات الغربية -بكل ما تحمله من جذور- نفذت إلى فلسفة التأويل في المجتمعات المسلمة، وسرى تأثيرها فيها، مما يحتم على المهتمين ضرورة وضع قانون للتأويل، يضبط حركته ويحدّد سيره، خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة في عصرنا الحاضر.
وأما الفصل الثالث، فقد خصصته الدكتورة رقية العلواني للبحث في ضوابط مهمّة في فهم النصوص، ذكرت منها ثلاثة ضوابط. الضابط الأول: شهادة المركز أو المرجعية المركزية، إذ إن فهم النصوص وتأويلها عبر المراحل التاريخية المختلفة –تقول الكاتبة- جهد بشري تحكمه شهادة المركز وليس العكس، “وعلى هذا بدت الأحكام المتعلقة بالمرأة في مختلف العصور وكأنها خطاب ديني بحت فالأحكام في غالبها تُحال على النصوص من قرآن وسنة، للتدعيم والتثبيت وبهذا بدت تلك التأويلات والأفهام للنصوص على أنها الدين ذاته وإن خرج بعضها عن غائية الخطاب ونازعها” (ص 253). وقد ذكرت الكاتبة أن تحقيق ضابط  شهادة المركز يتم من خلال فهم النصوص وفق قواعد اللغة العربية والاستعانة بعلم قواعد اللسانيات الحديث، ودلالة السياق، ورد المتشابه من النصوص إلى المحكم.
أما الضابط الثاني، فيتمثل في مراعاة مقاصد النصوص وضبطها، إذ إن التوسع في الاجتهاد المقاصدي دون ضوابط منهجية وثوابت شرعية، يمكن أن يشكل منزلقا خطيرا، ينتهي إلى التحلل من أحكام الشرع أو تعطيلها باسم المصالح والمقاصد، وفي هذا الإطار نبّهت الكاتبة إلى أن استدعاء الضوابط والمعايير في التوجه المقاصدي يمكن أن يساهم في إحداث نقلة منهجية، يتم من خلالها التحول من مرحلة التأصيل والتركيز على أهمية المقاصد ودورها في الاجتهاد إلى مرحلة البناء وتكوين ضوابط القبول والرفض لأي تأويل أو جهد يروم استحضار النهج المقاصدي، وأكّدت بالمناسبة أن ضبط الفقه المقاصدي يتم عبر مراعاة ضبط مفهومَي التعبد والتعليل، والاهتمام بتقعيد المقاصد وتحديد الوسائل.
أما الضابط الثالث فنبّهت فيه الكاتبة إلى ضرورة مراعاة ضبط موقع العقل من النص، وأكدت على أن الغلو وعدم الانضباط في إعطاء الحرية للعقل في الاجتهاد، يمكن أن يسوق إلى إهدار الرسم الثابت للدين، وإحلال شريعة عقلية خالصة محله.
هذا وقد ختمت الدكتورة رقية طه جابر العلواني دراستها المتميزة بخاتمة ونتائج مهمة نسوق منها:
– أهمية توظيف التحليل المقارن في الفكر الديني في الإسلام، والمساهمة في حل العديد من الإشكاليات الناجمة عن عدم الإفادة من عثرات الآخر، مع استحضار الضوابط والمعالم لأي مشروع اجتهادي.
– أهمية احترام الموروث الفقهي والوقوف منه موقف التقدير للجهود الهائلة التي بذلها العلماء السابقون رحمهم الله، مع الإيمان بإنسانية تلك الجهود، وإمكانية جريان الصواب والخطأ عليها، فالعصمة والإطلاقية للنصوص المطلقة المفارقة للمكان والزمان.
– أهمية آليات الفهم والتأويل للنصوص من خلال الإفادة مما توصل إليه العلم الحديث من منجزات وتقنيات مع استذكار نسبية التأويلات البشرية مهما علت منزلة أصحابها.
– أهمية مراجعة وتصحيح المواقف الاجتهادية القائمة على منهجيات التبرير والتعليل، ومحاولة تجاوز تحديدات الفكر الغربي في قضايا المرأة على وجه الخصوص، وضرورة مراجعة طرائق التعامل مع قضاياه المطروحة، والتي باتت أقلام كثير من المفكرين المسلمين وقفاً عليها في العصور الراهنة، بالأخص تلك القضايا التي أنجبتها فلسفة عصر الحداثة السالفة.
الكتاب لبنة مهمة من لبنات التأسيس السليم لفهم جديد للدين يناسب العصر ولا يبتعد عن جوهر الشريعة، فهو نبش فيما تهيّب منه الكثيرون ممن باشروا كتب التراث وظهر لهم فيه نظر مخالف، إلا أنه على خلاف بحوث أخرى لم يخرج عن ضوابط المعرفة كما أقرّها العلماء وقواعد الاستنباط كما سار عليها الفقهاء، كما أن الكتاب وضع حجرة في أساس منهج التجديد وقواعد الإصلاح، وأرسى ركيزة مهمة من شأنها أن تدعم الطرح السوي لقضية المرأة في الإسلام، إذ لا بد لبناء الفكر الإسلامي ولتأسيس وعي جديد بالمسألة النسائية من حملة مستنيرين علماء يرفعون القواعد ليشهدوا التصور الإسلامي نقيا كما شهدوه أول مرة.
والله المستعان وهو يهدي السبيل.  

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على KJZnFyiQuvXTqF إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق