مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكشذور

قالوا في المدونة

اختيار أبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي منهج الاعتدال في تدريس المدونة

يقول أبو الحسن علي بن سعيد الرجراجي:

          الطائفة المتوسطة المعتدلة: فهي الطائفة الموفقة إلى ما ضلت عنه الطائفتان، وعميت عنه بصائر الفريقين، وهي أقوم قيلا، وأهدى إلى الحق سبيلا وأهلها على ما كان عليه قدماء الأصحاب من مغاربة المذهب، فبصاعهم كالوا، وعلى منوالهم نسجوا في استعمال ظواهر الكتاب وبواطنه، واستنباط الفوائد الكامنة في فرائد ألفاظه واستنزال الدر النفيس من أهدابه، واستنزال المعنى الرائق من مخزن أوعاره، وهذه الطائفة في المغرب الأقصى أقل وجودا في هذا الزمان من الغراب الأعصم.

            فنحن بحمد الله في كتابنا هذا على سنن هذه الطائفة أجرينا، وفي ميدانها ركضنا، ومن مأخذهم أخذنا، وعلى أصولهم بنينا، ونزيد عليهم من حسن السياق، والترتيب وجوه التحرير والتهذيب في تحصيل المسائل، وتمهيد الدلائل، ونستنبط التأويل المقصود بالدليل المؤدي إلى أوضح سبيل على ما احتمل أن يكون اختلاف السؤال، أو يكون اختلاف الأقوال، أو اختلاف الأحوال، وفي هذه الثلاثة الأوجه يخطر الاحتمال إنما وقع في المدونة، أو الإجمال وتلفيق ما يمكن تلفيقه من الأقوال، وإزالة ما عسى أن يقع في بعض المسائل من الإشكال، وفتح ما تغمم على بعض الأبواب من الأقفال، ويسفر الغطاء عما لنا من الأسرار من إظهار المحجوب من مفهومها من وراء السجوف والأستار بما لم تسبق إليه أقلام العلماء، ولا وطئت ساحته أقدام القدماء، ولا ولجت فيه أفهام الحكماء، ولا يلق في كتبه في تعاليق الفقهاء، ولا سيما ما حصل في أيدي الناس في هذا الزمان من الكتب المترجمة بشرح المدونة، وليست بشرح لها على الحقيقة، وإنما هو النقل من الأمهات، والإطناب في التعريفات، وتعطيل الأوراق بما هو مدون في الدواوين، وقد حكى عن أبي محمد عبد الله بن أبي زيد، قال: في المدونة آبار لا يعرفها إلا مؤلفها، فليث شعري كيف غفلوا، ولم يكشفوا الغطاء عن تلكم الآبار؟ هل للعجز والقصور عن إدراك حقائقها، والحلول بساحة أوعارها، و كلال الفطنة عن استنباط فرات مياهها، أو لعوارض عائقة، وأعذار مانعة صدته عن بلوغ الغاية، واستيفاء النهاية، والظن بهم رضي الله عنهم أن الوقوف عن ذلك لعائق الأقدار، ومانع الأعذار، ولم يصل إلى هذا المغرب الأقصى في هذا الزمان كتاب في شرح المدونة يشفي العليل علته، ويروي الغليل غلته، إلا “كتاب التنبيه” لأبي الفضل العياضي، غير أنه تناهبته أيدي الطلبة، وقعدوا عليه حتى لا يقدر فيه على النسخة الصحيحة، بل تسلطت عليه أقلام من لا يعرف كيف يمسكها، فمسخوه وهو يتوهمون أنهم نسخوه حتى لا يوجد منه شيء يعول عليه إلا من له فطنة ذكية، ورواية زكية، فالبعسار يظفر منه بالمقصود إذا أمعن النظر في المدونة مع توفيق يعضده، والتوفيق بيد الله يؤتيه من يشاء، فها أنا أهذب المقصود وأقرب المطلوب في هذا الكتاب بتلخيص مسائل المدونة، وبيان محل الخلاف فيها، وتحصيل الأقوال المستقرأة من المدونة، وتنزيلها، وبيان مشكلاتها ومحتملاتها بدليل يشهد بصحتها، أو نصوص تقع في المذهب على وفقها، وكل استقراء خرج من موافقة، ويؤيده فهو استقراء ساقط عند أهل التحصيل والتأويل، وإنما اعتمد حذاق المذهب العمل بالاستقراء من المدونة، وقدموه على النص يخالفه في المذهب لصحة المدونة، وقوة إسنادها، وكثرة الاعتناء بها، وكذلك قدمت على ما عداها. وقيدت منها مع ذلك المشكلات الشوارد، وعلقت فيها المعضلات الأوابد حتى غادرتها يسقى منها بالأكف، والسواعد بعد أن كانت شاغرة المسالك والموارد، ونشرت أثناء ذلك من لطائف الفوائد، وطرائف الفرائد ما لم يقع في الشروحات له ذكر، ولا انكشف له في التعاليق ستر حتى يستغني به الطالب عن جملة المصنفات، ويصول به على أصحاب الروايات، وأرباب الدرايات، ويكتفي به عن مطالعة الأمهات، إلا من أراد الاستغزار في الروايات عند تزاحم الأسئلة بالجوابات، أو من تصدى للقضاء والمحاكمات.

          ولعلنا لا نعدم غمرا جاهلا، أو حقودا عن منهج الحق مائلا يشحذ إلينا حربة الطعن، ويفرق نحونا سهام سوء الظن، ويدعي ألا تصنيف إلا ما صنفه القدماء، وأن كتب الماضيين بالاقتداء أولى، وما حدث من التصانيف بدعة، وما ترك الأوائل للأواخر شيئا، وقد كان فلان و فلان مع قوة باعهم في العلم ما مدوا أفهامهم إلى التصنيف، ولا بروا أقلامهم على التأليف، ويسرد من هذا الهذيان كثير، أو يحجج على خطابه بحجج، ويكثر الكلام بغير فائدة، فهذا المسكين المجهول قد ضيق واسعاـ وتعرض لاكتساب الآثام طائعا، ولم يدر أن باب التصنيف مفتوح، وهو لمن ساعده التوفيق من الله مبذول وممنوح، وللحق لسان صادع، وحسام قاطع، وقضاء لا يرد وباب لا يسد، فاعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال، فتتحير في متاهات الضلال.

          جعلنا الله وإياكم ممن اتضح له الحق فاقتفاه، وظهر له الباطل فنفاه، وإلى الله ارغب في الثواب الجزيل، وهو حسبي ونعم الوكيل، وبه اعتصمت عصمة تقمع شهوات النفس ودواعيها، وتوفيقا يرشد إلى مناهج الطاعات ومساعيها.

 

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

لأبي الحسن علي بن سعيد الرجراجي 1/43 و ما يليها. تقديم فضيلةالشيخ علي علمي لقم، اعتنى به أبو الفضل الدمياطي احمد بن علي، مركز التراث الثقافي المغربي، دار ابن حزم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق