مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

عيار شواذ أحرف القراءة وما إليها عند ابن جني (ت‍ 392ه‍) رحمه الله تعالى

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين وصلوات ربنا وسلامه على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد؛

فسياق الحديث وتصريفه في هذه المقامة إلى ؛ تتبُّع نَفَس العلامة الأديب المقرئ أبي الفتح ابن جني (ت‍ 392ه‍) (رحمه الله) في وجه اعتماد الشاذ من أنماط التلاوة (رواية ودراية)، وما تخلَّف عن رتبة المطَّرد المتواتر أو المستفيض المشهور واعتباره أو ترك إعماله وما إليه، ثم تقصّص مَوْطئه ورصْد متصـرَّفه إزاء ما يُنعت ب‍ (الشاذ) أو(الآحاد) أو (الضعيف) في عُرف الصنعة أو ما أشبه، فقد كان العلامة أبو الفتح على ذُكْر من خَبر الشاذ الذي احتفَّتْ به الرواية من أنحائه وثبت دورانه واستعماله وتخلص قياسه، إذ عنده أن سمة (الشاذ وما اتصل به) في معهود أهل صنعة العربية وأرباب القراءة؛ نسبة اصطلاحية صناعية درج عليها أئمة القراءة بل أصفقوا على الأُنْس بمواردها وخبروا مصادرها ومطارحها؛ لأن هذا الضرب من القراءة مما أُنزل القرآن للتلاوة به وهو من القول المرضيّ لديه كما قرر ابن جني، وإنما ذَرَّت الشبهةُ قَرْنها وتمكّنت من النفوس  – في عامة الناس – بعد تسبيع السبعة القراءات من لدن الإمام ابن مجاهد (ت‍ 324 ه‍) وتضمينها في سفر جامع نافع (كتاب السبعة) وما استتبع ذلك من انثيال إسهامات النظّار (إفرادا وجمعا) والْتياث تفريعاتها خدمة لقصد الواضع الأول ودفعا للوهم الواقع أو المتوقع عن أذهان الناس وقلوبهم المترتب عن الحصر للصحيح في دائرة الأئمة السبعة المنتقين وأن ما سواهم شاذ متروك لا اعتبار به، كلا …، فلذلك اعتُبر غير المشتهر من السبع مما رُوي بعدُ كالثلاث المتممة للعـشر شاذّا بهذا الاعتبار، زد على ذلك القراءات الأربع الزائدة عن العـشر (الحسن البصـري، ابن مهران الأعمش …) التي حظيت بالتأيُّد والنفاذ بل جعلوا استيعابها والحياطة بأكثرها وأوجَهها أمارةً ناصعة على اكتمال ثقافة المقرئ ونباهة شأنه باستيعاب أوجه الشاذ ومراتبه (قوة إعرابه، وثاقة نقله)، فتلك وغيرها – مما لم يبلغ رتبة التواتر أو الاستفاضة – كلها مما يسوغ به الاحتجاج أو التعليل باتفاق أئمة العربية، إذ إن (الشذوذ لا ينافي الفصاحة) كما قرَّر أئمة العربية كالفارسي (ت‍ 377ه‍) وابن جني (ت‍ 392ه‍) وغيرهما،قال السيوطي (ت‍ 911ه‍) رحمه الله: (وما ذكرته من القراءة الشاذة؛ لا أعلم فيه خلافا بين النحاة) [الفيض ص1/421]، وعليه؛ فنظرة متأنية في فصول (المحتسَب) له ومباحثه الذي وضعه أبو الفتح حُجّة لشواذ ابن مجاهد (ت‍  324ه‍) كافية في تبيّن وجْه ما نحن بصدد بثّه، فطلب الحجّة لأحرف المروي مما نزل عن رتبة المأخوذ به عند أرباب الصنعة والمصيرُ إلى اكتناه الدليل ورفع أعلام النصرة له هو المستفاد من عنوانه (المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها)، فقد أوعب فيه رحمه الله فرائد العربية ووجوه التصريف وألوان النكت البيانية واستخدامات روح اللغة ومعهود لهجات القبائل … في أسلوب فائق وديباجة مشرقة … وعليه؛ فلبن جني (ت‍ 392ه‍) رحمه الله لم يصرفه شذوذ الرواية وانقطاع أسنادها عن تحمّلها ورفع الرأس بما فيها من قوة الإعراب ونهوض القياس واعتقاد ا عتمادها في التفسير والتأويل وتعيين غايات التنزيل، وإنما استنكف الناس عنها مخافة الانتشار في القراءة بما ضعف إعرابه منها واختل ميزان القياس فيها وما إلى ذلك، قال رحمه الله: (فإن قصر شيء منه عن بلوغه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلن يقصـر عن وجه من الإعراب داع إلى الفسحة والإسهاب، إلا أننا وغن لم نقرأ في التلاوة به مخافة الانتشار فيه، ونتابع من يتبع في القراءة كل جائز رواية ودراية، فإنا نعتقد قوة هذا المسمى شاذا، وأنه مما أمر الله بتقبله وأراد من العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه ومرضي من القول لديه، نعم وأكثر ما فيه أن يكون غيره من المجتمع عندهم عليه أقوى إعرابا وأنهض قياسا، إذ هما جميعا مرويان مسندان إلى السلف رضي الله عنه، فإن كان هذا قادحا فيه ومانعا من الأخذ به فليكونن ما ضعف إعرابه مما قرأ بعض السبعة به … ولعمري أن القارئ به من شاعت قراءته واعتيد الأخذ عنه، فأما أن نتوقف عن الأخذ به لأن غيره أقوى إعرابا منه؛ فلا) [المحتسب 1/23]، فهذا موطن اتفاق الأئمة (ابن مجاهد وابن جني والفارسي …) في الدفاع عن الأوجه الشاذة والاحتجاج لها من جهة ربطها بأصل من أصول العربية والاتساع في وجوه تخريجاتها النحوية والإعرابية بالذي يعزز جانبها ويدعم كيانها ويربأ بها عن الشذوذ اللغوي، وأما التي لم يتحقق فيها شرط السماع وتتأكد روايتها وعليه؛ فملاذ أبي الفتح رحمه الله في الشواذ على ما زكاه ابن مجاهد والتزمه في كتابه وبثه فيه، قال في المحتسب [1/35]: (وعلى أننا ننحي فيه على كتاب أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد رحمه الله الذي وضعه لذكر الشواذ من القراءة، إذ كان مرسوما بهم حنو الأرجاء عليه، وإذ هو أثبت في النفس من كثير من الشواذ المحكية عمن ليست له روايته ولا توفيقه ولا هدايته)، فالإمام ابن مجاهد كابد شذوذ الرواية والسماع والعلامة ابن جني عالج الشذوذ اللغوي والنقل عن شيخه الفارسي وسيبويه …، فقد زاد أبو الفتح في هذا التنصيص رحمه الله ضابط إحسان الظن بالمنقول عنه أنه نقل ذلك سماعا ورواية لا اجتهادا ورأيا مثل الذي روي عن الأعمش قال: سمعت أنسا يقرأ (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمِزونَ) [التوبة/75] قيل له: وما يَجْمِزونَ ؟ إنما هي يَجْمَحونَ؛ فقال: يجمحون ويجمزون ويشتدون واحد، [الكشاف، ابن عطية، البحر المحيط آية التوبة 57] ومن ذلك الجمازة والجمّاز للناقة والبعير شديدا العدو، والجمْز والجَمَزى هو عدو دون الحُضْر الشديد وفوق العَنَق [القاموس المحيط مادة ج م ز] قال أبو الفتح: (ظاهر هذا أنّ السلف كانوا يقرأون الحرف مكان نظيره من غير أن تتقدم القراءة بذلك، لكنه لموافقته صاحبه في المعنى، وهذا موضع يجد الطاعن به إذا كان هكذا على القراءة مطعنا؛ فيقول: ليست هذه الحروف كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كانت عنه لما ساغ إبدال لفظ مكان لفظ، إذ لم يثبت التخيير في ذلك عنه، ولما أنكر أيضا عليه (يجمزون) إلا أن حسن الظن بأنس يدعو إلى اعتقاد تقدم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة التي هي يجمحون ويجمزون ويشتدون؛ فيقول: اقرأ بأيها شئت، فجميعها قراءة مسموعة عن النبي صلى اله عليه وسلم لقوله عليه السلام: نزل القرآن بسبعة أحرف، كلها شاف كاف) [المحتسب 1/296]، وكتاب المحتسب مليء بنماذج الشاذ الذي بالغ أبو الفتح رحمه الله في النصرة له ورفع رأسه به ولو كان بالغ الضعف والشذوذ مما قد يشعر بالتعمل والتمحل والتعسف، وذلك ما يؤزه إلى تطلب الوجوه والنظائر للمقروء به ولو كان قياسا بعيدا وتوجيها غريبا، وذلك ومثله ما جعل العلامة أبا حيان يحمل عليه ويقول فيه ما أُثر عنه: (وهذا التوجيه … في غاية البعد، وينزه كلام العرب أن يأتي بمثله، فكيف كلام الله تعالى، وكان ابن جني كثير التمحل في كلام العرب) [البحر المحيط 2/512]، وعليه؛ فمن خبر شخصية ابن جني وعانى طريقته في استقصاء الشواهد وتتبع الأمثلة لتصحيح معنى أو تقويم معنى من المعاني العربية، أدرك أن الباعث الحثيث في الاحتجاج والتخريج على جهة التمحُّل والتماس الحيلة اللغوية؛ كمن في ابتغاء الزلفى لدى الله عز وجل واحتساب الأجر والمثوبة عنده سبحانه بالدفع عن قراءات وأوجه مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موصولة الرواية به، وذلك ما صدع به في ديباجة كتابه المحتسب (فإنا نعتقد قوة هذا المسمى شاذا، وأنه مما أمر الله بتقبله وأراد من العمل بموجبه، وأنه حبيب إليه ومرضي من القول لديه …) [المحتسب 1/23]، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع.

Science

د.مولاي مصطفى بوهلال

    • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق